بين مطرقة أزمة الشيخ و سندان العَلمان .

حركة النهضة ،القصة غير كاملة ..

بقلم: الوليد فرج

 

الثورة كفعل حدِّي مغاير ، يجابه وضعا قائما ، يهدف إلى تغيير بوسائل شتى في الغالب يكون العنف أحد أسسه (مادي ، معنوي) ، قد يكون التركيم التآزمي السابق عن الثورة ، أكثر تعقيدا منها ، لامتداد اثاره إلى ما بعد الثورة ، و تجذره في شتى مناحي الحياة ، لذا مهمة الثوار لا تنتهي بانتهاء الثورة ، بل تستمر إلى تأسيس الوضع الجديد المغاير الذي يلي الثورة ، كما قالها المفكر عزمي بشارة : (إن مهمة الثوار لا تنتهي بإسقاط النظام الديكتاتوري ، بل تبدأ بعد ذلك مهمة أصعب ، هي إقامة الدولة الديمقراطية الجديدة ) .

 من ثمة فالانتقال من وضع الاستبداد و الفساد السياسي ، الذي يولد في دولته ، و في ظله جميع أنواع الفساد ، إلى وضع الحريات و المساواة ، يعتبر مرحلة دقيقة و حساسة، تؤدي في الغالب إلى ظهور قوى جديدة ، و انبعاث و رجوع القوى المقموعة ، التي كانت تعارض المستبد ، فلا يوجد مستبد استقر له حال أو استوى له حكم ، فالإنسان مجبول على الحرية ، تواق لها ، وهي أول أعداء الطاغية . وهذا ما نجده في قصة حكم تونس من زمن فصول بورقيبة ، إلى حكم بن علي . إلى يوم انبعاث حركة النهضة و مشاركتها القوية في صوغ المشهد السياسي .

شهدت تونس حالة من التوجس السياسي ، برجوع النهضة إلى النشاط في ظل ما جلبته الثورة من حرية ، و انفتاح ديمقراطي ، فاتسم أول ظهور لها بالقوة ، خلال المرحلة الانتقالية ، التي بدأت مع انتخاب أعضاء المجلس التأسيسي في أكتوبر 2011 ، كحدث تاريخي ، جسدت أول مرة بداية انتقال فعلي ، نحو الديمقراطية ، إذ مارس الشعب اختيار ممثليه بكل حرية و نزاهة ، حيث حققت يومها حركة النهضة بقيادة راشد الغنوشي ، فوزا باهرا بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي (89 مقعد من 217 مقعد) .

فهمت هذه المرة حركة النهضة قواعد اللعبة ، باستشعارها حالة انقباض وتوجس القوى السياسية و فواعل المجتمع المدني منها ، فحاولت إشاعة جوا من الارتياح بتشكيلها لحكومة ائتلافية ، جمعت العلمانيين و الإسلاميين ، أول مرة في تحالف سياسي ، يشي بمنهج معتدل ، و الإيمان ببداية تمهد للتداول على السلطة ، من خلال تحكيم إرادة الشعب ، مما قد يساعد على تبديد المخاوف و الهواجس ، من مرجعيتها الإسلامية ، التي اعترت الساحة السياسية ، مع ما تثبته التجربة السياسية السيئة ، عند وصول الإسلام السياسي ، إلى مراكز القرار ، الذي في الغالب ينقلب على المكتسبات الحداثية و مظاهر التمدن التي حققتها تونس (حقوق المرأة ، مجلة الأحوال الشخصية) ، فتعيد إنتاج الديكتاتورية في لبوس ديني ، يوظف الديمقراطية للانقلاب على الديمقراطية .

بعد الانتصار التاريخي للشعب في 14 أكتوبر 2011 على جلاديه ، تحصلت النهضة على التأشيرة القانونية للبدء في نشاطها السياسي العلني المنظم ، كثمرة من ثمار الثورة ، وفي ظل ما سبق قوله من ارتياب حام حولها ، أصدرت في 01 مارس 2011 بيان جاء فيه أنها : (تجدد تمسكها بمبادئها المعلنة ، و احترامها للتنوع و الحق في الاختلاف ، و رفضها الوصاية على الإسلام و تمسكها بالعمل المشترك على قاعدة النضال ، من أجل تحقيق الانتقال الديمقراطي ، و تجسيد مبادئ الثورة و تحقيق مطالبها…) ، اعتبر المراقبون للمشهد السياسي في تونس ، أن هذا البيان كان بمثابة خطاب أمان ، و  رسالة تطمين ايجابية ، موجهة لمكونات المجتمع المدني ، بكل أطيافه ، خطاب يظهر أن الحركة خرجت من طور المغالبة و الموجهة إلى طور المشاركة و التفاعل مع المغاير السياسي بطرق ديمقراطية ، فانخرطت في مسار التنافس الحر والنزيه على السلطة ، و تجسد ذلك خلال التباري السياسي على التمثيل داخل مجلس التأسيسي ، الذي صاغت له استراتيجية ذكية بعيدا عن الاستقطاب الثنائي العلماني/الإسلامي ؛ نائية بنفسها عن الخوض والصراع الأجوف المتمحور حول الهوية ، وصمتت عن الرد عن التهم التي كانت تكيلها لها التيارات السياسية المختلفة معها إيديولوجيا ، و المثالب التي حاول إلصاقها بها خصومها السياسيين ، و راحت تركز على كسب معركة البرامج ، فحققت بذلك فوزا سياسيا كاسحا ، في أول انتخابات سياسية حرة يشهدها المجتمع التونسي ، حيث فازت بـ 89 مقعد ، في المجلس التأسيسي ، لتتولى بذلك تشكيل الحكومة ، التي اختارت لها بذكاء تشكيلة إئتلافية وطنية ، حيث تحالفت مع حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بزعامة منصف المرزوقي الذي نال 20 مقعدا ، و حزب التكتل من أجل العمل و الحريات حائز إلى 20 مقعدا أيضا ، مما يسمح لهذا الاجتماع السياسي التآلفي الذي ترأسته النهضة بإدارة شؤون البلاد في مرحلة انتقالية حساسة ، لتباشر حكومة الترويكا مهامها يوم 16 ديسمبر 2011 بعد نيلها لثقة المجلس التأسيسي بحصولها على أغلبية الأصوات 154 صوتا مقابل اعتراض 38 عضوا و تحفظ 11 عضو ، لتبدأ الحكومة التحدي الكبير في إعادة هيكلة مؤسسات الدولة ، الموروثة على النظام الاستبدادي لبن علي ، المؤسس على شوفينية نرجسية بورقيبية لا تعترف إلا بحكم الفرد ، فكانت مهمة التأهيل الديمقراطي لهذه المؤسسات ، تحدي شائك يتطلب السهر على احترام الحريات ، و العمل على توفير الاستقرار و الأمن ، للبدء في صوغ دستور الجمهورية الثانية ، و التحضير و تهيئة الساحة السياسية لإجراء انتخابات تشريعية في أفق مارس 2013 . 

أحدثت ثورة الياسمين تحولا سياسيا فعليا و نوعيا في إعادة رسم و صوغ المشهد السياسي الذي كانت لحركة النهضة اليد الطولى فيه ، فبعد اجتماع كبار مناضيلها من الشتات و  المنافي ، و خروجهم من العمل السري ، الى الجهر و العمل السياسي العلني ، نجحت الحركة في أول تجربة براز و منافسة سياسية ، من خلال صوغها لبرنامج انتخابي نجحت بواسطته في استقطاب أكبر عدد من المناضلين و المتعاطفين و المنتخبين ، مما أعاد بعث الروح الحقيقة و إشباعها بحيوية سياسية شعبية قوية ، ساعدها على إعادة بناء هياكلها التنظيمية ، مما مكنها من المشاركة الفاعلة داخل المشهد السياسي ، ففازت بأغلبية مقاعد المجلس التأسيسي و تشكيلها و تزعمها لحكومة ائتلاف وطني كسابقة في تاريخ تونس الحديث .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك