بين قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي ومطالب التجريم الجزائري

إعادة كتابة تاريخ العلاقات الجزائرية الفرنسية

بقلم الدكتور فريد نصر الله، رئيس قسم التاريخ والآثار-جامعة العربي التبسي تبسة.

 

بعد تسليم السلطات الفرنسية لبعض جماجم شهداء المقاومة الشعبية التي سجنت بقصد في خزائن متحف التاريخ الطبيعي لما يزيد عن 170 سنة بكل ما تحمله من اهداف استعمارية بكون سكان المستعمرات حقل للتجارب، وبعد تكليف الطرف الفرنسي بتعيين المؤرخ بنجامين ستورا والجانب الجزائري لمستشار الرئيس عبد المجيد شيخي بمهمة الذاكرة، هذه الخطوة الهادفة من خلال الخطابات السياسية بين سلطات البلدين الي بعث إعادة كتابة الذاكرة التاريخية للعلاقات بين البلدين بما يخدم توثيق العلاقات المستقبلية في جميع المجالات.

ويعد هذا الموضوع مهم يستدعي من المؤرخين والباحثين تسليط الضوء عليه وتناولها من منظور علمي أكاديمي لمحاولة الوقوف على حجم العوائق التي تواجه هذه الخطوة ومجالات نجاحها على المدي القصير والبعيد خاصة في ظل وجود قانون تمجيد الاستعمار الفرنسي كإطار قانوني ضمن سياسة الامر الواقع ومطالب الضمير الاجتماعي الجزائري والنخب السياسية والاكاديمية والإعلامية على تجريم الحقبة الاستعمارية نظير ما ارتكبته من جرائم طيلة وجودها والتي أرخ لها حتى الطرف الفرنسي لا سيما خلال الثورة التحريرية.

إن من أهم العوائق التي ستواجه المكلفين بملف الذاكرة بين الطرفين يمكن أن تحديدها في:

الجانب الفرنسي:

  1. قانون 23 فيفري 2005 والذي أصدرته الجمعية الوطنية الفرنسية باقتراح من حوب الاتحاد من اجل الحركة الشعبية القائم على أساس نشر القيم الإيجابية التي جسدها تاريخ فرنسا الاستعمارية وخاصة في شمال افريقيا حيث فرض على المؤسسات التعليمية تدريس القيم الإيجابية للطلاب والتلاميذ وحجب الجانب الاجرامي للمرحلة الاستعمارية، كما ان انه فسح الامر للإعلام وبعض المروخين والسياسيين الفرنسيين الي تجريم جيش وجبهة التحرير في بعض الاحداث بما فيهم المؤرخ بنجامين ستورا من خلال بعض كتاباته 

(La guerre d’Algérie vue par les Algériens، tome II: Le temps de la politique De la bataille d’Alger à l’indépendance)) 

وتعداها حتى مرحلة الاستقلال في كتابه 

(Histoire de l’Algérie depuis l’indépendance – T1 : 1962-1988).

  1. رفض الطبقة السياسية النافذة ولوبي الاقدام السوداء في فرنسا لفكرة الاعتذار فوزير الخارجية الأسبق (Bernard Kouchner) عبر علي ان رحيل جيل الثورة إشارة للمجاهدين كفيل بالتطبيع الكامل بين الجزائر وفرنسا لنهاء مطلب الاعتذار، هذه الطبقة السياسية التي  تتحكم في أهم وسائل الاعلام الفرنسية وحتى المعتدلة تروج لطرح فكرة معاناة الجزائريين حلال الحقبة الاستعمارية بدل تجريم الاستعمار، وحتى الرئيس ماكرون عندما طرح هذا الموضوع في حملته الانتخابية باعترافه بان الاستعمار جريمة ووحشية في حق الشعوب المستعمرة، بعد وصوله للحكم تحاشي الخوض في موضوع تقديم الاعتذار الرسمي. ولذلك فالتجربة تؤكد أن الساسة الفرنسيين منذ الاستقلال يستخدمون هذا الموضوع لتحقيق مكاسب انتخابية فقط.
  2. اقدام الجانب الفرنسي 05 أفريل 2016م على اصدار قانون تمجيد الحركي وتعويضهم وفي 21 ديسمبر 2016 علي سن قانون يعترف بمسؤولية فرنسا في التخلي عن الاقدام السوداء والحركي عشية التوقيع على وقف إطلاق النار وهذا تماشيا مع الكتابات الفرنسية بما فيهم المؤرخ بنجامين حيث يطرح وقوع مجازر ارتكبت في حق الحركي والاقدام السوداء من الجانب الجزائري بدون ادلة تاريخية ويتناسى آلاف الأدلة التاريخية لجرائم فرنسا وجيشها في الجزائر منذ 1830.

الجانب الجزائري: 

على الرغم من غياب قانون يجرم الاستعمار الفرنسي في الجزائر على الرغم من المحاولات العديدة لتمريره الا ان حسابات سياسية للسلطة السابقة حالت دون تمريره والا ان أصعب العوائق الموجودة في الجانب الجزائري من خلال:

  1. وحدة الجزائريين اجتماعيا وسياسيا وإعلاميا وثقافيا، معارضة وسلطة منذ الاستقلال على مبدا تجريم الاستعمار الفرنسي في جميع اشكاله وهذا يمثل صمام صعب علي السلطة الجزائرية اجتيازه وحتى مؤسسات فاعلة في صنع القرار نشأت تاريخيا غلي مبدأ (الحقبة الاستعمارية جريمة في حق الجزائريين).
  2. تاريخ المجازر التي ارتكبتها فرنسا في الجزائر لا سيما خلال الثورة التحريرية أصبحت جزء من تركيبة الضمير الاجتماعي والنفسي الجزائري للأجيال القادمة والقائم على مبدأ الاعتراف والاعتذار الرسمي السياسي كما فعلت إيطاليا مع ليبيا والتعويض وهذا يمثل أكبر عائق في قبول الاطروحات الفرنسية القائمة لتحرير العلاقات بين البلدين من ارث الماضي والتركيز على مصالح الدولتين في المستقبل. 
  3. مبدأ المطالبة بإعادة الأرشيف الذي حولته فرنسا غداة الاستقلال مطلب جزائري ثابت من السلطة الجزائرية منذ الاستقلال يواجه عوائق سياسية وقانونية في الجانب الفرنسي. لا سيما الموجودة بأرشيف ما وراء البحار بمدينةAix en Provence وأرشيف وزارة الحربية Vincennes، كما ان الوثائق الموجودة بالعلب تعرضت للإخفاء منذ بداية 2012 و 2014 و خاصة ما يجرم تاريخ فرنسا الاستعماري و كتجربة مع أرشيف Aix en Provence واثناء زيارتي له سنة 2011 تصفحت العلبة 7 SAS 69 التي تتوفر علي 16 ملف و عند زيارتي للارشيف سنة 2017 وحدت ان العلبة لا تتوفر الا علي 3 ملفات (correspondance (1955/1962. zones interdites, instructions1955/1962) في حين اخفي منها بقية الملفات (Lutte contre le FLN : opérations, activité militaire, instructions, comptes rendus (1955/1961) ; renseignements, activités du FLN (1957/1962) ; renseignements généraux, police judiciaire, gendarmeries, fiches (1955/1962) ; suspects, individus recherchés, détenus, fiches (1955/1962) ; sécurité militaire) وقس على ذلك عشرات الملفات التي اخفيت من علب الارشيف.
  4. البعد الإنساني القضائي لجرائم فرنسا عائق امام أي تسوية لملف الذاكرة بدون اعتراف الجانب الفرنسي بجرائمه خاصة المرتكبة بعد ظهور القوانين الولية لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية فبعد الحرب العالمية الأولى، أسس الحلفاء سنة 1919، بناء على اتفاقية فرساي، لجنة للتحقيق في جرائم الحرب، استندت إلى اتفاقية لاهاي الصادرة سنة 1907. وبعد الحرب العالمية الثانية تم تشكيل محكمة نورمبرغ الدولية للتحقيق في الجرائم المرتكبة من طرف ألمانيا النازية وحلفائها. وقد حدد ميثاق نورمبرغ في مادته السادسة ” الجرائم ضد الإنسانية في القتل والتصـــــــــــــفية والرق والترحيل، وأفعال لا إنسانية أخرى ارتكبت ضد السكان المدنيين، قبل أو أثناء الحرب؛ أو الاضطهاد القائم على أسس سياسية أو عرقية أو دينية تنفيذاً لأية جريمة، أو لما له صلة بها، تقع في نطاق سلطة المحكمة القضائية، سواء أكانت انتهاكاً لقانون البلد المحلي الذي نفذت فيه أم خارجه”. ويوجد أحد عشر نصاً دولياً تعرّف الجرائم ضد الإنسانية، وتشترك كلها في تحديد مفهوم قضائي للجرائم ضد الإنسانية في العناصر التالية: 

(1) إشارتها إلى أفعال محددة من العنف ضد أشخاص بغض النظر عما إذا كان الشخص مواطناً أو غير مواطن وبغض النظر عما إذا كانت هذه الأفعال قد ارتكبت في زمن الحرب أو في زمن السلم

(2) يجب أن تكون هذه الأفعال نتاج اضطهاد موجه ضد جماعة من الأشخاص معينة الهوية بغض النظر عن بنية تلك الجماعة أو غرض الاضطهاد. ويمكن لتلك السياسة أن تتمظهر أيضاً في تصرف المنفذين “الواسع أو المنظم” الذي ينتج عنه تخويل بجرائم محددة مشمولة في التعريف. والجرائم ضد الإنسانية التي تتميز بالإبادة في أنها لا تتطلب قصداً لـ “تدمير جزئي أو كلي” لجماعة معينة، كما هو وارد في اتفاقية الإبادة لسنة 1949، بل تستهدف فقط جماعة معينة وتنفذ سياسة انتهاكات “واسعة ومنظمة”. وتتميز الجرائم ضد الإنسانية عن جرائم الحرب أيضاً في أنها لا تطبق فحسب في إطار الحرب، بل في زمن الحرب وزمن السلم كل هذه القوانين تسري على جرائم فرنسا الاستعمارية لا سيما صدور هذه القوانين وفرنسا موقعة عليها.

إن تسوية ملف الذاكرة التاريخية بين الجزائر فرنسا لا يمكن ان يغير من سيرورة الاحداث التاريخية بين البلدين في الماضي لكون الاحداث المأساوية لا يمكن اسقاطها و حذفها من التاريخ الهمجي للاستعمار الفرنسي في حق أجيال من المجتمع الجزائري وانما يجب ان يرتكز هلي قاعدة المحاكمة التاريخية للسياسة الاستعمارية في الجزائر في كل الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية والثقافية وان تسقط فرنسا الرسمية وغير رسمية قوانين تمجيد الاستعمار ولواحقه التي وحتي إزالة استخدام المصطلحات العنصرية في خطابها الإعلامي والتربوي والسياسي كمصطلح حرب الجزائر عوض الثورة الجزائرية  وهو ما يجعل إعادة  كتابة تاريخ العلاقات بين فرنسا والجزائر في ظل واقع قانوني فرنسي بتمجيد الاستعمار وايمان راسخ جزائري كامل بتجريم الحقبة الاستعمارية يحتاج الي قرار فرنسي من جانب واحد الاعتراف والاعتذار والتعويض للرسم علاقات مستقبلية هادفة لمصالح الشعبين.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك