تجليات العقل السياسي إبّان المخاطر الكبرى

فيروس كورونا و غزوة تبوك

بقلم: الوليد فرج

إن اعتراض مسار أي فعل يروم إلى تحول سياسي ، من طرف عارض أو قوة قاهرة أو جائحة  قد تغيّر مراكزا و حالات أو تأتي على السلامة المجتمعية أو تهدد الاستواء الوجودي للإنسان ، يمكن أن يكشف عن حقيقة مشروع هذا الفعل و درجات نضجه السياسي و استعداداته و محدداته السياسية وتجلياته الواقعية .

لعل الحراك الشعبي الثاني الذي استنهضته مجموعة من النخب الفكرية و المالية ، التي نتجاوز عن ذكر شرعية مشاريعها ، و معبوداتها الإيديولوجية ، التي يتباطن تاريخها السياسي بنقيض دعواتها ، لنبحث في برنامجها السياسي عن  باب : آليات التصدي للأخطار الجسيمة التي تهدد الأمة ! و دورها النضالي و مجسداته أثناء الجائحات و الأزمات الكبرى .

إن الباحث اليوم عن النشاط حزبي يتواءم مع هذا الظرف الاستثنائي، و في خضم هذا الوباء كمن يبحث عن إبرة في كومة قش فبينما الشعب و الدولة يتصارعان مع عدو غير مرئي يتهدد البشرية بالفناء إذ تجاوز ضحاياه عتبة المليون ميت ، ومعه بعثت مظاهر التضامن والتسامح بين فئات المجتمع بشتى أنواعها و ألوانها من توعية و توزيع أدوات و وسائل الوقاية الى المواد الغذائية . فالكمامات على سبيل المثال صارت تصنع بشتى الآلات لتوزع على الناس ، وعالميا الطائرات تجوب بها المعمورة متقفية آثار الفيروس ، كل هذه الأجواء الإنسانية فشلت في أن تكون حافزا في تحريك مؤسسات الحزبية ولو على سبيل البحث عن طرق استغلال سياسوي للوضع لغرض تصعيد النفوذ ، ليبقى الانسحاب و الغياب التام  للأحزاب السياسية !

فما مرد ذلك ؟

إن إدارة المخاطر الكبرى و الأحداث و مفرزاتها  ، يعتبر المحك الحقيقي ، و المخبر الوحيد لكشف جوانب الضعف ، و استظهار درجات النضج داخل مكونات المشروع السياسي .

ان المتأمل في مظاهر الضعف البشري ، داخل المشاريع السياسية الكبرى يجد التراث السياسي الاسلامي ، يحفظ الكثير منها نكاد نجزم انها من محددات العقل السياسي العربي و تعتبر قصة عزوة تبوك و قصة غنائم (حنين) ، من ابرز نقاط الضعف وما يحكى عنها يعكس الكثير من واقعنا ، حيث يحكى (لما فرغ رسول الله من رد سبايا حنين الى اهلها ركب و اتبعه الناس يقولون : يا رسول الله اقسم علينا فيئنا ، الإبل و الغنم ، حتى ألجأوه إلى شجرة فاختطفت الشجرة عنه رداءه . فقال : ردوا علي ردائي أيها الناس ، فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نعما لقسمتها عليكم ، ثم ما لقيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا ) انظر صحيح البخاري . وبعد توزيع النبي لغنائم حنين توزيعا استراتيجيا راعى فيه معيار الثبيت و الاستقطاب للإسلام ، خص المؤلفة قلوبهم و أشراف العرب بأسهم اكبر من غيرهم ، مما ولد لغطا ، ومما يرويه الطبري سخط عباس بن مرداس السلمي من نصيبه من الغنائم ، فأعاب ذلك على النبي في أبيات شعر ، فطلب النبي أن يزيدوه كي يكف لسانه فزادوه ! و ما يروى في هذا الصدد أيضا من ضعف و غياب النضج السياسي ما صنعه حرقوص بن زهير السعدي التميمي المكنى بذي الخويصرة ، والذي يعتبره جل مؤرخين الملل و النحل أول الخوارج ، غير إن وَجَدَ الأنصار مما صنعه النبي بالفيء ، تراجع و رضوا بعد أن طيب النبي بخواطرهم ( أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة (نعيم) من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا و وكلتكم إلى إسلامكم ، ألا ترضون يا معشر الأنصار إن يذهب الناس بالشاة و البعير و ترجعوا برسول الله إلى رحالكم .. قالوا : رضينا رسول الله قسما و حظا ..ثم انصرف رسول الله و تفرقوا .) انظر سيرة ابن هشام .

لعل مظاهر هذا الضعف قد تكون ملازمة للنفس البشرية فجبلة الإنسان الأنانية و حب الذات ، فمنافعه المادية في غياب النضج و توطن الإيمان العقدي و السياسي بالمشروع قد تتقدم أي فعل أو إجراء .

إن بعض جوانب غزوة تبوك ، تبين بصورة جلية الوجه الحقيقي للضعف البشري و سطحية الانتماء للمشروع المجتمعي، إذا تعلق الأمر بالتضحية تجاه خطر قوي ، كما نشهده اليوم داخل الساحة الحزبية السياسية التي توارت أمام خطر فيروس كورونا .

فغزوة تبوك لم تكن غزوة داخلية ، بل يتعلق الأمر بغزو دولة كبرى ، دولة الروم البيزنطيين . فجاءت سورة التوبة ، فاضحة لمجموعة من الفئات ذات الانتماء الكاذب للمشروع ، و على رأسهم المتقاعسين و الهاربين في بداية الاستعداد لغزوة تبوك ، ثم كشفت المتقاعسين من الأثرياء الذين لا تحركهم إلا الغنيمة و الذين امتنعوا عن تجهيز الجيش ،  كما بينت السورة فئة المعتذرين بأعذار واهية كشدة الحر ، أو كافتتان بنساء الروم كالجد بن قيس ، و طائفة الأعراب (قبيلة أسد و غطفان) . لتبقى آخر فئة هم الفئة التي لم تخرج إلى تبوك ولم تعتذر بمعاذير كاذبة ، وندموا على صنيعهم حتى بلغ بهم الأمر أن ربطوا أنفسهم بسرايا المسجد و حلفوا إن لا يحل وثاقهم إلا النبي ، فنزل فيهم قرآنا بالعفو عنهم مع أخذ ثلث أموالهم .

إن فضح هذه الفئات من أثرياء و أعراب و منافقين و متآمرين ،  كشف الخطر الحقيقي المتمثل في غزوة دولية (الروم ) وحرب ضد عدو قوي  ضعف انتمائها للمشروع الذي ادعت انخراطها فيه ، كما كشف فيروس كورونا القاتل  حقيقة الأحزاب السياسية و  تلك الفئة التي كانت تدعي الحرية و المدنية ، فقد سميت سورة التوبة التي نزلت فاضحة لهم بعدة أسماء منها : براءة . المقشقشة . المبعثرة ، المشردة ، المخزية ، الفاضحة ، المثيرة ، الحافزة ، المثكلة ، سورة العذاب ، انظر في ذلك السيوطي إتقان علوم القرآن .

إن روح التضحية و خصلة التضامن المتجذرتان في الشعب الجزائري منذ التاريخ الأول ، تبقيان العاملين الوحيدين ، والروح السامية المتقدة التي تستثار فيه عند الخطوب الجسام التي تتهدد وطنه أو جماعته هي السلاح الأوحد الذي اثبت تاريخه انه يتغلب به عن عدوه ، مهما كانت قوته ، بعيدا عن بورصات الساسة و سلعهم المغشوشة ، و رطائن المستلبة عقولهم ولعل تنقيبنا عن جذور فكرهم ، يكشف حقيقة عقلهم السياسي ، و يفضح تفه مشروعهم الذي لا يخرج عن هدف الوصول للسلطة .

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك