بُعدٌ آخر للمادة 10 من مشروع الدستور

المجتمع المدني و المواطنة الإيجابية

بقلم: الوليد فرج

 

الدعوة إلى انخراط (المجتمع المدني) في الحياة العامة ، قد تتضمن الاعتراف بالحاجة إلى دوره في المساعدة في تسيير الشأن العمومي ، و المساعدة على تسهيل و ضبط الخدمة المرفقية ، لأجل البلوغ إلى نجاعة أكثر في الاستفادة منها ، و تسهيل الوصول إليها ، من خلال المشاركة في اتخاذ القرار بتوصيل و تنوير المسؤول بحيثيات الحاجة العامة ، كما قد يقوم بدور الرقيب ، على أداء المرفق العمومي. 

ما المجتمع المدني ؟ 

لاحظنا مؤخرا ، أن الكثير من الناس ، يخطئون في حصر المجتمع المدني في الحركات الجمعوية و المنظمات المدنية ، التي نظمها قانون الجمعيات ، غير أن مفهوم المجتمع المدني وفواعله أوسع من هذا فهو يشمل النقابات و الأحزاب و الجمعيات و جل التنظيمات المدنية الناشطة داخل صفوف المجتمع أفرادا و فئات ، يحدد أهدافها وغرض إنشائها قانونها الأساسي . فالمجتمع المدني يضم مجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية .

تبقى أهمية دور المجتمع المدني ، مرتبطة بنضج تكوين أفراده ، و خليفة نشاطهم ، و غالبا ما يكون النشاط الجمعوي ، المرتبط بالإنسانيات و الحاجات الضرورية للحياة أكثر تغلغلا و نجاحا ، لما يتسم به من دوافع عاطفية إنسانية ، تحفز على التضامن و التكافل الإنساني المتأصل  في مجتمعنا .  

إن المُتأمل في موضوع ما ،  كان محل نشاط جمعوي لقي تضامنا شعبيا  ، يجد سببه غياب خدمة عمومية ، مكفولة قانونا ، استعاض الناشط المدني عن غيابها ، بالتضامن الشعبي ، لدفع ضرر الفراغ الرسمي الذي تتعدد أسبابه و أشكاله .

إن المجتمع المدني ليس بديلا ، عن المرفق العمومي ، و لا أداة أو ميكانيزما ،  لملئ الفراغ الذي يحدث فيه ، بل من الخطر أن يصبح كذلك ، نظرا لطبيعة التطوع التي تحكم نشاطه ، و عدم ديمومته ، بسبب قلة إمكانياته ، و انحصار مهامه ،  و محدودية المسؤولية في نتائجه ، عكس المرفق العمومي ، فنشاط المتطوع الجمعوي مثلا ، في نقل المرضى لا يعفي مرافق الدولة المختصة في ذلك ، من توفير هذه الخدمة ، و ضرورة وحاجة الاستطباب التي أصبحت تقليدا ، كحالات تضامن يلتف حولها الشعب ، لا تعفي مرافق الاستشفاء من تولي دورها بتوفير الخدمة الموكلة لها .

 إن ضرر تبدّل المراكز القانونية ، و انتقالها المباشر أو غير المباشر ، بطرق غير قانونية ،  قد تولدها العادة تحت وطأة الحاجة او الضرورة الاجتماعية ، يعتبر نكرانا للمسؤولية و تخلي عن المهمة ، التي ينجر عنها تعطيل الحقوق ،  موجبٌ للمسؤولية ، لما يصيب مرافق الدولة بالوهن و التراجع ، في أداء الخدمة العمومية، و الاتكالية الغير شرعية ،  لذا يجب توجيه نشاط المجتمع المدني ، نحو النضال من أجل تأسيس مرفق عمومي يوفير الخدمة ، حسب الحاجة لها و بطرق تسمح بالوصول لها ، دون عوائق مادية او معنوية ، تكون على نفس المسافة من طالبيها ، دون تمييز أو تفرقة أو تفاضل ، لمبدأ مساواة الجميع أمام العبء العام ، فبمفهوم المخالفة ، يتساوى الجميع في الاستمتاع بخدمات المرافق العمومية ، ولا يكون هناك تفاضل إلا استثناءً فيما أقره و سببه القانون .

إن فواعل الدول الذكية التي استشعرت قدرات اجتماع النشاط المدني و نجاعته ، نجحت في توجيهه إلى توفير منتجو أكثر  فائدة اجتماعية ، من خلال توسيع مفهوم المجتمع المدني ، الذي تجاوز نشاط التطوع الذاتي للأفراد ، الذي في الغالب يكون مناسبتيا لغرض تحقيق فوائد اجتماعية آنية تمليها الحاجة ، بل وصل نشاط المجتمع المدني  في ألمانيا إلى تأسيس شركات و مؤسسات أهلية للإنتاج الصناعي في شكل شركات مساهمة ، ينشؤها الأهالي مما يوفر مناصب عمل هامة ، و يقلل عبء مسؤولية الدولة في البحث عن توفير فرص العمل كحق تكفله الدولة لكل مواطن ، وبهذا تنجح الدولة في توفير جهدها ، تصويب اهتمامها إلى ميادين أخرى أكثر حساسية ، المدرسة .  فمعظم الشركات الألمانية والنمساوية الكبيرة، مثل سيمنز ودايملر بنز وكروب للحديد والصلب، وباير للصناعات الكيميائية وصناعة الدواء هي شركات مساهمة تمتلكها الأهالي ، تعكس تضامن المجتمع المدني الخلاق ، والترابط الاجتماعي الحقيقي بين فئات المجتمع و القدرة الحقيقية الصحيحة على توجيه الطاقات الاجتماعية ، في تكوين بدائل توفر خدمة عامة ، تساعد على تقديم تقاسم العبء العمومي ، لغرض الوصول إلى مجتمع الرفاهية . 

قد يشكل المجتمع المدني ، مظهر الأسرة الكبيرة ، كما وصفه إدموند بيرك ، لما يوفره من تضامن و تكافل و سعي لتقديم خدمات أو دعم قضايا من خلال محاولة التأثير على السياسات العامة ، وفيه تتجسد حرية النشاط الإجتماعي بعيدا عن أي تأثير رسمي ، بما يكفل الوصول إلى المواطنة الإيجابية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك