تحديات الصيرفة الإسلامية ونوافذ البنوك التقليدية

في موجهة واقع صعب

الدكتور كمال العرفي/ بقلم الدكتور كمال العرفي أستاذ الفقه وأصوله بكلية الشريعة والاقتصاد/ جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية قسنطينة

 

تشكل عمليات التمويل الاستهلاكية أمرا في غابة الأهمية والإلحاح، في ظل قصور الدخول الفردية لأكثر الناس عن توفير احتياجاتهم الأساسية بخاصة في مجالات السكن والنقل، وربما أيضا توفير فرص عمل عن طريق تأجير المعامل والمعدات، فصار لزاما إيجاد الآليات والكيفيات التمويلية المناسبة للحصول على هذه الفرص، في مناخ يتميز بالرفض القاطع لأساليب التمويل التقليدية التي توفرها البنوك والمؤسسات المالية القائمة، والتي لا سبيل إلى الحصول على خدماتها إلا بالإقراض المصاحب بهامش الفائدة المفروض منذ عهود، كوسيلة تكاد تكون هي المتوافرة والغالبة على عمليات التمويل الممكنة. 

والشعب الجزائري باعتبار معتقده ومسلماته الدينية والأخلاقية والأدبية ، رفض في معظمه كل أساليب التمويل المبنية على الإقراض الربوي ، وتحرج حتى المضطرون من الشباب وغيرهم من كل العروض السابقة للتشغيل كالاونساج وغيرها ما دامت مؤسسة على هذا الأصل ، وحتى عندما قررت الدولة إلغاء الفائدة عن القروض في إطار الاستفادة لرفع هذا الحرج ، بقيت مشكلة انبناء عقود التمويل على وجود الفائدة ولو لم يسددها المستفيد وسددتها الدولة عنه متسمة ببقاء الحرج، الناتج عن تكييف المعاملة وفقا لأغلب الفتاوى بوجود الربا في العقد بوجود الفائدة فيه ولو أعفي المستفيد من تسديدها. 

ولأن الأصول المعرفية المعهودة عند الغالبية بناء على الفتوى والاستفتاء في كل مهمة حياتية ، وبخاصة ما تعلق بالجانب المالي من حيث مصدره واكتسابه، لتأسيسه على أصل قرآني كبير هو قوله تعالى : ( وأحل الله البيع وحرم الربا ..) ، إضافة إلى نصوص أخرى تضع الربا في خانة أعظم الجرائم المصنفة ، والتي مثل لبشاعتها بأسوأ الصور التي لا يمكن أن يقبلها عاقل فضلا عن مؤمن ، ولدخول الوعيد عليه مرحلة الحرب المعلنة من الله على عبده الواقع في هذه الكبيرة، لقوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين . فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله، 

وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم، لا تظلمون ولا تظلمون ) . البقرة : 278 .. 

وبمقتضى هذا الوعيد الشديد الذي لا يمكن تجاهله ، لم يكن ليجرؤ حتى من يقع عادة في مختلف المخالفات، على اقتحام هذا الهول ، أو قبول الدخول تحت سقف وعيد يقتضي الخسران المؤكد في الدنيا والآخرة.

وهو ما جعل كل المتطلعين إلى ضرورة التمويل ينتظرون بفارغ الصبر كل بادرة يمكن أن تزيح الحرج أو تخفف منه ..

فتطلعوا إلى المصارف والبنوك التي رفعت عنوان الإسلامية ، محاولة إيجاد ضالتها إلى التمويل مع نفي حرج المؤاخذة لوجود الربا، ولكن أمل الأكثرين خاب في تلك البنوك ، لاختلالات في المشروعية صاحبت الخطوات المطلوبة لأكثر منتجاتها التي أعلنتها بديلا للتمويل التقليدي ، في إطار ما سمح لها به خصوصا من عمليات الاستثمار والدخول في مجال التجارة والمشاركة وغيرها مما ليس متاحا للبنوك التقليدية الربوية من الناحية القانونية نفسها باعتبار أن المسموح لها في إطار إشراف البنك المركزي وهيئة النقد والقرض هو الإقراض والاقتراض والودائع ، كل ذلك بفوائد تصنف كما أشرنا سابقا في دائرة الربا…

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن البنوك والمصارف التي اختارت لافتة الإسلامية وموافقة الشريعة ، كلها مؤسسات خاصة، أي تابعة للقطاع الخاص، مما يجعلها محدودة جدا في استيعابها للطلبات، وكذا في عروض المنتجات الممكنة ، على الرغم من أن بعضها قد يتبع شركة أما في بلد آخر ..

وفي جو هذا التطلع والانتظار اختارت الدولة أخيرا ، فتح البنوك التقليدية على نوافذ بعض منتجات الصيرفة الإسلامية كالمرابحة في جملة مقترحات ، مما فتح نفسا جديدا وأملا منعشا للكثيرين في إيجاد فرصة أخرى للتمول المعقول والرافع للحرج القديم ، ورافق هذا القرار وفتحه الكثير من الاستبشار المصاحب بالكثير من التساؤل القديم المزمن عن المشروعية .. 

وبغض النظر عن الخوض في جوانب ما يتعلق بالمشروعية ، والتي سأحاول استقصاءها في جزء آخر من هذا المقال، فإن المطلوب الأول هو تثمين هذه الخطوة العملاقة التي تفتح المجال واسعا لإضفاء شيء من القبول على المعاملات المالية في المصارف التقليدية، وربما تقدم لنهضة مالية ومصرفية تعيد الانسجام بين واقعية الأمة ومثاليتها، وبين واقعها وشريعتها، وبين التمويل والقبول، بغض النظر أيضا عن صور هذا التمويل الأولى ووجود بعض النقائص فيها .. 

فالنقائص تُتدارك والاختلالات يمكن سدها ومعالجتها بشيء من الصبر والمثابرة ..

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك