تحرير القدس في مواجهة الفوضى الخلاقة

لمن الغلبة

بقلم: صالح عوض

 يظن صنّاع القرار الدولي أنهم تمكنوا من دفع أمتنا بعيدا عن قضايا وجودها ويطرب كثير منهم أنهم استطاعوا إشغالنا في حروب بينية نظرية وعملية، ويلوك البعض منا ما يوافق ذلك جملا لا مستندا علميا لها: إن “الفوضى الخلاقة” وتداعيات أحداث الربيع العربي غطت على القضية الفلسطينية، وأنها قد أنشأت قضايا جديدة تشغل اهتمام المواطن العربي فضلا عن المسئول العربي وينساق البعض إلى الترديد بان الاشتباك في المنطقة العربية دفع بالقضية الفلسطينية الى الخلف ولم تعد بذات الأولوية التي كانت لها..

وبسرعة وحتى لا نتوه في غابة الفوضى نقول: ان هذا الكلام ينسحب فقط على الإعلام الرسمي وإعلام القوى المتصارعة والإعلام المعادي للأمة أما ضمير شعوبنا وهمها ووعيها ويقينها فهو مكثف ومركز حول فلسطين والقدس أنها هي القضية المركزية والأولى دوما ولا تنازعها قضية أخرى مكانتها.. وإن كل التحديات المطروحة إنما تقصد  تتويج انتصارات الاستعمار علينا في شتى القضايا بفوزه بالقدس وفلسطين.. فعلى هذا الاعتبار تكون المعارك الدائرة على الأرض العربية إنما هي تفسر أهمية فهم الارتباط بين الموضوع الفلسطيني والقضايا العربية الإقليمية والوطنية جملة فهذا وحده يكشف الرؤية الكلية للاستعمار وإستراتيجيته وخططه وبرامجه وأدواته.. من هنا يصبح واضحا أن أي معالجة لأي قضية قطرية من قضايا أمتنا دونما ربطها بمشروع القدس إنما هي عبث وضرب في الفراغ.. وسيطعنها الفشل من ألف خلف.. فلا امن ولا تقدم تكنلوجي ولا سيادة ولا استقرار سياسي ان لم ننتبه ان كل هذا مرتبط بمشروع القدس.

مشروع القدس:

مشروع القدس هو النقيض التام الكامل لمشروع الفوضى الخلاقة وهنا لابد من شرح مبسط لحركية الصراع الحضاري في المنطقة فلقد كانت القدس قبل الإسلام تتويجا لانتصار أحد الإمبراطوريتين الفارسية او الرومانية فالمنتصر يتوج انتصاره بوضع يده على القدس حتى جاء العرب بالإسلام فحرروا فلسطين وأعادوا للقدس مكانتها المقدسة ولكن بعد أن حققوا الانتصار على الإمبراطورية الفارسية في القادسية والإمبراطورية الرومانية في اليرموك بمعنى أن القدس لا تكون إلا  بيد الأقوى دوما، وهكذا سجل تاريخنا على مدار 1500 سنة انه كلما ضعفت الأمة سقطت القدس من يدها فتعود القدس تحرك مشاعر الأمة من جديد حتى تنهض موحدة فتعيد القدس.. وعندما كانت الإمبراطورية البريطانية لا تغيب عنها الشمس كان لابد لها من وضع يدها على فلسطين وكان ذلك على أنقاض الخلافة العثمانية التي تكرس سقوطها بضياع القدس منها

 وعندما انتقل مركز الفعل الى الولايات المتحدة أصبحت المتحكمة في واقع القدس حسب اعتقادها ولذلك كانت معنية بتقرير مصير القدس و ما الكيان الصهيوني الا أداة من أداوت الامبريالية الأمريكية في الوطن العربي والعالم الإسلامي.

وهكذا يتجلى مشروع القدس بالنسبة للأمة انه برنامج لنهضتها وانتصارها على القوى العدوانية ويستلزم هذا المشروع توفير عدة عوامل أولها الوحدة -على الأقل قوى مركزية في الأمة- وتوفير شرط القوة والإعداد والانتباه والوعي وحشد الطاقات لتحقيق شروط السيادة بحدها المعقول.. ومن هنا يمكن فتح النافذة لنرى كيف يخطط الأعداء في غرفهم المغلقة لضرب كل عناصر القوة في امتنا بشتى الوسائل وما علاقة ذلك كله بالكيان الصهيوني ووجوده وتفوقه الاستراتيجي ودوره في تخريب المنطقة واختراقها بشتى الوسائل ودعمه لكل الحركات الانفصالية في بلاد العرب.. ومن هنا يصبح من الممنوع ان يكون الحديث عن القدس وفلسطين في إطار وطني وإقليمي بل في إطار عربي وإسلامي وإنساني لان علاقته عضوية بكل هذه الأبعاد. فهكذا يتجلى مشروع القدس بعناوينه: “النهضة والوحدة والتحرير”. 

 مشروع القدس هو المنطلق من دافع الأمة الحضاري والعقائدي والمتحرك على أرضها وبإمكانياتها فهو مشروع أصيل ومن جهة أخرى هو مشروع استراتيجي لأنه يحقق لها وحدتها وتكاملها وهو أمني لانه يقضى على بؤر التوتر فيها وهو مشروع طبيعي يجمع بين ضفتيه مكونات تنتمي لجغرافيا لمنطقة متجانسة ومتداخلة في ثقافتها.. مشروع القدس يقول باختصار ليس فقط الواجب يقتضي التحرك نحو القدس وفلسطين ولكن أيضا المصلحة الوطنية والضرورية لان “القطر” ليس جزيرة يعيش بمفرده في الكون بل هو جزء مؤثر او واقع تحت تأثير و لا يستطيع الاكتفاء بنفسه وقدراته ولا يكون في استقرار دون استقرار الإقليم ولا يكون في طمأنينة من مستقبله الا بعلاقات بينية مع جيرانه.. مشروع القدس يقول بان الاستقلال والاستقرار والتعاون الإقليمي العربي والإسلامي هو الطريق الوحيد الذي يحررنا من الجري في المتاهات خلف دعايات الغرب و استشاراتهم فنبدد طاقاتنا وثرواتنا ونخسر ما بأيدينا.

مشروع القدس هو من يؤكد لنا أهمية التكنولوجيا والتصنيع العسكري وضرورة الاستفادة من الذرة والمعادن والثروات جميعا وهو يفتح لنا باب الاستفادة من الخبرات والطاقات باختصار هو من يدفعنا الى الاعتماد على العلم والعزيمة والتفتح فيعود ذلك كله على المواطن العادي بالرفاه والكرامة فتغدو البطالة لا وجود لها والتعطل عن تنفيذ المبتكرات لا حضور له ويكون للجامعة خطوط مفتوحة مع المصانع..

ان مشروع القدس يقول بوضوح ان لا قدس لكم إلا إن كنتم أقوياء ولن تكونوا أقوياء إلا بالوحدة والتكامل الاقتصادي وبجيوش قوية وبمجتمعات قوية، للإنسان فيها كرامة وعزة وهذا كله يتأتى من خلال بناء استراتيجيات تستشعر الحرب الحقيقية الدائرة مع الغرب وأهدافها.

الفوضى الخلاقة:

  الاستعمار العنصري الامبريالي لا يعرف إلا سياسة إلغاء الآخر ككيانات مستقلة ذات سيادة وهوية سواء كان الآخر شعوبا أو ثقافات والاتجاه إلى صياغات متوائمة مع مصالحه ومن يخرج عن السياق  المرسوم له فهو إرهابي ومتخلف و متطرف يستوجب النفي من الأرض وتحرك هذا الغرب بآلته الإعلامية لتسويق مصطلحات فيها مفاهيم خاصة يتم تعميمها بشتى الوسائل وينهض الجميع في بلدان العالم المتخلفة بترديد المصطلحات التي لا تعني الا تحطيم خصائص الشعوب وثقافاتها ومرجعياتها.

  الاستعمار لا يقبل بتعددية سياسية اقتصادية ثقافية قطبية على وجه الأرض فهو ليس فقط يعمل على تكريس نماذج سياسية وثقافية معينة في البلدان ولكن أيضا على تغيير المزاج والذوق وكل من خرج عن السياق فله الموت كما حصل في شان الهنود الحمر والفلسطينيين والجزائريين وسواهم في قارات الأرض.

  ومن هنا أطلقت الإدارة الأمريكية مشروع الفوضى الخلاقة على نهاية قرن من سايكس بيكو لتعميق الوضع القائم في بلداننا على التخلف والتجزئة والتنازل.. فلم تعد الدولة القطرية التي حرص الاستعمار على رسم حدودها قبل قرن مقبولة لدى دوائر صنع القرار الأمريكي وأصبح لابد من تفتيتها على إثنياتها العرقية والمذهبية وقد وضعت في مكاتب أجهزة الأمن الغربية الرؤى والمقولات وتم تصنيع أفكار وديانات وجماعات بأسماء وعناوين تثير النعرات والحمية الجاهلية والعصبيات المقيتة لتفجير الأوطان وبعثرتها ليسهل فيما بعد تشكيل كيانات هشة متناحرة ويضمنون بذلك احترابا هندسيا متواليا..  

المواجهة بين المشروعين:

 لابد من التنبه للمرجعية النفسية والثقافية لكلا المشروعين لان كلا منهما يسير في فلك نقيض للآخر و لا يمكن أن يتلاقيا إلا في ساحات المواجهة.. فمشروع القدس يعتمد المرجعية الحضارية للأمة كما يتساوق مع حركة التاريخ واستشراف المستقبل على ضوء التطورات العميقة الحاصلة في الخريطة السياسية الدولية والإقليمية أما مشروع التصارع الداخلي في أكثر من بلد عربي فمرجعيته لا أسس حضارية أو علمية أو إنسانية لها وهو يبعثر السنن والقوانين ويرتكز لتوجيهات خارجية لا علاقة لها بالعلم.. وهذا ما نراه عيانا في حجم الخراب الرهيب حيثما حل مشروع الفوضى الخلاقة ولقد أورث بلداننا خرابا وتخلفا وقتلى وتشريدا بالملايين وهذا هو ما كان مرادا لبلداننا من هذه الفوضى الخلاقة.. وهذا يدعو ليس فقط لإدانته إنما أيضا لتفنيد حججه ومقولاته التي دارت في أكثر من مكان حول الحريات والتعددية السياسية ومحاربة الفساد دونما تدبر لما ينتظره المستعمر من تداعيات الصراع وما يمثله ذلك من فرصة سانحة لتدخله لإعادة ترتيب المنطقة بحدود جديدة.

في صيرورة التصادم بين مشروع القدس ومشروع الفوضى الخلاقة تكمن المصلحة الإنسانية العليا مكثفة حول عناوين يكون التمسك بها داعيا لميلاد معطيات حقيقية لصناعة واقع جديد هو واقع الإنعتاق من هيمنة نفوذ رأس المال والسياسات الاستحواذية التي ستجد هزيمة حقيقية في مواجهة انتصار مشروع القدس مشروع النهضة والوحدة والتحرر.. انه انتصار كبير تماما وهو بلاشك المنتج لواقع القيم الإنسانية والإنصاف والعدل.. من هنا يأتي مشروع القدس ليكثف الطموح الإنساني بكل ما فيه من بعد إنساني بارز وحيوية وان أي تقدم لأي المشروعين يعني تراجع الآخر كما أن الانتصار لأحدهما يعني بوضوح التخلي عن الآخر بنفس القيمة والمقدار.

ولكن مع لهيب المواجهة وصعوبتها وعدم قدرة الإدارات الاستعمارية على تغطية ما يتم من جرائم في المنطقة نتابع الضمير الإنساني في حالة يقظة متكاملة وهو يواجه الثقافة العنصرية والسياسات الاستعمارية فيعلن ثلثا الرأي العام الأوربي ان  سياسات الإدارة الأمريكية والكيان الصهيوني هي التي تمثل الخطر على امن العالم ونرى كيف تصدى الأوربيون للقادة الصهاينة وحرموهم من زيارة أوربا وكذلك حركة المقاطعة الواسعة لمنتوجات المستوطنات والتصدي لتزويد عصابات القتل والإرهاب في المنطقة بالسلاح..وفي هذا الصدد لا يمكن نسيان ما قام به ملايين البريطانيين والأسبان والأوربيين عموما من مظاهرات تنديدا بمشروع الحرب الأمريكية على العراق.. وحتى الآن يمكن النظر بعين الاحترام البالغ لما يقوم به الأمريكان في كنائسهم ومحلاتهم برفع شأن التعاطف مع المسلمين في مواجهة الميز العنصري الأمريكي.. حتى ان كبار الساسة الأمريكان مثل وزيرة العدل وموظفي وزارة الهجرة وسياسيين  كمدلين اولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة وسواهم  يضحون بكل شيء وهم يتصدون للعملية العنصرية التي يقودها ترمب.

وهكذا يتجلى مشروع القدس وضوحا ليصبح هو المنتظر الطبيعي للبشرية للخروج من هيمنة الحضارة الغربية على العالم في شقها القيمي الذي استعبد الناس وافقدهم هوياتهم في سبيل تضخم أرباح رأس المال وعصاباته الدولية التي عادت هي المهيمن على السياسة والثقافة والإعلام..

. نتائج الصراع:

لأنها معركة القدس بكل تجلياتها الإنسانية فليس عبثا او ترفا ما نراه من انحياز مفكرين ونشطاء غربيين مسيحيين وغير مسيحيين الى القضية الفلسطينية بل هو تعبير واع عن حاجة إنسانية قائمة على الوعي والبصيرة بالتخلص من منهج شرير يتم تنفيذه ببرامج متوالية لتحطيم ما تبقى للإنسانية من قيم روحية يكتنزها الشرق بعد ان حول الغرب الرأسمالي كل القيم الى تعليب مادي افقدها كل ما لها من مثاليات وروحانيات.. عندما يقف مفكرون ومثقفون وسياسيون الى جانب فلسطين إنما يقولون بملء الفم أن الجريمة العنصرية التي يتم تنفيذها ضد العرب والمسلمين والتي تجد رواجها الآن على لسان “ترمب” وسواه من اليمين المتصهين في أوربا إنما تعمل على حرمان البشرية من أبعادها الإنسانية وتحويلها إلى غابة بأبشع الحيوانات المفترسة المتوحشة.. وهاهو ترمب يعري الطبيعة الرأسمالية لدولة تشن الحروب في شتى بقاع الأرض وتعجز عن مواجهة حقيقية لفيروس كورونا بعد ان سخرت ثرواتها للسلاح وبيعه وشن الحروب الخارجية.

من هنا يبرز مشروع القدس الباحث عن بعث الروح في امة كبيرة مليار ونصف المليار نسمة منطلقا من وعد الله لها بالانتصار ومن المكانة الروحية الاستثنائية للقدس وقدرتها على التحريك العاطفي المطلوب لمشروع نهضوي كبير وتكامل الإمكانيات وتطوير الوسائل والأساليب وتكامل الأدوار والاحتياجات والتركيز على ما يفيد الشخص والمجموع وإبراز قيمها الإنسانية لان ذلك فقط هو ما يمكن أن يحقق نجاح مشروع القدس على مستوى الأمة.. وهو بعد ذلك ومعه يكون بمثابة الواقع البشري الكبير الذي يلجا اليه الإنسان الشقي في الغرب.

ومن الواضح انه ليس سوى المسلمين والعرب في جوهرهم من يمتلك بذور مشروع المستقبل فهاهو المشروع الغربي يتهاوى في مواجهات أولية كما ان المشروع الصيني عنصري مغلق على نفسه لا يصلح أن يحمل قيما ولا أفكارا ولا مصالحا إنسانية عليا لاسيما بعد دخوله مجال العولمة والغزو الاقتصادي الجبار لاقتصاديات العالم فتحول من حيث لا يدري وجها جديدا من الامبريالية الاقتصادية.. وواضح ان مشروع المستقبل هذا ليس له منطلق الا القدس بسموها الإنساني لدحر مشروع الاستغلال وتدمير الآخرين وإقصائهم.. والله غالب على امره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك