بين عجلة الانتقال الديمقراطي و عصا العصابة

المافيا السياسية

بقلم: الوليد فرج

 

كانت الثورة البيضاء التي اندلعت في 22 فيفري ضد زمر الفساد السياسي و المالي  ، وممن رسخت أقدامهم داخل دواليب السلطة بعد مقدم الرئيس بوتفليقة وعلى رأسهم زمرة شقيقه القابع في السجن ، كواحدة من الإنجازات التي لا يستهان ، فالانتفاضات الشعبية التي عمت كل أرجاء الوطن بطرق سلمية ، حضارية ، بشعارات تنادي للحرية و المساواة و الحياة الكريمة ،قد ترددت أصداءها في كل بقاع العالم ، كأنصع وأنصف درس لمناهضة الاستبداد و الظلم و الفساد .

أن نجاح الحراك الشعبي ، الذي واجه تحديات كبيرة و رهيبة ،  في الوصول إلى انتخاب رئيس بطريقة ديمقراطية في ظروف حساسة جدا ، يكون قد تخطى أكبر عقبة 

لكن ما يزال المتكهنون لا يستطيعون التأكيد على: هل سيؤدي الحراك الشعبي إلى ازدهار الديمقراطية؟ وهل مهد الحراك إلى إرساء مؤسسات تساعد على التحول الديمقراطي سلس ؟ هل تماهى الرئيس فعليا مع نداءات الحراك الشعبي ؟ هل للحكومة الحالية شرعية شعبية ؟ و مشروعية برامجية تجيب على طموحات الشعب ؟ هل الأحداث الأخيرة من قطع التزود بالماء بالعاصمة و في نفس الوقت في عنابة و الانقطاعات المتكررة للكهرباء و حرق الغابات في نفس التوقيت و نقص السيولة النقدية وكل هذا جاء متزامنا و أيام العيد ، هل هذا برئ ؟ أن كان بفعل فاعل فمن يكون وراءه ؟ وإلى ما يهدف ؟ من يستطيع اللعب بهذا الأسلوب القذر ؟ وهل هناك سوابق مماثلة في السجالات السياسية التي عرفتها الجزائر ؟

 

يعتمد النظام الشمولي في العادة ، على مجموعة تنظيمات زبائنية ، و مؤسسات منتظمة في شكل نقابات عمالية ، و منظمات شعبية جماهيرية ، تقوم في الغالب بدور التعبئة المناسبتية ، عن طريق مسرحة الحدث ، و لفه بهيولة جوفاء للإيحاء بالإجماع الشعبي حوله ، لغرض الاستقطاب من خلال السيطرة على الإرادة العامة و في الغالب تتنازل الدولة عن بعض رأسمالها الرمزي للاستغلال السياسوي لهذه التنظيمات ، لا سيما عند التصدي للأصوات المناهضة لاستبداده ،  تتغذى من فتات الريع و تعيش على الهوامش القريبة من السلطة ، و نادرا ما تلتحق بالصف الأول له ، يسعى النظام على المحافظة عليها كأذرع ميدانية ، تنتشر داخل المجتمع و في كل مؤسسات الدولة ، كمساعد على حفظ النظام ومدافع عن سياسته و مرافع عن شخوصه . 

كما ينزع المستبد أحيانا ، إلى تكوين ما يصطلح عليه مثقف السلطة أو استقطابه ، الذي يؤدي مهمة شرعنة حكم المستبد ، في شتى صعد فلسفة الحكم ، فمثقف علم الاجتماع ينفي عنه أسباب الظواهر الاجتماعية السلبية المتردية ، فالمنتحر الذي قرر الانتقال إلى العالم الآخر ، سبب انتحاره عوامل نفسية و من قرر المجازف في خوض عباب البحر على قارب ، سببه الاستلاب الغربي ، و رجل القانون الدستوري يهندس وثيقته على مقاس هوى الحاكم بالتمام ، فتصبح مبادئ الديمقراطية كالفصل بين السلطات مبدأ صوريا لا يمكن تطبيقه ، و مبدأ استقلال القضاء مبدأ يولد التعسف و حيف وجور القضاء متى وجد نفسه طليق اليد ، و خبير الاقتصاد يرجع الأزمات و تفشي البطالة و ضعف المؤشرات الاقتصادية للوضع العالمي .

 

هذه الفئات التي كانت تتغذى من فتات موائد النظام الفاسد مجتمعة ، كما لاحظناها أثناء الحراك الشعبي ، التي عملت على إسقاط الثورة البيضاء في العدمية ، و تعويمها بشعارات غربية غريبة ، وخطاب استلاب باريسي ، حاولت جهدها في تحريف الإرادة الثورية البيضاء عن الأهداف الأولى ، التي خرجت من أجلها ، بل بلغ بها التهور إلى محاولات إشعال فتيل الفتنة بين فئات الشعب . 

بعد أن خاب سعيهم ، و سعي من ورائهم في تفجير الحراك الشعبي ، وبدأت ملامح الانتقال الديمقراطي ، تلوح في الأفق بعد نجاح الانتخابات الرئاسية ، باختيار الشعب لرئيسه ، تلك الانتخابات التي كانوا يعارضونها جذريا و سعوا بكل الطرق و وصل بهم اليأس إلى الاستنجاد بالاتحاد الأوروبي لتحقيق مآربهم المشبوهة . دخلوا مرحلة يأس سياسي ، زادها بؤسا تماسك الجبهة الشعبية إبان أزمة وباء كورونا ، من خلال موجات التضامن ، و التكاتف الشعبي ،  كسلوك أصيل في الشعب الجزائري ، ليتفاجأ اللفيف المستلب ، الذي سعى إلى الوثوب على السلطة ، من خلال الحراك الشعبي ، الذي رفضه ،  بهذه اللحمة الشعبية و التماهي التام فيما بينا فئاته و مؤسساته ، فزاد إيغالا في البؤس ، و أدرك انه دخل يحث الخطى إلى مزبلة التاريخ ، و قبر في ارض النسيان الأبدي ، و هو يلفظ أنفاسه الأخيرة ، على حافة هاوية الاندثار ، مدركا انه لم يبق له شيئا يخسره ، صرخ بأعلى صوته القذر عليا و على أعدائي ، فلم يجد أمامه إلا زبانيته التقليديين ، كما تدل القرائن ،  الذين انتهزوا مناسبة عيد الأضحى الذي يعيشه الشعب في ظروف استثنائية ، فقاموا بمجموعة عمليات تخريبية جاءت على رأسها اندلاع مجموعة من الحرائق المهولة في مناطق مختلفة في نفس التوقيت ! لتنتقل جمعية الأشرار إلى عملية امتصاص السيولة النقدية من مراكز البريد و البنوك بطريقة لم تشهدها هذه المرافق من قبل ، ليحاولوا أيام العيد داخل كبريات المدن في حالة عطش من خلال تخريب بعض المنشئات في فوكة و عنابة في نفس التوقيت و بنفس الطريقة .

من غير المعقول أن تكون هذه الأحداث عفوية بريئة ، و من غير المنطق أن تكون جرائم معزولة ، فأهدافها واضحة هي الغضب الشعبي الرامي إلى الفوضى ، ومن يسعى إلى الفوضى يريد السطو على الإرادة الشعبية ، متناسيا أن العقل السياسي الشعبي اليوم ، نضج من خلال استغلاله وسائل وأدوات و ميادين ، لا تخطر على بال الفواعل التقليدين مهما كان مركزهم .    

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك