تجريم الفرنسية بين الواقع والمزايدة السياسية

تطبيق مقترح مقري سيعاقب الجميع

بقلم: احسن خلاص

 

استغلت حركة مجتمع السلم مناسبة مناقشة مسودة السلطة للتعديلات الدستورية لتدخل في معركة مع ما أسمته اللوبي الخادم للمصالح الفرنسية في الجزائر بعد ما ورد بند في بيان الحركة الخاص بالموقف من التعديلات الدستورية يقترح “تجريم استعمال اللغة الفرنسية كلغة تداول في المؤسسات الرسمية وكلغة تعامل في الوثائق الرسمية”.

 

هذا الموقف الذي يهم الحزب بأكمله وتيارات سياسية أخرى صار ساحة جدال بين رئيس الحركة عبد الرزاق مقري وبين مناوئين له ومعادين للفكرة عبر منابر إعلامية فرانكفونية وعلى فضاءات التواصل الاجتماعي، فيجتهد هو للرد عليهم بلغة فولتير للدلالة على أن الحركة ليست ضد اللغة الفرنسية كلغة بل ضد التصاق الفرنسية بهوية الدولة الجزائرية لاسيما مع بقاء اللغة الفرنسية سائدة في تعاملات المؤسسات الرسمية ونحن نقترب من إحياء الذكرى الستين للحظة نيل الاستقلال الوطني واسترجاع السيادة حتى أنه استدعى مقطع فيديو لتدخل قديم له باللغة الفرنسية ينافح فيه من أجل تمكين اللغة العربية مكان الفرنسية في المؤسسات الجزائرية.

لقد أحيى مقري في حقيقة الأمر جدلا قديما كان مطروحا منذ الاستقلال وأخذ يبرز تدريجيا بقوة مع صعود أجيال صارت أكبر من حيث العدد تكونت في المدارس والجامعات باللغة العربية وتنامي الحركات الإسلامية وهيمنة الإعلام الناطق باللغة العربية على الساحة، وقد ورثت هذه الأجيال رصيدا من النضال من أجل إيجاد مكان للغة العربية بجنب اللغة الفرنسية في المحيط الجزائري قاده مولود قاسم نايت بلقاسم ومعه مجموعة من النخب ذات التكوين العربي والإسلامي المنطلق من الزوايا والجوامع الإسلامية المعروفة.

وبالرغم من الحرب الضروس التي شنها هؤلاء على “الغزو الثقافي” والحضور الشامل والمهيمن للغة الفرنسية في المجتمع والدولة إلا أن تلك الجهود لم تجد طريقها للنجاح لاسيما عند دخول الجزائر عهد اقتصاد السوق والتعددية السياسية والإعلامية مع بداية التسعينيات إذ أنه حتى سياسة تعريب المحيط تراجعت بعد عودة اللغتين الفرنسية والإنجليزية إلى واجهات المحلات العامة والخاصة والمواد المعلبة وإشارات الطرق وألبسة سيارات أجهزة الدولة الرسمية.

وها هو مقري يخوض لوحده في سجل يشترك فيه تيار من حزب جبهة التحرير الوطني وأحزاب أخرى ويفتح ملفا يعني قطاعات هاما من المجتمع لا يزال يعيش مفارقة عجيبة تكمن في هيمنة لغة رسمية غير منصوص عليها في الدستور على دواليب الدولة ونصوصها الرسمية بما فيها دستورها، إذ يقول العارفون إن النسخة العربية من الدستور ما هي إلا ترجمة من النص الفرنسي الأصلي الذي تنسحب هيمنته على جل النشاط الاقتصادي الوطني العمومي والخاص على حساب لغة أخرى، وهي العربية، وقد أكد الدستور رسميتها بالألف واللام دون أن تكون كذلك وبهذه المكانة في واقع التعاملات الرسمية ولغة أخرى، هي الأمازيغية، أقر الدستور رسميتها دون أن تجد لها أي حيز للتطبيق على أرض الواقع.

وقد لا يتفق معنا مقري وحزبه إذا قلنا إن هيمنة الفرنسية على المؤسسات الرسمية لا تعود فقط إلى وجود لوبي فرنكفوني قوي يحن إلى الفترة الكولونيالية كما تحدث عنه بل إلى عوامل تاريخية موضوعية فأدبيات الحركة الوطنية والثورة التحريرية صيغت بالفرنسية وكل المراسلات الرسمية بين القادة الوطنيين كانت بهذه اللغة وقد بينت إحصاءات حول عدد القادة الوطنيين للثورة التحريرية أن 90 بالمائة منهم لم يتعاملوا قط باللغة العربية إذ قليلا ما تجد وثيقة باللغة العربية في أرشيف الثورة التحريرية وحتى بيان أول نوفمبر وأرضية الصومام ومختلف مؤتمرات جبهة التحرير الوطني كانت بلغة فولتير ثم ترجمت إلى اللغة العربية. ولما جاء الاستقلال لم تجد الجزائر أمامها إلا “جريمة” انتهاج نهج الإدارة الفرنسية في تنظيمها ولغتها وطريقة تسييرها للشأن العام. كما ورثت الجزائر رصيدا أدبيا وفكريا بالفرنسية قدم إسهاما معتبرا في تحرير البلاد.

لكن المتعاملين باللغة الفرنسية في حياتهم اليومية والمهنية اليوم يقرون بتراجعها الرهيب في كثير من ميادين الحياة لاسيما من الجانب الإعلامي بل إن الكثيرين من الفرانكفونيين المتعصبين صاروا اليوم في عزلة أمام زحف جيوش من المعربين على الحياة العامة وتعريب بعض أجهزة الإدارة المحلية وترك الاختيار بين اللغتين العربية والفرنسية في بعض التعاملات لدى المؤسسات العمومية. وما عدا ذلك فإن أجهزة الإدارة المركزية والحكومية وكذا جل القطاع الاقتصادي لا يزال يعيش هيمنة اللغة الفرنسية وأساليب ومناهج تسيير موروثة أو مستمدة من النظام الفرنسي ولا عجب إذا قلنا بأن اللغة الفرنسية تعتبر من اللغات الجزائرية بالنظر إلى أن اندماجها في المحيط لا يزال قائما في الحياة العامة وفي لهجاتنا العامية التي تعتبر خليطا بين الكلمات العربية والفرنسية.

هذا هو الواقع اللغوي الذي يقترح فيه مقري وحزبه تجريم تداول اللغة الفرنسية في المؤسسات والوثائق الرسمية. هذا المقترح إن وجد طريقه للتطبيق الفوري فإنه سيضبط الدولة والمجتمع معا في حالة تلبس وإذا كانت العقوبة سالبة للحرية فإنه سيضع جميع إطارات الدولة الجزائرية في السجون، فلو كان القمع مفيدا في استبدال لغة بلغة أخرى في التعاملات الرسمية لفعلها الرئيس بومدين وهو الذي كانت له سطوة على أجهزة الدولة كلها. ثم إنه إذا طبقنا قانون مقري بأثر رجعي فإن التجريم سيطال قادة الحركة الوطنية والثورة التحريرية من أمثال بن بولعيد وبن مهيدي وكريم بلقاسم وغيرهم.

إن المتعاملين باللغة الفرنسية في دواليب الدولة ليسوا أقل وطنية من المتعاملين باللغة العربية، ثم إن اللغة لا ينبغي أن تكون محل مزايدات سياسية قبل أن يفتح نقاش وطني بقلب مفتوح بين أبناء الجزائر كلهم للخروج بسياسة لغوية تكون مفيدة للتماسك والاستقرار الوطني وللرقي الحضاري والاجتماعي.

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك