بين وسادة التاريخ وميدان التدافع الحضاري

نحن

بقلم: صالح عوض 

كلما أصبح على أمة ما أن ترد على التحدي المفروض عليها تبرز إجابتان واحدة تغرق في نومها على وسادة التاريخ وأخرى تشيطنه وتنفيه وهنا لابد من القول أن المنجزات التاريخية لأمة في مرحلة ما تصبح نقمة عليها في حاضرها عندما تستكين لسرد روايات مجدها وعزها وانتصاراتها غافلة بأن الخصوم التاريخيين اتخذوا من تلك المنجزات سببا لإصرارهم على تحطيم عناصر القوة فيها، فيما هي تترك سلاحها في معركة لا تعرف توقفا، وتبدو هذه المنجزات المختلطة بين الأسطورة والحقيقة معطلا حقيقيا عن التقدم وبذل الجهد، ولكن من زاوية أخرى تبدو الأمم التي تتحرك في حيز الصراع دونما إرث تاريخي كالولايات المتحدة والكيان الصهيوني كما لو كانت تسير على دراجة بعجلة واحدة ممنوع عليها التوقف، وغير قابلة للتجربة، فهزيمتها الأولى هي هزيمتها الأخيرة، فهي كيانات بلا حكمة الخسارة، و بلا يقين الحياة في ظروف الاضمحلال، بمعنى أدق أنها كيانات طارئة لم تنم نموا طبيعيا بل فرضتها القوة الغاشمة، ولذلك فهي بلا تقاليد الكر والفر، والربح والخسارة، والانتصار والانكسار..

فكيف يمكننا إبداع الترتيب بين رصيد الوعي بحركة التاريخ وحكمة التجربة ودلالاتها؟ وتفعيل ما لدينا من إمكانات واقعية؟ لنتقدم بلا تلعثم ولا اتكال على الماضي أو على نرجسية لا قيمة لها في تدافع الإرادات الكبرى؟ لننتهي إلى السؤال الكبير: ما العمل؟ ونضع ذلك أمام فريقين ينقسمان بتصادم عجيب فريق يلجأ إلى الأصالة حسب فهمه مستندا إلى مواقف رجال وأحوال أجيال سابقة جاعلا منها مرجعيته وسلطانا على مشاعره وشعائره.. وفريق آخر نفض يديه من كل ما له من علاقة بتاريخ أمته وذهب ممعنا في تأكيد موقفه بالنقد والتشكيك في أمجاد أمته وفي أهداف رسالتها الحضارية واستخلص له منهجا تلفيقيا قائما على اللامسئولية تجاه مجتمعه ومصيره في مرحلة من أخطر ما يواجهنا.

التاريخ قيمة:

  إن القرآن الكريم يحوي ما يقارب ثلثيه آيات من القصص مما يعني أهمية حقيقية للحدث التاريخي في حياة شعب او فرد وفي القصص القرآني تم تناول كيفيات المواجهة لقوى الانحراف سواء كانت جماعية كبني إسرائيل آو أصحاب الناقة وقوم عاد وثمود أو فردية كفرعون والنمرود و كيفية تشكل منطق المصلحين سواء كانوا أفرادا كسيدنا نوح وسيدنا يونس أو سيدنا إبراهيم أو كأنبياء بني إسرائيل أو جماعات كأهل الأخدود وأهل الكهف وآمة الإسلام ولكنه يتجه دوما إلى المعالجة فيقدم القصة ويناقشها ويظهر ناموس السنن والقوانين الفاعلة فيها وأسباب التقدم والانهيار بمنهجية عادلة معجزة لتفسير الظواهر اجتماعيا ونفسيا وسياسيا ويحولها إلى قيمة فاعلة في حياة الفرد والمجتمع ثم ينتهي من ذلك إلى استخلاصين مهمين الأول: أن تلك أمم قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت، والثاني أن هذه القصص تتوارد إليكم لعلكم تعقلون ولعلكم تنتهون ولعلكم تفكرون يا أولي الألباب ويا أولي النهى فيما انتهت إليه من نتائج عندما تفاعلت فيه العناصر المذكورة.. هذه الرؤية تجعل التاريخ فكرة ومنهاجا.. وترتقي به الى مكانته كقيمة عليا في تطوير السلوك البشري والى رقي استعداداته لحياة إنسانية تليق به.. وفي هذا الميدان يقدم القرآن معجزته في معالجة المنهج والفكرة سواء.. فعلى صعيد الفكرة: أن الحدث التاريخي حدث واقعي في مرحلة معينة زمانا ومكانا بملابسات خاصة لا يحاسب إلا من كانوا أطرافا فيها وان كانت آثارها تنعكس على من له صلة بالواقعة التاريخية، ثم التقدم بمنهج البصيرة والعدل لشرح الظاهرة بتقصي أبعادها جميعا والانتهاء من هذا كله إلى حيث الفائدة كما أكدنا سابقا وهي الانطلاق نحو فعل إنساني كريم.

كأي قيمة جميلة فاعلة في حياة الشخص والمجتمع تتجلى قيمة التاريخ فمن لا تاريخ له لا يعرف بالضبط اتجاه مستقبله بل يكون فاقدا القدرة على تحديد معالم شخصيته وهويته وغاياته وصيرورة مسيرته.. وقيمة التاريخ لا تقف عند حد تلك المعرفة بل إنها تطفح بالمشاعر والأحاسيس والتجاوبات بمستوياتها العديدة التي تعود في كثير من الأحيان وكأنها واقع يتحرك على قدمين وتحدث الانفعالات لدى كثير من الناس مع أحداث التاريخ ووقائعه كما لو كان يدور في زمانهم وبالقرب من ديارهم فيتحزبون لجهة دون أخرى ويستهلكون طاقتهم في معارك طواها الزمن ولم يصلهم منها إلا جني كلام الرواة بأمزجة متناقضة وبمواقف مسقطة على التاريخ فيصبح الموقف وليد قصة مفبركة ملعوبة باللغة والسياسة.. و لسبب يعود الى تكوين النفس البشرية يميل الناس الى الجانب الأسطوري في التاريخ يضخمون ويستحضرون صورة المخلص والمنقذ البطل وهم في ذلك اقرب للأوهام منهم الى الحقيقة.. ولأشد ما تكون العملية مغرقة في الوهم عندما ترتبط ببطولات عرقية أو طائفية وتصنع حول أبطال العنصريات هالات القداسة والتبجيل والأسطورة الخرافية أي بأبعاد عنصرية حينها يتحول التاريخ من كونه جسما ماديا واقعيا إلى سلسلة من تلبس العنصرية بالخرافة.. 

التاريخ كمخدر:

هناك من يختار النوم على وسادة التاريخ المصنوعة بإتقان من قبل دهاقنة أخذهم خيالهم إلى عوالم التخيل والفتيا وصناعة عوالم غير موجودة في آليات الحياة إنما استلزمتها شروط الحبكة الطائفية او العنصرية ففيها تعلة لما هم فيه وسلوان عن كوارث ونكبات الواقع وفيها تلذذ بما كان حتى لو على طريقة تعذيب النفس وإسالة الدم من الظهور والمشي حبوا كالكلاب وغمس الرؤوس بالطين او سوى ذلك من تصرفات يأباها الحس الإنساني ولا يرضاها الله لعباده.. مجمل القول في هذا أنها هروب نفسي وعاطفي فهي علاج ولكنه مضر ووهمي ولا يفيد شيئا كما هي المخدرات والأفيون الذي لا يقف عند حدود لفائف السيجارة وإنما يتنوع في أفكار وأساليب تتلبس لبوسات عديدة تؤدي الغرض نفسه من سيجارة الحشيش نحو أذية الآخرين وتعطيل الحياة والدخول في مشاعر أجيال تاريخية سابقة.. ويصبح التاريخ في مثل هذه الحالة نوعا من الأفيون والطاقة الشريرة نحو الآخر الإنساني.

وهنا كانت المنبهات والمحفزات تتوالى في السياق القرآني لإخراج الناس من التوهيم والفلتان في عالم الأحلام إلى إدراك ما هم فيه من واقع ومواجهته بحلول حقيقية.. فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت.. وان كان لابد من العبرة الا انه ليس عليكم من خطاهم ولا لكم حسنات أفعالهم فانتم وهم أمم ولكل امة اجل وكتاب ومهمات والتزامات من طبيعة ما تعيشه في واقع الناس.

 النوم على وسادة التاريخ ليس أقل ضررا من الانهماك مع الأفيون.. لأن الضرر في الحالين واحد إنه الغياب المذهل عن حياة الشهود.. والأسوأ من الحالتين هو الانهماك في معارك التاريخ وحشد القوى لاشتباكات دامية بأثر رجعي.. واستحضار الأقوال والصولات وكأننا ننتقل بسفينة فضائية لعدة قرون سابقة.

النوم على وسادة التاريخ يضر بالأشخاص والمجتمع ويدفع النائمين إلى العيش في عالم آخر هو من فصيلة ما يرى النائم من أحلام فيها أضغاث وفيها كوابيس كما فيها تمنيات وتسليات.. ومع هذا يجب ألا يتسرب إلى الذهن لحظة أننا نحمل دعوة إلى التخلي عن فهم التاريخ وإدراك سنن التحولات والتطورات والتغيرات فيه فذلك عبادة نتقرب بها إلى الله كما أنها المسؤولية الحقيقية تجاه أنفسنا ومجتمعاتنا.. أيضا ينبغي أن لا يتسرب إلى بعض العقول أننا بصدد إلغاء وقائع تاريخية لفئة من الناس ا وان ننمط التاريخ البشري حسب هوانا او ما ينحاز لأسطورتنا.!!

وهنا لابد من تأمل جملة في غاية الدقة أن التاريخ لا يحمي أحدا ولا يصد الغزاة عن أسوار المدينة ولا يستطيع ان يذيب حديد المستعمرين ويصد غاراتهم وإن كل الحكايات والقصص لا تجدي نفعا في شد بطن جائع أو تأمين خائف.. إن كل الروايات والأساطير لا تزودنا ببندقية ولا بمنظار ليلي نكتشف به غارات العدو القادمة من خلف كل رابية.. نعم انه مفيد جدا في التدبر والتأمل ومعرفة سننه ونواميسه واكتشاف الأعداء وأساليبهم وفهم آليات الصراع.. ومن ثم الاعداد بكل حقيقي ومفيد وناجع لدفع عجلة التقدم والنماء على كل الأصعدة ولكن يجب أن نحرره من أصحاب الايدولوجيا والمصالح السياسية لكي لا يصبح مادة تفجير وصراع داخل الأمة الواحدة وهنا يجب أن تنتقل دوائر مناقشته إلى نواد علمية تستند إلى الدليل العلمي والمنهج العلمي.. فهل نرفع رؤوسنا عن وسادة التاريخ لنراه كما ينبغي أن نراه؟ وننطلق نحو مستقبلنا

كلمة لابد منها:

علينا مهمات كبيرة عملية لإنقاذ مجتمعاتنا من الفقر والتخلف والتبعية منطلقين من عناصر القوة والإمكانات الواقعية المتوفرة لدينا وإبداع تطويرها في شتى المجالات.. وهنا نفتح باب التدافع الحضاري على وسعه ونفتت كل المعطلات التي تحول بيننا و تحقيق أهدافنا الكبيرة.

ان المعركة حقيقية والخصوم – ان لم نقل الأعداء- يطورون أساليبهم وهم مصرون على مواصلة حربهم بخطط وسيناريوهات متطورة ومتبدلة، ولفح نيرانهم يكاد يصل إلى كل عواصمنا وليس هناك متسع وقت لإهداره في الهروب من الواقع بتدافعه وصراعاته إلى التمحك بالحكايات والمواقف المرتهنة بواقعها التاريخي..

ورغم كل ما يغرينا ونحن نتحدث عن مكارم أخلاق السابقين وانجازاتهم الأسطورية إلا أننا ينبغي إن ندرك انه بإمكاننا عمل ما لم يستطيعوا فعله؟ فنحن نمتلك عناصر قوة لم يمتلكوها ونحن في حالة وعي كوني لم تكن لهم والقرآن الكريم يتفتح علينا بمعان لم تكن متفتحة لهم في أزمنتهم ونحن منفتحون على تجارب الأمم في السياسة والعلوم والاقتصاد كما لم يتسن للسابقين. فنضيف ذلك الى مكارم أخلاقهم، نحن نستطيع أن نصنع تاريخا تقرأه الأمم القادمة بفخر، وتستند إليه نفسيا كما نحن نفعل الآن إزاء تاريخ من سبقونا، و في نهاية المقال اؤكد أن المنشغلين بشيطنة التاريخ والتشكيك في شواهده ووقائعه مثلهم تماما مثل ذلك الذي استغرقه النوم على وسادة التاريخ وحكاياته فكلاهما انشغلا في مضيعة الوقت والجهد.. نحن أمام مهمات كبيرة لا نستطيع السير إليها إلا بعد أن نتحرر من الوهم ومن السفسطة .. والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك