تجريم الاستعمار والتطبيع.. وتكريس العربية

ضرورة

بقلم: صالح عوض

من ذا الذي يتردد في تجريم ظالمه؟ ومن ذا الذي يسكت عن جريمة من ينتهك مقدساته؟ وكيف يقبل بالتأتأة أو البحث عن بديل من كانت لغته حاملة أعظم رسالة؟.. فلكي نشعر بقيمة أنفسنا، وأن لنا الحق في الحياة، والإسهام في المسيرة الإنسانية، علينا تحديد موقفنا بجلاء من ثلاث قضايا كبيرة وأساسية تتفاعل أمامنا ولها الأثر الكبير في ما وصلنا إليه اليوم: موقفنا تجاه التاريخ وعدونا الذي اعتدى على وجودنا وحاول إلغاءه، وموقفنا تجاه الواقع حيث الغدة السرطانية التي تحاول تمزيقنا وغرس بذور الانفصاليين في أوطاننا، وموقفنا تجاه حال اللغة العربية في واقعنا ومناهج تعليمها،.. هذا لنحصن الذاكرة والواقع، ونمتلك مفتاح النهضة.

ماذا نريد؟:

 لابد من تفسير للعناوين سالفة الذكر، لكي لا تبدو العملية ضربا من روح ثأرية، أو عنصرية في مواجهة عنصرية أخرى، أو دعوة نزقة تصنع قطيعة مع الشعوب والأمم، في مرحلة تستوجب الانفتاح والأخذ والعطاء، ومنح البشرية فرصة التلاقي والتعاون أمام التحديات الكونية الكبيرة.. لهذا لعله من الضرورة التأكيد بأن تجريم الاستعمار لا يعني فقط إدانة جرائمه ومطالبته بالاعتذار وتقديم التعويض عما اقترف في حق الأرض والإنسان وهذا واجب مستحق كما يتلقى اليهود من ألمانيا الاعتذار تلو الاعتذار على ما ارتكبته النازية بحق اليهود، مشفوعا بمواقف ألمانية مؤيدة للكيان الصهيوني في كل المحافل، وبسلاح متطور، وأموال ومكتسبات عديدة،  بل الأهم من ذلك هو صناعة الموقف التاريخي بأبعاده النفسية والسياسية والثقافية لتحصين الثورة ونزع الاعتراف من أحفاد المستعمرين بأن الحقبة الاستعمارية جريمة ضد الإنسانية تستوجب الاعتذار وما بعد الاعتذار من حقوق مستحقة للضحايا.. من جهة أخرى لابد من إبراز القيمة الإنسانية لكفاحنا من أجل الحرية وتقديمنا لأعز أبناء امتنا شهداء والارتقاء به ووضعه باعتراف الجميع لاسيما أحفاد المستعمرين أنفسهم في سياق انتصار الإنسان ضد تيار الجريمة والشر.. وكذلك فإن تجريم التطبيع ليس فقط لما ارتكبه ويرتكبه الصهاينة في حق فلسطين وشعبها ومقدساتها، إنما لكي نقطع الطريق على الأداة الاستعمارية الجديدة المتطورة والمجهزة ونضع المتاريس ضد عمليات التخريب لاقتصادنا وسياستنا وأمننا الثقافي والاجتماعي بعد أن أصبح واضحا أن كل الحركات الانفصالية ترضع من ثدي الصهيونية كما برز في انفصال جنوب السودان وأكراد العراق وسواهم من حركات انفصالية ودعوات عنصرية في كل أوطاننا، وما يمثله الكيان الصهيوني من حالة اختراق أمني لمؤسساتنا ومجتمعاتنا و استنزاف لمشروع النهضة وإحباط لكل محاولات التنمية في بلداننا إما بالقصف كما جرى لمفاعل تموز العراقي أو مواقع إيران الحيوية أو مفاعل دير الزور السوري أو ما مارسه من اغتيالات طالت آلاف العلماء العراقيين والعرب عموما هذا فضلا عن عدوانه المستمر على العرب في سورية ولبنان والعراق والسودان وتونس.. وفي المقابل تقف اللغة العربية في حالة حرجة بعد أن زهد أبناؤها في ترقيتها وتطوير الاستخدام بها وأصبحت العناية بها متدنية تحرمنا من تذوق فتوحاتها وإعجازها في حياتنا لما تحمله من قيم وقدرة تخيل وفن وسعة وكانت البرامج الرسمية دون المطلوب وهي لذلك كانت دوما تحتاج عملية جادة بمناهج علمية راقية مستوعبة فيصبح اللسان العربي بلا اعوجاج ولا عجمة ل لسان عربي مبين.. فهي حاملة رسالتنا و بها فهم الوحي وهي تضع شرطا لا يمكن تجاوزه انه سيكون ضربا من الوهم إيجاد أي تقدم محصن لنا بدون النهوض بها، فهي ليست فقط لغة وطنية ورسمية، وهذا موقف حميد ولكنها في الجوهر والصميم لغة الرسالة وموحدة الأمة.. وأنها الشريفة مقدمة كلمات الوحي، فتكريسها في حياتنا يعني بوضوح إحياء ضمائرنا وهممنا وطموحنا بعالمية إسلامية ثانية.. ونرى في هذا الصدد خطورة الانفصام بين شعب ولغته واستلابه للغة أخرى بحمولات ثقافية نقيضة وما يحدثه ذلك من صراع اجتماعي وسياسي في البلد الواحد يهدد أمنه واستقراره ويربكه أمام أي محاولة تنمية..

ان جملة هذه المواقف تحدد شخصيتنا وموقعنا الإنساني في الخريطة الكونية و تمنحنا عقيدة وطاقة نفسية محفزة كافية للتحرك نحو بناء نموذجنا الحضاري الإنساني.. كما أن القضايا الثلاثة تختصر لنا كل ساحات المواجهة مع الاستعمار القديم والحديث في شتى المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والعسكرية وتكشف لنا بوضوح طبيعته وضرورة تشكيل كي الوعي له وتحميله عقدة الذنب.. كما تزودنا بفهم عميق لإدارة الصراع في المستقبل..

لعلي في ذلك كله لم أتجاوز ما طرحه الإمام ابن باديس وهو يشرح الجريمة الاستعمارية في تلويث حياة الناس و إفسادها واغتصاب حرياتهم وإذابة هويتهم وشخصيتهم وما أشار إليه رحمة الله عليه من أن الكيان الصهيوني ليس استعمارا عاديا وان كان صناعة استعمارية إنما هو شر كبير قام يهدد العرب بالموت وذلك بتحالف الصهيونية الشرهة والاستعمار الجشع  ليقسم الوطن العربي ويمنعه من الوحدة والنهضة.. أما العربية فلا أحد يمكنه الإنكار بأنها كانت أداة النهضة و حاملة الثورة بعد أن نفض الأمام وصحبه عنها غبار التراكمات وأعادها مشرقة تهتف بالجزائريين من اجل حريتهم محملة بقيمها ومعانيها الشريفة.. وجددت العملية الحضارية التي قام بها ابن باديس شخصية الجزائر التي امتلكت كل مقومات الثورة على الحالة الاستعمارية.

الضمير الإنساني:

تحضرني هنا مئات الدراسات والتقارير والكتب الغربية التي ناقشت الموضوع بجلاء كما يحصرني أسماء كثيرة لمفكرين وكتاب وسياسيين وصحفيين غربيين نددوا بالاستعمار وجرائمه.. لقد شاهدنا مؤخرا بعد جريمة خنق أمريكي أسود قام بها شرطي أمريكي أبيض كيف انتفض الضمير الإنساني في فرنسا وبريطانيا وايطاليا وبلجيكا وأمريكا واندفع الإنسان لتحطيم رموز الاستعباد والاستعمار وتجار العبيد والمجرمين في شتى العواصم.. وعلى سبيل المثال وقف ملك بلجيكا في ذكرى استقلال الكونغو ليعتذر عما فعل أسلافه من جرائم بحق الكونغوليين.. ولم يعد الاستعمار ولا تاريخه محل تمجيد لدى القطاع الواسع من المثقفين الأوربيين خاصة ومن حين إلى آخر تضخ المكتبات كتبا ووثائق تدين الحقبة الاستعمارية.. و مع رفع القيود عن المعلومات والوثائق تتكشف حقائق الاستعمار وسيرته الإجرامية وعاد الجميع مجللين بالخزي والشعور بالعار رغم كل ما يحاوله اليمين العنصري من النفخ في أمجاد زائفة بنظرة استعلائية عنصرية.. ولم يعد على المستوى الشعبي وطبقات المثقفين من يجد نفسه ملزما بالدفاع عن الحقبة الاستعمارية بل يتجه الجميع إلى الإدانة.. وفي أي حلقات نقاش يتهرب المثقف الغربي من مناقشة تلك الحقبة والتي تعتبر صفحة سوداء في تاريخ أوربا كما بالضبط العصور الوسطى وما اقترفته بحق الشعوب الأوربية وسواها.

وفي الغرب كذلك وفي أمريكا تيارات يهودية قوية ضد الصهيونية العنصرية وتنشط لمد اليد لأهل فلسطين مؤكدين بطلان المشروع الصهيوني وانه جريمة في حق الإنسانية.. وفي أمريكا يبدي كثير من اليهود عدم اكتراثهم بالمشروع الصهيوني وينددون به من حين إلى آخر بل وحتى في داخل الكيان الصهيوني نتابع انتفاضات لضمير إنساني لا يمكن تجاهله من خلال مفكرين وأساتذة جامعات ومثقفين وساسة يهود يدينون الصهيونية ويكشفون جرائمها ويطالبون بتفكيك الكيان العنصري ويذهبون الى تفنيد كل الدعاوى التي قامت عليها النظرية الصهيونية.. وفي الدول الغربية يتواصل موقف الأكاديميين البريطانيين ومعهم أكاديميون من شتى العالم لفرض المقاطعة على الجامعات الصهيونية ومقاطعة كل أكاديمي إسرائيلي لا يدين العنصرية الصهيونية تمتد حركات المقاطعة لمنتوجات الاستيطان الصهيوني في المدن الأوربية بل والولايات الأمريكية وتجد فلسطين أنصارا لها في كل عواصم الغرب فيما لا تجد مظاهرة واحدة ذات قيمة يقوم بها غربيون أو أمريكان لصالح الكيان الصهيوني.

وتشق اللغة العربية باقتدار وجودها في المحافل الدولية رغم أن أهلها وممثلوها من دبلوماسيين ومسئولين سامين مقصرون تجاهها ولا يؤدون لها واجب الانتماء بل إن بعض الملوك والحكام عندما ينطقون يكونون أقرب إلى التهجية من الفصاحة.. رغم ذلك فهاهي تتجلى في وجدان كبار المثقفين والمستشرقين الغربيين عن إعجاب مدهش وتفتح لها المدارس في كل عواصم العالم من موسكو إلى واشنطن وأوروبا على اعتبار انه حاملة ارث ثقافي وحضاري عظيم.. ولا يخفي صنف من دهاقنة المستشرقين المسكونين بروح العداء والعنصرية خشيتهم من قوة العربية في تحصين الشعوب و دفعها إلى معاني الحرية والاستقلال والسيادة التي تضمن في قيم تعتبر أهم ما يميز اللغة العربية بالإضافة لسعتها ودقتها.. ولقد سبق لهؤلاء الأشرار ان قدموا توصيات بتحطيم النظام التعليمي القديم الذي يعتمد على تحفيظ الناشئة القران الكريم والأحاديث والشعر مما كان يزود هم بعشرات آلاف المفردات وأقيمت المدرسة العصرية بكل عيوبها حيث يتخرج الطالب في بعض الأحيان من الجامعة لا يفرق بين تاء مربوطة وأخرى مفتوحة.. فضلا عن محدودية خزانه اللغوي الأمر الذي يستبب في غياب أداة التواصل و عدم دقة تحديد المراد و ضبابية توصيف الحال.

من يتصدى للتجريم؟:

غابت هذه القضايا في أتون الربيع العربي،  بعد أن أصبح أهم سماته الحرص على الانفتاح على الغرب بعلاقات متميزة، وهذا يقتضي حسب رأي أصحابه تجميد قضايا الخلاف، والتي تقف على رأسها القضية الفلسطينية، لذا وجدنا القوى الفائزة من الإسلاميين والليبراليين في الانتخابات بعد موجة الربيع العربي تدير ظهرها على الأقل علنيا للقضية الفلسطينية.

 الليبراليون في الأصل متحللين من القضية الفلسطينية ويعلنون بلا تردد عن ضرورة علاقات مع العدو الصهيوني، لكن المفاجأة كانت في موقف الإسلاميين بعد فوزهم   في الانتخابات البرلمانية والرئاسية المصرية حيث أعلنوا التزامهم باتفاقيات كامبديفد، وطووا صفحة معارضتهم لها، وصفحة رفضهم لأي إعتراف بالكيان الصهيوني، وصفحة كفاحهم ضدها ومطالبتهم بفلسطين كاملة، مغفلين سنوات معارضتهم الطويلة للنظام المصري بحجة توقيعه اتفاقيات كامبديفد ولم تتم في ظل وجودهم لعام كامل أية خطوة للتخفف من كامبديفد أو فتح ملفاته الغامضة أو تعديله أو أي مساس به، والأمر نفسه في تونس حيث لم يستطع مشروع قرار تجريم التطبيع مع العدو الصهيوني المرور في البرلمان الذي يتحكم به الإسلاميون بل وتم منع تمرير قانون تجريم الاستعمار الفرنسي لتونس وهكذا نجد كل التيارات الإسلامية التي تشارك في الحكم دون تعداد مواقعها تبتعد عن الخوض في تجريم الاستعمار وتجريم التطبيع وذلك لحسابات سياسية خاصة بالمصلحة المؤقتة للحزب وقياداته غير منتبهين إلى  كونه يصطدم بوجدان الأمة والشعب و كذلك يصطدم مع الضمير الإنساني ويمثل حالة من الضبابية السياسية التي ستدفع ثمنه هذه التيارات وهنا لا أوجه اتهاما للنوايا ولا المقاصد البعيدة إنما الحديث هنا يطال الوعي السياسي والإحساس بالانتماء لأمة لها مشاعرها وهمومها ومقدساتها.. والذي لا تدركه هذه الأحزاب إنها مهما قدمت من تنازلات لن تنال من الاستعمار وأعوانه رضى ولا قبول ولن ترضى عنها الصهيونية العالمية ولن تتوقف عن الكيد لها وسيخرجونها من كل دواليب الحكم ويتابعونها بتهم الإرهاب والشيطنة ذلك لأن الاستعمار والصهيونية لا يقبلون بالحد الأدنى.. هم قد يستخدمونها بدون وعيها في مهمات، ثم يلقون بها أرضا بلا شفقة..

 أما العربية فلقد أصبحت في ذيل اهتمامات الأحزاب الوطنية والقومية والإسلامية في غياب مؤسسات وحكومات وتنظيمات اجتماعية وجامعات تجعل من الدفاع عن العربية سبيل كفاح وجهد متواصل.. وهناك من يرى أن العربية موجودة في الجامعة أو في التخصصات أو المساجد وخطبها.. وفي هذا ظلم للنفس كبير وخسارة ما تم انجازه في سنوات الكفاح ضد الاستعمار.. فعندما نقارن لغة حسن البّنا وسيد قطب و مصطفى السباعي وحسن الترابي والطاهر بن عاشور والثعالبي والرافعي و ابن باديس والإبراهيمي والعقبي ومحمد عيد آل خليفة واحمد سحنون والورتلاني ومئات من إخوانهم بمستوى لغة كبار المتحدثين اليوم يفجعنا حجم التراجع الكبير فلقد كانت العربية لدى البنا من شعائر الإسلام كما كانت عند ابن باديس مفتاح القرآن.. إن العربية وتنميتها والارتقاء بها من خلال برامج تعليمية جادة وتقديمها وتعزيزها في العلوم والتكنولوجيا سيزودنا مفتاح النهضة وهذا يتوجب تشريعات حازمة وشديدة الحساسية ومتابعة صارمة.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك