تخبط عالمي أم انهيار إمبراطوريات.. أين العرب؟

المنعطف التاريخي

بقلم: صالح عوض

أي مستقبل لدولنا ومجتمعاتنا؟ ما هو مصير فلسطين؟ ما هو مصير القوى العظمى وقد تزعزع اقتصادها؟ هل جاء كورونا إيذانا بانتهاء الحضارة المعاصرة بعد تلوث البيئة، والتغيرات المناخية، وضخ أسلحة الفتك، وتوحش الرأسمالية، وبشاعة الشمولية، وتجريد العلم من القيم، وإشعال الحروب؟   

إننا نعيش واحدة من منعطفات التاريخ بالغة الخطورة، لذلك نستدعيه.. إنها سنن ماضية في الطغاة ينهارون وهم بكامل قدرتهم وعتادهم، لأن القوة الحقيقية تكمن في دائرة أخرى لها علاقة بالتقييم الصحيح، والفعل المحسوب، أما القوة الغاشمة فهي حيوان بليد -كما يقول فرانزفانون- ومن هنا سقطت الإمبراطوريات السابقة والحديثة جميعا.. 

كورونا كما كل هزة عالمية كبيرة ستدفع الى تغيير في الخرائط و استبدال في القوى العالمية.. أين ستكون الصين؟ وفي أي حالة سيكون الاتحاد الأوربي؟ وإيران كيف تخرج من البلاء؟   ووحدة الولايات الأمريكية واقتصادها أي مصير لها؟ ونحن العرب هل نسترد دورنا؟ نحاول هنا رصد إرهاصات التغيير، ونواميس حركته في هذا الحيز الممكن.

كورونا والحقيقة:

 كشفت جائحة كورونا عجز النظام العالمي عن القيام بواجبه، وكشفت الجائحة عبثية المناهج التي تسير الدول العظمى.. فبمراجعة لتقارير طبية سابقة قدمت كثير من المختبرات العلمية لاسيما في أمريكا تصورا واضحا عن طبيعة الفيروس كما حذرت تقارير أمنية بهذا الخصوص قد رفعت إلى البيت الأبيض ولم يكترث بها بحجة إن السعي المبكر للتصدي للفيروس سيكلف الخزينة ملايين الدولارات، وفي حين يتم رصد تريليون وخمسمائة مليار دولار لتطوير طائرة أف 35.. وعلى المستوى العالمي يكفي النظر الى رقم 4٬534٬186٬295 دولار النفقات العسكرية من قبل الحكومات في العالم اليوم- وقت الحصول على القراءة- لنتأكد أن صحة المواطنين وسلمهم الاجتماعي هو آخر ما يمكن التفكير فيه.. فالأولوية هي مصالح الجهات المتحكمة في الاقتصاد العالمي ، ويكفينا هنا ذكر أرقام.. “841.755٬535 ” هذا عدد الذين يعانون من سوء التغذية في العالم في هذه اللحظة، أما عدد المتوفين جوعا اليوم 28.044 أنسانا ويمكن إضافة أرقام أخرى لمرضى بلا قدرة على شراء الدواء.. هذه أرقام لا تهم الأنظمة في حين إنها تملأ الدنيا ضجيجا عن خطورة كورونا لأن كورونا أغلق المصانع وضرب رأس المال وهذا هو المهم لديهم وليس الإنسان.. أما دولنا العربية فلقد انهمكت في شراء الأسلحة والإنفاق الاستهلاكي وتفريغ خزائنها لنعيش العجز الكبير في مواجهة الوباء الفتاك.

 ورفعت جائحة كرونا الغطاء عن كارثة تدمير البيئة وتلويث المناخ فلطالما صرخ علماء البيئة بضرورة ترشيد استخدام الطاقة في الثورة الصناعية حيث انبعاث ثاني أكسيد الكربون، وهذا ما صنع الاحتباس الحراري فحدث ذوبان الجليد لترتفع درجة البحار متسببة في قتل الحيوانات البحرية مصدر البروتين من السمك لمليار إنسان، وقد رصدت أقمار صناعية تابعة لوكالة “ناسا” ووكالة الفضاء الأوروبية بعد أسابيع من انطلاق جائحة كورونا تراجع مستويات ثاني أكسيد الكربون في الصين، الذي يعتبر أحد أهم ملوثات الهواء، وجاء هذا التراجع بسبب إغلاق العديد من الشركات والمصانع وتوقف السيارات. 

  لقد كشف كورونا عوار منهج تسيير الحياة المعادي للانسجام الكوني فبعد اختصار “كرنفال البندقية”، عادت مياه قنوات البندقية إلى صفائها مع غياب السفن السياحية و توقف الزوارق السريعة التي كانت تجوب القنوات والبحيرة الشاطئية بمبالغة مثيرة الرواسب الطينية .. وعبر الفيسبوك، استحدث المواطنون صفحة بعنوان “البندقية النظيفة” يتبادلون عبرها صور طيور أو سمكة تسبح بهناء وهو أمر ما كان ممكنا قبل أيام قليلة بسبب المياه العكرة.. لقد عادت الطبيعة الى تنفس الهواء النقي والانسجام بمجرد توقف الاستغلال البشع لها.

كورونا وأمريكا:

لقد فضح كورونا المنظومة الصحية الأمريكية وأظهر ضعفها الأمر الذي دفعها لتستغيث  بتركيا والكيان الصهيوني، وعلى الصعيد الإقتصادي فإن كورونا عرّى الدعايات الإعلامية وجاء تقرير بمجلة “ناشيونال إنترست” الأميركية قبل أيام ليقول: إن الولايات المتحدة قد تواجه عاصفة اقتصادية، تدفع بالبلاد إلى حالة من الركود، وستتعرض البلاد إلى مخاطر على المدى البعيد أسوأ بكثير.. ورجح كاتب التقرير “دانييل ديفيس”:سيكون الاضطراب الاجتماعي الذي يمكن أن يتسبب على المدى القريب لملايين الأميركيين؛ خطيرا وشديدًا” فهل سيكون هذا بانهيار وحدة الولايات.. كما توقع باحثون من الجامعة الوطنية الأسترالية أن الخطر محدق بأمريكا في دراسة صدرت قبل أيام تطرقت إلى التكلفة المحتملة من الناحيتين البشرية والمالية.

إن تفشي فيروس كورونا ليس هو الأزمة الوحيدة، فهناك الكثير من التهديدات الرئيسية المرافقة، منها خسائر الأسهم الأميركية، والانخفاض الكبير في أسعار النفط.. الأمر الذي سيسفر عن نكسات إضافية للاقتصاد الأميركي المثقل بالديون أصلا.. ويرى اقتصاديون دوليون ان النتائج التي ستلحق بالولايات المتحدة جراء ذلك مدمرة.. وإن الإنفاق على الديون وعجز الميزانية يمكن أن يرتفعا إلى مستويات لا يمكن تحمّلها وان سداد الديون وحده يمكن أن  يساوي ميزانية وزارة الدفاع بالكامل

تظهر البيانات الأمريكية المالية إن ديون أمريكا عندما تولى أوباما منصب الرئاسة كانت عشرة تريليون دولار، ووصلت إلى عشرين عندما غادره، بينما تبلغ نسبة الدين العام حاليا 23 تريليون دولار، لتشكل بذلك 107% نسبة إلى الناتج المحلي الإجمالي.. وقد ظلت مسألة تسديد الديون مؤجلة بتهرب الساسة الأمريكان من مواجهتها.

كورونا وأوربا:

لابد من التأكيد بأن الإجراءات الإيطالية في التعامل مع فيروس كورونا كانت متأخرة ومتخبطة الأمر الذي ألقى بظلاله على سير المواجهة للوباء لتصل ايطاليا كما قال رئيس وزرائها الى أخطر أزمة بعد الحرب العالمية الثانية، وقد قدر رئيس اتحاد الصناعيين الايطاليين خسارة قطاع الإنتاج في بلاده لمائة مليار يورو شهريًا. 

وفي هذه الحرب أعرب المسئولون الايطاليون عن استيائهم البالغ من الموقف الأوربي المتفرج ورحبوا بموقف الصين التي بادرت بتقديم المساعدة على صعيد الخبرة والمعدات، وكتلخيص للموقف تبدو دقيقة جدا كلمات الدكتور “باتريك فانكرونكلسفين” ، وهو عضو سابق في مجلس الشيوخ البلجيكي:”العديد من البلدان مثل بلجيكا وألمانيا لديها سعة زائدة “.”ألا يمكننا مع دول أخرى استخدام جزء من قدرات المستشفيات لإنقاذ الأوروبيين الآخرين؟”.. وخلص إلى: “أننا في حالة حرب وهناك حاجة ضرورية للتضامن الأوروبي، ماذا ننتظر بينما يموت الأوروبيون والإيطاليون ؟”..

ان حجم الإنفاق المالي الضخم الذي تضخه الدول الأوربية في مواجهة تداعيات كورونا وحجم الخسائر الناتجة عن توقف الشركات والمصانع وتضخم البطالة يعني بوضوح ان الركود والعجز هما النتيجة الطبيعية، ومن غير المنظور كيف سيكون مآل الدولة الأوربية بعد أشهر من النزف المالي الرهيب.

أحس الأوربيون بأن هناك مؤامرة عليهم كما أشار بيتر ستانو المتحدث باسم الممثل الأعلى للأمن والسياسة الخارجية الأوربية: إلى أن الحرب على وباء كورونا ترافقها حرب جيوسياسية تتمثل في حملات تقودها أطراف، لم يسمها.. فالخوف ان نتائج كورونا لن تكتفي بإسقاط اقتصاديات أوروبا بل إنها تذهب بمبررات الاتحاد.. لتنشأ تفاعلات من تحالفات دولية وعلاقات بين الدول على أنقاض الاتحاد الأوربي.. ولقد بدأت العلاقات مع الصين تأخذ منحى تصاعدي.

كورونا والعرب: 

من الواضح أن الدول العربية تعاملت مع الوباء بتباطؤ غير مفهوم في اتخاذ إجراءات الوقاية قد أصبح سمة الدول والمجتمعات، هذا في ظل أزمة النفط الخانقة.. رأى الكاتب الأمريكي في صحيفة بلومبرغ، ديفيد فيكلينغ: قد تواجه السعودية وجاراتها في المستقبل القريب، مشاكل مالية خطيرة فالأصول المالية للحكومة السعودية، واحتياطيات البنك المركزي السعودي من الذهب والعملات، زائدا صناديق الثروة السيادية بلغت 50% من الناتج القومي الإجمالي حتى عام 2018 وأنها  انخفضت الآن إلى 0.1٪، ولفت الكاتب إلى أنه: ” مع سعر برميل النفط 20 دولارا، ستنفد هذه الأصول بشكل أسرع، وستكون خزينة هذه البلدان خاوية بحلول عام 2027″.. وستضطر إلى التخلي عن سعر الصرف الثابت للدولار، والذي دعم تجارة النفط العالمية لجيل بأكمله.. ولعل هذا ما أراد أن يقوله الملك سلمان بن عبدالعزيز في كلمته المقتضبة قبل أسبوع.

حتى الآن لا حديث عن وباء في دول المشرق العربي وغير معروف على وجه الدقة درجة انتشار الفيروس الذي يهدد بعمق الدولة ومرافقها لأنه سيتحرك في دول مفلسة وديونها متراكمة وغير مستعدة لمواجهة الوباء.. فلبنان والعراق وسورية ومصر والأردن وليبيا وإيران دول لا قدرة لها على المواجهة مما يعني أن المشرق العربي ومعه إيران سيخرجون من أزمة وباء الكورونا بشكل مختلف. 

وفي الكيان الصهيوني اضطراب رهيب وذعر وجودي حيث أصبح الرهاب سيد الموقف ويتم استغلاله لأغراض عديدة ومع تزايد انتشار الوباء تعلو الأصوات مهددة بمستقبل مظلم..اعتبر رئيس “معهد أبحاث الأمن القومي” في جامعة تل أبيب، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق: “الحرب ضد كورونا هي الأكثر مصيرية بالنسبة لإسرائيل منذ حرب يوم الغفران (عام 1973). 

وأشار يدلين إلى الخلل العميق في العقيدة الأمنية الصهيونية: “المفهوم الأمني الإسرائيلي يتحدث عن حرب قصيرة وحسم واضح. وليس الوضع كذلك في هذه الحرب التي تحتاج زمنا طويلا وحسم غير مضمون. والجمهور ليس مطلعا على الفرضيات الأساسية لها، وهذا خطأ”.. في ظل الانهيارات الحاصلة في إمبراطوريات المال العالمي يبدو مصير الكيان الصهيوني على كف كورونا..فيما يبلي الفلسطينيون بلاء رائعا في المواجهة.

أوربا والعرب: 

لعل أوربا وصلت إلى وضعها الأمثل عندما انهار جدار برلين وانتهت الحرب الباردة فاتجهت الى صياغة سياسية جديدة بتشكيل الاتحاد الأوربي كقطبية محتملة ند للقطبية الأمريكية إلا أن الإدارة الأمريكية عملت دوما على إفشال هذا الطموح الأوربي وحرمان أوربا من القيام بادوار إستراتيجية على المسرح العالمي.. وبلغ التنافر أوجه في الفترة الأخيرة حول الحلف الأطلسي   ولذا فلقد بدأت الأصوات الأوربية ترتفع بضرورة تعديل الاستراتيجيات وتغيير المواقف تجاه الوطن العربي والعالم الإسلامي في فلسطين والعراق ولبنان وإيران ولعلها إشارة مهمة تلك التي أكدها “روبير ستوكر” رئيس تحرير مجلة (فلوار) البلجيكية الشهرية وأحد أصحاب النظريات الاجتماعية والسياسية والتاريخية ان العالم العربي ـ الإسلامي والاتحاد الأوروبي مرغمان على التحاور بسبب القرب الجغرافي والتاريخ المشترك و يجب أن لا نعتقد بان شعوب هذين الفضائين منذورة للمواجهة الحتمية طويلة الأمد.. التوجه اليوم يجب ان يكون على النقيض مما كان سائدا في الفترة الاستعمارية الفرنسية والانجليزية التي أرادت تذويب هذه الشعوب.. 

 مستقبل العرب:

بلا شك سيجد العرب في انحسار الضغط الامبريالي فرصة ثمينة في إعادة تشكيل وجودهم.. ورغم ما سيلحق بهم من خسائر نتيجة انخفاض سعر النفط إلا أن هناك بارقات أمل مهمة تلوح لهم لعل أولها احتياج الصين لتعامل استراتيجي معهم وهو يحتاج إلى تفاهمات عميقة حتى لا تتحول العلاقة مع الصين إلى تدمير للإنتاج المحلي، ولعل أوروبا الآن في حاجة لعلاقات متينة مع العرب، وهي فرصة أيضا لبناء علاقات متوازنة بعد إحساسها بأنها وحدها في المعركة وان الحليف الأمريكي لم يقم بواجب النجدة.. إنها لحظات انهيار إمبراطوريات المال ولواحقه ولن يجد العرب فرصة أكثر من هذه مواتية.. سيجد العرب 400 مليون أصحاب الموقع الأهم في العالم والذي يكتنز القداسة والنفط والثروات فرصتهم بتفاهمات عميقة مع إخوانهم في الجوار تركيا وإيران فهل ينهضون للتقدم نحو البشرية بمنهج إنساني صراط الذين أنعم الله عليهم أم ننتظر أن تدوسنا انهيارات الإمبراطوريات.. “وتلك الأيام نداولها بين الناس”

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك