تركيا – إيران.. تحالف الضرورة

خطوة

بقلم: صالح عوض

تركيا وايران دولتان إقليميتان كبيرتان يحمل كل منهما مشروعا لا يقف طموحه عند حدود الإقليم.. جارتا العرب المتوحدتان بتاريخهم خلال قرون طويلة والمتشابكتان في قضاياهم إيجابا وسلبا، تتحركان الآن بعد أن غاب الدور العربي وانهار أمام تيار الردة، تريدان فرض شروط جديدة في المنطقة وخرائط سياسية جديدة.. تشعران أن هناك إرادة دولية بإخراجهما من المسرح بالقوة وعدم السماح لهما بالتمدد.. وأن اتفاقيات الإمارات والبحرين مع الكيان الصهيوني خطر استراتيجي ماثل مشترك أمامهما، فهل يكون هذا كافيا لتتفاهم الدولتان على محاصرة الانهيار الأمني الاستراتيجي في المنطقة؟وهل تتجهان إلى تحالف يلبي طموحيهما فضلا عن توفير الأمن الاستراتيجي لبلديهما وكيف يمكنهما فض الاشتباك بينهما في ملفات أخرى معقدة؟

صراع وهدنة:

من المهم التوطئة بمرور سريع على تاريخ العلاقة بين هذين البلدين العظيمين المؤثرين في المسيرة البشرية.. فلقد وحدت عالميتنا الإسلامية الأولى الكتل الكبيرة العرب والفرس والترك والبربر والكرد وصهرتهم في شخصية حضارية واحدة بمنظومة قيم ومفاهيم مشتركة.. وكانت إيران جزءا أساسيا فيها من منذ انطلاقتها، وضخّ الفرس فيها فنونهم وتجاربهم وعلومهم وخبرتهم الإنسانية العظيمة، مما منح حضارتنا ألقا متميزا في سجل الحضارات البشرية، ونبغ من فارس كبار العلماء في  الحديث والفقه واللغة والعلوم بشتى صنوفها، كما كانت بلادنا العربية جزءا من الخلافة العثمانية قرونا عدة وحدت دمنا في معارك فاصلة وحاسمة ضد الحملات الصليبية لاسيما تحرير الجزائر من الحملة الصليبية الاسبانية معركة الجزائر 1541.. عندما سُحقت أقوى جيوش أوروبا على أبواب الجزائر و كذلك صد الحملة الفرنسية عن فلسطين، وإفشالها عند أسوار عكا في سنة 1799.. ولقد كان للعثمانيين دور حاسم في حماية الأمة قرونا وكانت دولتهم عزا للإسلام وصونا للمسلمين في مشارق ديار العرب ومغاربهم لاسيما في قرونها الأولى.. وعندما وصلت الأمة إلى نهايات دورتها الحضارية الأولى بدأت مكوناتها القومية والمذهبية في تصارع داخلي تجلت أحد مشاهده في معركة طويلة بين الصفويين والعثمانيين انتهت بخروجهما من مسرح الحياة. 

رسم الصفويون والعثمانيون خريطة علاقات متوترة مشوبة بالشك والتصيد بينهما ردحا من الزمن.. على مدار أكثر من 120 عامًا بين القرنين السادس عشر والسابع عشر استمرت  المعارك كرا وفرا في ظروف سياسية دولية معقدة، استغل الصفويون انهماك العثمانيين في شرق أوربا حيث كانت محاولاتهم اقتحام “فيينا”، تلك صفحة من تاريخ البلدين الجارين.

وفي العصر الحديث تحكم في البلدين نظامان ديكتاتوريان حليفان للاستعمار الغربي: الاتاتوركية اللائكية في تركيا، والشاهنشاهية الشعوبية في إيران، وكانا بمثابة أداة فاعلة بيده ضد هوية الأمة وانتمائها ومصالحها الإستراتيجية وبشكل مركز ضد العرب بتحالفهما الموثق بالكيان الصهيوني وبعزلهما نهائيا عن الأمة.. وترافق مع ذلك تعرض البلدين لموجة من التغريب والعلمنة قاسية، فكانت طهران وأنقرة أكثر عواصم المسلمين علمنة وتغريبا وتحالفا مع القوى الاستعمارية، وفي ظل الولاء للغرب وعلى أرضية التغريب أعجبَ الشاهَ رضا بهلوي بما كان من علمنة تركيا مصطفى كمال فتكررت زيارة الشاه إلى أنقرة وعقد الاتفاقيات والتفاهمات، ومن خلال علاقتهما المتبادلة وإحاطتهما بالمنطقة العربية مثل البلدان ضامنا حقيقيا للجم المنطقة العربية، وصرفها عن قضية فلسطين.

سقط النظامان العلمانيان بطريقتين مختلفتين، الإيراني بثورة شعبية، والتركي بانتخابات ديمقراطية، وأعلن في كل منهما التأييد للحق الفلسطيني بكيفيات مختلفة أيضا.. فلئن صرح الإيرانيون بأنهم لن يقبلوا بأقل من إزالة الكيان الصهيوني من أرض فلسطين، اكتفى الأتراك بإعلان التأييد للمقاومة الفلسطينية ومساندة القضية الفلسطينية، فيما بقيت علاقتهم مع الكيان الصهيوني، ولازالت تركيا عضوا في حلف الأطلسي.

أردوغان والخميني:

كل منهما بمثابة عنوان لعودة بلده إلى حياض الأمة كما يرى أنصار كل منهما.. يصنف الطائفيون وكذلك الإعلام المتغرب الموجه بلداننا العربية والإسلامية ليس بحسب انتمائها التاريخي الحضاري الواحد أو بحسب موقفها من قضايا الأمة انتصارا أو خذلانا، إنما بحسب تصنيفات تثير الفتنة وتعيث بالمقدس.. من هنا تسمع عن دولنا العربية على اعتبار أن شعب كل دولة منها أمة وحده، كما تسمع عن إيران الشيعية وتركيا السنية كعنوانين للتقاسم الطائفي.. ليس فقط الطائفيون والإعلام المعادي من يتبنى ذلك فالأمر يتعدى ذلك إلى الساسة والمنظرين في شتى البقاع بل وأيضا لعلماء الإسلام. 

في إيران نظام سياسي إسلامي شيعي غير متطرف، ومنفتح على مفكري السنة وعلمائهم الذين تركت أفكارهم أثرا واضحا في الفكر الإسلامي الإيراني، بل ما انفك يعلن انه ينشد الوحدة الإسلامية ويعقد لها المؤتمرات وأنه يقف مع العرب في قضيتهم المركزية فلسطين ويدعم قوى المقاومة الفلسطينية.. وفي تركيا نظام سياسي علماني بمرجعية إسلامية إخوانية معتدلة في العقائد والفقه والسياسة الشرعية لا تكفر الشيعة بل لها علاقات تاريخية ايجابية معهم منذ انطلاقتها في العشرينات من القرن المنصرم وهذه أرضية تهيئ للتلاقي.. وتجد تركيا السنية المنفتحة أنها في موقع اقتدار للتفاهم مع إيران الشيعية غير المتطرفة ويمكن لتفاهماتهما ان تحقق جبهة قوية أمام أطماع الدول العظمى ومخطط الإمارات-الصهيوني.

بين تركيا الأردوغانية وإيران الخمينية تبدو نقاط التقاء جوهرية، فلقد سبق للخميني في كتبه أن امتدح العثمانيين وتصدى للصفويين، كما أن هناك افتراقات واضحة وحاسمة بينهما، الأمر الذي يجعل العلاقة بين البلدين محكومة بالتأرجح حسب المواقع والمصالح والمواقف المرشحة باستمرار إلى التفجر أو التوافق ولقد اثبت سلوك الدولتين نضجا سياسيا وأداء منطقيا في التعامل بينهما.. وباستمرار كانت توجد مصلحة إستراتيجية بين البلدين للتفاهم، على رأس الملفات: الملف الكردي وما يمثل من خطورة إستراتيجية على البلدين، فكان التفاهم مشتركا بينهما للتصدي لمحاولات الانفصال الكردية…. ثم لابد من مراقبة لعبة التحالفات والاصطفافات المتبدلة، فلقد أصيب التحالف السعودي التركي الذي تلاقى في الحرب على سورية بهزة عنيفة، عندما سارع السعوديون إلى إعلان موقف مساند وقوي مؤيد لإسقاط حكم الإخوان في مصر شأنهم شأن حكومة الإمارات.. لم يكن موقف إيران مما حصل في مصر منحازا للإخوان المسلمين، لكنه لم يكن أيضا مؤيدا للانقلاب عليهم، الأمر الذي تلقفه الأتراك بعين الرضا.. وفي صفقات أمنية بين البلدين سلم الأتراك للإيرانيين بموجبها عملاء إيرانيين يشتغلون لصالح الموساد الإسرائيلي، التقوا بمشغليهم على الأراضي التركية، ما يعني أن هناك علاقات عميقة تحت الطاولة بين البلدين، قد يكون الإيرانيون أراحوا الأتراك من تهديدات أمنية تستهدف مصالح تركية.. 

كما أن هناك قضايا خلافية معقدة كالتي في سورية واليمن والعراق وبعض مناطق الاشتباك وعلاقة ذلك بالاشتباك مع سياسات دول إقليمية أخرى حيث دفعت تركيا بكل قوتها لإسقاط النظام السوري في حين دفعت إيران بكل قوتها وتحالفاتها للدفاع عن النظام السوري وقد تحمل البلدان أوضاعا داخلية نتيجة موقفيهما تتفاقم،.. كما أن الخلاف في اليمن حيث تقف إيران مع الحوثيين وتقف تركيا مع حزب الإصلاح الإخواني والمعركة طاحنة بين الطرفين بالإضافة لتدخلات القوى الإقليمية.. وهناك ساحات للمواجهة بين إيران وتركيا في أكثر من مكان وقد تمتد إلى أماكن أخرى.

إلا أن كلا من تركيا وايران احتفظت بقدر كاف من اللياقة لاستثمار ما يتم التفاهم عليه فكانت التجارة البينية بين البلدين مستقرة دوما وتشهد اضطرادا وتناميا حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين 30 مليار دولار وهو آخذ في الازدياد وقد مثلت البنوك التركية وسيطا معتبرا لإيران في المرحلة الأولى من الإفراج عن ودائعها في البنوك الأمريكية.. كما أن إيران قامت بدور معتبر ضد محاولة الانقلاب على  أردوغان وتبدي حرصا على تنسيق أمني وسياسي عال مع إسطمبول.

تحالف الضرورة:

تميز الموقف التركي والإيراني بإدانة واضحة صريحة لهرولة الإمارات والبحرين للتطبيع مع الكيان الصهيوني.. وفي حين أن العلاقات الإستراتيجية بين حكام البلدين العربيين والكيان الصهيوني سترتد على الدول العربية أمنيا واقتصاديا وسياسيا بآثارها المباشرة السلبية في أكثر من مكان لاسيما مصر والأردن وليبيا واليمن.. إلا أن الاستشعار العربي الرسمي لم يرسل رسائل الإحساس الخطر بعد.. 

تركيا تدرك أن هذه العلاقات الإماراتية مع الكيان الصهيوني تستهدفها وستعزز الصراع بين المشروع الإماراتي والتركي في أكثر من مكان بدءا بليبيا واليمن وسوريا واليونان والسودان وإفريقيا، فتركيا تدرك بأن الكيان الصهيوني لن يكون سعيدا بتحركها في مجالات حيوية لتوسيع النفوذ والاستثمار في شرق المتوسط والتحكم في رسم خرائطه البحرية، وتشعر إيران بالخطر الصهيوني يقترب من سواحلها حيث ستصبح أرض الإمارات قواعد أمنية متقدمة ضد إيران وتصبح شواطئ الإمارات والبحرين تحت إدارة مشتركة صهيونية أمريكية خليجية، وسيعج البحر بغواصات صهيونية.. كما سيتم اختراق مضيق هرمز  وباب المندب وحضور صهيوني في كل الموانئ العربية والإفريقية والآسيوية التي تشرف عليها شركة موانئ دبي وتوتير المنطقة.

وعلى هذا ترى تركيا وإيران أن الاتفاقيات الإستراتيجية تستهدف أمنهما ومشروعهما بشكل مباشر وهو ما لا يمكن الوقوف أمامه بتردد.

ليس من سبيل أمام الأتراك والإيرانيين إلا فتح الأبواب كلها وذلك سعيا إلى تمدد جبهة المعارضة للسياسات الأمريكية، والاختراقات الأمنية الإسرائيلية ومغامرات البعض الأمنية.. وهذا يعني تعديل مواقف من قبل البلدين للتوصل إلى رؤية سياسية مشتركة، تصلح أن تكون ضامنة لتحالف استراتيجي بين أكبر بلدين إسلاميين في المنطقة.. وذلك يعني إيجاد تقارب في المواقف تجاه سورية واليمن والعراق وليبيا.. و لعل التصريحات الأخيرة التي صدرت في أعقاب لقاءات بين مسئولين بالبلدين تؤكد على ضرورة التحالف لمواجهة المرحلة المقبلة حيث تركزت البيانات المتبادلة على نقطتين: الأولى: المساندة الكاملة للحق الفلسطيني ورفض الموقف الإماراتي والبحريني، والثانية: الإقرار بوحدة سورية شعبا وأرضا.. ولعل هذا مدخل ملائم لتفاهمات أعمق.

إن مشاركة إيران في المؤتمر الاقتصادي الإسلامي الذي دعت له ماليزيا بحضور تركيا يعني حرصا إيرانيا على أن تكون جزءا من منظومة إسلامية كبيرة.. ولعل التصريحات المتلاحقة من باكستان ومؤيدة من قبل تركيا حول إنشاء مؤسسة إسلامية تحمل هموم الشعوب المسلمة تجد استحسانا إيرانيا من شأنه إخراج إيران من عزلة قومية وطائفية تحاول دول الخليج فرضها عليها.

إن هذا من شأنه فتح العلاقات العملية الواسعة بين تركيا وإيران وفتح المناخات النفسية بين البلدين وما يمثلانه من امتدادات شعبية ورسمية.. ولعل كل منهما أدرك أن الأمريكان لا أمان لهم في علاقات بعيدة المدى وان الروس يسيرون لطموحات كونية خاصة بهم على حساب أي قوة إقليمية ولن يكونوا سعداء بوجود دول إقليمية قوية.. لهذا يكون على البلدين الكبيرين التحالف الأمني والتعاون الاقتصادي والتنسيق السياسي على أوسع نطاق.

وهنا يتوارد السؤال: هل تسمح الإدارة الأمريكية لمثل هذا التقارب؟ وما هو موقف الغربيين منه؟ وللإجابة عن ذلك لابد من الإشارة لموقف أردوغان المليء بخيبة الأمل من الغربيين، إثر موقفهم مما حصل مؤخرا في أزمته مع اليونان فاتهمهم بالانحياز العنصري وهو استنفروا ضده في البحر وفي السياسة وأدرك أن لا شيء يمكن أن يصدهم.. الأمر الذي يشير إلى أن الرجل قد ينطلق نحو خطوة أخرى في العلاقات الإقليمية، سيما والأمريكان في حاجة ماسة لتركيا، ولن تغامر باللعب بالنار معها وهم في أمس الحاجة إليه الآن رغم التصريحات الأمريكية المضطربة تجاهه.. والإيرانيون يدركون أن الموقف من فلسطين لدى الأتراك موقف عميق وجذري، وإن كان غير مترجم بحكم قيود واستحقاقات على تركيا، فإيران في هذه الحالة ترى في اقترابها من تركيا تقوية لموقف الأتراك، ودعما لهم.

يجب أن لا يبقى غياب العرب عن المسرح السياسي مدعاة لرفض تقدم الآخرين من الدول الإسلامية شريكة التاريخ والمستقبل، فعجلة التاريخ لا تنتظر أحدا.. ولكن على إيران وتركيا إدراك قيمة العرب في صياغة مستقبل الأمة رغم قسوة اللحظة عليهم وعنفها، مما يحتم مراعاة شروط الجغرافيا الحضارية.. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك