بين الغياب والتغييب عن مؤتمر الصومام

الولاية السادسة

بقلم: سليمان قاسم

 

أنشئت الولاية السادسة كولاية قائمة بذاتها لأول مرة أثناء مؤتمر الصومام المنعقد في 20 أوت 1956 واستندت مسؤوليتها إلى الشهيد علي ملاح والذي أصبح بالتالي وعلى هذا الأساس صاغا ثانيا وعضوا بالمجلس الوطني للثورة الجزائرية ممثلا للولاية السادسة التي تشمل المنطقة الصحراوية الشاسعة التي تمتد من جنوب الأوراس شمالا إلى أقصى نقطة في جنوب الصحراء، ومن الحدود الليبية شرقا إلى حدود الولاية الخامسة غربا، هذا من الناحية الجغرافية التي كان يسيطر عليها جيش الصحراء، لكن قادة مؤتمر الصومام كانوا يعتبرون أن الولاية السادسة تشمل من الناحية النظرية كل تلك المناطق الشاسعة الممتدة جنوب بيردو “المهدية – تابعة حاليا لولاية تيارت” وقصر البخاري والبرواقية وبيرغبالو وعين بسام، تضم جنوب عمالة الجزائر.

من خلال التقسيمات التي ذكرت نرى أن قادة مؤتمر الصومام جهلوا أو تجاهلوا الحقائق القائمة آنذاك – على الميدان- والمتمثلة أساسا في كون الجهات المزمع تنظيمها كانت بالفعل منظمة وتتمتع بنظام ثوري محكم. من هذا المنطلق طرحت عديد التساؤلات والاستفهامات حول مدى فهم قادة مؤتمر الصومام أن المنطقة الصحراوية هي الولاية السادسة وان قياداتها من أمثال سي الحواس والشيخ زيان عاشور والحسين بن عبد الباقي هم المعنيون بحضور مؤتمر الصومام بحكم سيطرتهم على هذه المنطقة الشاسعة ومواجهتهم المباشرة للجيش الفرنسي ، لكن بقيت معظم الإجابات مبهمة طيلة أربع وستين سنة منذ انعقاد مؤتمر الصومام الذي تجاهل أبناء المنطقة الصحراوية متعمدا أو عن جهل لقيمة هذه الجهة من الوطن ومن خلال هذا الموضوع سنحاول الإجابة عن أسباب الغياب المفاجئ أو التغييب المفتعل للمنطقة الصحراوية في مؤتمر الصومام.

 

 أسباب ودواعي غياب المنطقة الصحراوية عن مؤتمر الصومام

 

بالحديث عن مسألة  الغياب أو التغييب لقادة منطقة الصحراء في مؤتمر الصومام رغم فاعليتهم في مقاومة الجيش الفرنسي واندماجهم في الثورة التحريرية،  إلا أننا نذكر نقطة مهمة وهي أن قيادة المؤتمر أرسلت  في شهر جويلية 1956 دعوة لحضور مؤتمر الصومام باسم الشهيد الحسين عبد السلام “بن عبد الباقي” مسؤول فرع الصحراء وكانت تلك الدعوة ممضاة من طرف كريم بلقاسم مسؤول منطقة القبائل ولم يسبقها أو يصاحبها أو يلحقها أي اتصال تحضيري أو تفسيري وكانت الدعوة في ذاتها موجزة إن لم نقل مقتضبة.

إلا أن وصول الدعوة لحضور مؤتمر الصومام جعل قيادة المنطقة الصحراوية تبدي عليها عديد الملاحظات حسب تقرير الولاية السادسة المنعقد بمدينة بسكرة يومي 05- 06 فيفري 1985 حيث ذكر “بأنه  لم يصل إلى علم المسؤولين آنذاك أن قيادة مركزية للثورة متفق عليها ومعلن عنها ، بالإضافة إلى أن مثل هذه الدعوة لحضور المؤتمر وتبعا للقواعد النظامية والثورية المتعارف عليها كان لابد أن توجه إلى قيادة منطقة الأوراس التي لها حق وشرعية البت في القرار واتخاذ الخطوات المناسبة، كما انه لم يكن من حق المسؤولين المحليين ولا من صلاحياتهم تلبية دعوة أو تنفيذ أوامر صادرة عن مسؤول منطقة أخرى ، ولا يمكن لقادة ومسؤولي هذه المناطق التخلي عن مراكز تواجدهم الثوري والتوجه إلى مناطق أخرى بصورة غير نظامية ودون أمر أو إذن من قيادة منطقة الأوراس، ونتيجة لذلك لم تشترك قيادات هذه الجهات في مؤتمر الصومام”.

وعلى هذا الأساس  نفهم أن قيادة المنطقة الصحراوية كانت تابعة للاوراس ولم تلتزم بالدعوة احتراما لقيادة المنطقة الأولى، بالإضافة إلى أنها تجهل الجهة المنظمة لمؤتمر الصومام، وفي حالة التزامها بالدعوة هل ستمثل الولاية السادسة أم الاوراس؟، والأكيد أنها لم تكن لتمثل لا الولاية السادسة ولا الاوراس والدليل على أن قيادة مؤتمر الصومام وضعت في ذهنها “علي ملاح” كقائد للولاية الولاية السادسة والذي كان يجهل أوضاع الثورة في كامل تراب هذه الولاية،  إذ لم يكن على علم بما كان يقوم به القائدان سي الحواس و سي زيان من تجنيد وتنظيم واتصالات في  المنطقة.

 

انعقاد مؤتمر الصومام والمنطقة الصحراوية الغائب الأكبر   

 

وبالعودة إلى فعاليات مؤتمر الصومام  فقد شرع في جلسته الأولى بصفة رسمية يوم 20 أوت 1956 بعد أن يئس الحاضرون من التحاق بقية الأطراف التي كان يفترض أن تشارك ولم تحضر لسبب أو لآخر،  وقد استهلت  هذه الجلسة بالترحم على أرواح أولائك الذين سقطوا في ميدان الشرف بعد انطلاق الثورة التحريرية بأيام قليلة من أمثال مراد ديدوش، باجي مختار، رمضان بن عبد المالك وغيرهم،  ليتم الانتقال مباشرة للتطرق لأول نقطة مبرمجة في جدول الأعمال السابق الذكر أي قراءة  التقارير المتضمنة للجوانب السياسية والعسكرية، والمالية لكل منطقة، وقد كانت أربع تقارير إضافة إلى تقرير منطقة الجنوب، أو ما يصطلح عليه بفرع الصحراء الذي سيستحدث كولاية سادسة لاحقا، هذا التقرير الذي كان يفترض أن يقدمه على ملاح المدعو سي الشريف، لكن لتخلفه عن الموعد تم تقديمه من طرف عمر أوعمران، والذي  يتحدث عن 200 جندي و 100 مسبل و 261 قطعة سلاح الخ، و الواقع خلال هذه الفترة كان زيان و الحواس وعمر إدريس يقودون جيشا يربو عن 1200 جندي ، ففي تلك المرحلة استطاع الشيخ  زيان عاشور نظرا لكفاءته من توسيع نطاق العمل الثوري حيث تمكنت طلائع جيش التحرير الوطني من الوصول إلى غرادية ومتليلي وحتى تمنراست واتجهت أفواج بقيادة زيان عاشور غربا حتى وصلت جبال القعدة حدود الولاية الخامسة ونواحي الجلفة وجبال السحاري وقد تمكنت الثورة من تجنيد أعداد هائلة من الشباب المتطوع من حمل السلاح والجهاد في سبيل الله والوطن فقد بلغ عدد جنود زيان عاشور قبل مؤتمر الصومام 1200 جندي.

وبخصوص مؤتمر الصومام نجد أن  المجاهد الرائد عمر صخري في حديثة لمجلة أول نوفمبر  يتوقف عند نقطة مهمة وهي أسباب تحييد قادة المنطقة الصحراوية واختيارهم للعقيد علي ملاح حيث يذكر “أن القادة المجتمعون كانوا يعرفون جيدا أن هناك مناطق شاسعة تتوفر على جيش قوي وقيادة حكيمة تتمثل في الشيخ زيان عاشور غير أنهم لم يأخذوا بهذه المعطيات بعين الاعتبار، ومع احترامنا الكبير للشهيد البطل علي ملاح، غير انه لم يتول حتى تاريخ انعقاد مؤتمر الصومام أية مسؤولية واعتقد انه عين قائدا في الولاية السادسة لضرب زيان عاشور ولكونه متدين ويعرف العربية وله علاقة حسنة مع مناضلي سور الغزلان وعين بوسيف وقد يكون سبب ذلك كونه كان منافسا لبعض الإخوان في القيادة فاختير لهذه المهمة إما أن  يحقق الهدف وينظم الولاية وإما يقضى عليه وترتاح منه النفوس”.

ورغم تعيين العقيد علي ملاح قائدا للولاية السادسة إلا أن هناك عديد الملاحظات بقيت غامضة رغم أن الجهة  كانت موجودة على ارض الواقع من خلال  مسؤوليها المكلفين بقيادة تلك المناطق الجنوبية وخاصة منهم احمد بن عبد الرزاق سي الحواس وزيان عاشور الذين  لم يؤخذ رأيهما في الموضوع، بل أن القرار اتخذ دون استشارة أو دراية حتى قيادة الولاية الأولى التي كان القائدان يعملان تحت إمرتها.

من جانب آخر بقي الموقف ضبابيا حيث أن قيادة الولاية السادسة لم تجري أي اتصال بالقائدين المذكورين “سي الحواس، سي زيان” طوال الفترة التي عاشها علي ملاح على رأس قيادة الولاية والتي امتدت من أوت 1956 الي غاية ان استشهد في اوائل 1957.

 

المنطقة الصحراوية تلتزم بمؤتمر الصومام رغم تغييب قيادتها

 

رغم أن القيادات والمجاهدين الأوائل لم يحضروا “مؤتمر الصومام”، إلا أنهم التزموا بما جاء في مقرراته، فبعد ظهور نتائجه وقراراته تفاعلوا معه واعتبروه انجازا عظيما في مسيرة الثورة، وطبقوا مقرراته دون مناقشة وشرعوا في الحال بالاتصال بلجنة التنسيق والتنفيذ المنبثقة عن المؤتمر للتعرف على قراراته، فقد انطلق “سي الحواس”، للاستعلام حول قرارات مؤتمر الصومام، واجرى  اتصالا بالعربي بن مهيدي عضو لجنة التنسيق والتنفيذ بواسطة نورالدين منامي وذلك بالجزائر العاصمة ، وقد قام بن مهيدي باطلاع “نور الدين مناني” على مقرارات مؤتمر الصومام كما تبادلا المعلومات والآراء التي تهم مسيرة الثورة وخاصة منها ما يتعلق بالجنوب الذي كان بن مهيدي يعرفه ويعرف معظم إطاراته ومناضليه معرفة جيدة، وهذا ما يؤكده المجاهد عمار حشية في حواره مع يومية الشروق حيث قال ” أن سي الحواس كان يرى في تلبية الدعوة لمؤتمر الصومام، مساهمة في وحدة الصف وزيادة في قوة الثورة التي كان قد مرّ على انطلاقتها قرابة 22 شهرا فقط، لم يكن سي الحواس ليغيب عن اجتماع يوحّد وينظم الجهود، وأعتقد أن ما شجع القائد أكثر على الحضور هو أن الشهيد البطل العربي بن مهيدي وهو أصيل بسكرة، كان رئيسا للمؤتمر، إذ بعث نور الدين مناني وهو نائب للعقيد سي الحواس في قيادة الجهة إلى العاصمة حيث التقى بالقائد العربي بن مهيدي، والذي بدوره أرسله للعقيد عميروش قائد الولاية الثالثة والذي شغل منصب مراقب عام لمؤتمر الصومام، حيث أطلعه هذا الأخير على نتائج المؤتمر، والتي كان من بينها فصل الصحراء عن الولاية الأولى التاريخية، واستحداث الولاية السادسة التاريخية والتي تحوي الصحراء الشرقية للبلاد وتعيين العقيد سي الحواس قائدا عليها”. 

وفي أواخر سبتمبر وبعد أن اطلع سي الحواس على وثائق مؤتمر الصومام، عقد اجتماعا بخلوة الناجم بجبل أمساعد مع القائد زيان عاشور، حيث دام اللقاء يومين أطلعه فيها على الوثائق فاتفقا على توحيد النظام حسبما نصت عليه مقررات مؤتمر الصومام، و تم بناء على ذلك توحيد الجيش والقيادة ، ثم عقدا اجتماعا مع المجاهدين و خطب فيهم سي الحواس فأخبر الجنود بمقررات المؤتمر وبالاتفاق الذي تم بينه وبين زيان عاشور وأنه إذا غاب أحدهما سينوب عن الآخر.

بعد استشهاد القائد زيان عاشور في 07 نوفمبر 1956 بوادي خلفون، عقد عمر ادريس اجتماعا في “ثنية القمح” قرب “عين الريش” لقادة الأفواج حيث واجه محاولة تمرد قادها كل من (محمد بلكحل، عبد القادر جغلاف، العربي مزيان القبائلي، عبد القادر لطرش) الذين بذلوا جهدهم في محاولة لمنع اختيار المجاهدين له كقائد خلفا للشهيد زيان عاشور، لكن إرادة الله، و نزاهة المجاهدين المخلصين وقفت حائلا دون محاولاتهم، و تم اختيار عمر إدريس قائدا للجيش رفقة نائبه الطيب فرحات (أحميدة)، ورغم خلافته للقائد زيان عاشور فإنه لم يكن من السهل أن يسيطر على المنطقة.

 

لجنة التنسيق والتنفيذ تتابع وضعية المنطقة ومدى تطبيقها لمقررات مؤتمر الصومام  

 

في تلك الأثناء كانت هناك اتصالات بين سي الحواس وكل من عمر أوعمران و عميروش اللذين كلفا بتبليغ قرارات مؤتمر الصومام إلى الجهات التي لم تحضره، وذلك بالقرب من (موقة) ببلاد القبائل. وهنا يذكر الرائد عمر صخري في شهادته لمجلة أول نوفمبر  انه ” بعد استشهاد زيان عاشور اجتمع إطارات الثورة بالولاية وانتخبوا عمر إدريس لتولي مهام منطقة الصحراء التي عمل على تنظيمها وفق ما تمليه الظروف التي كانت صعبة،  لان بعضهم لم يعترف به كمسؤول على المنطقة، ولدراسة هذه الوضعية شكلت قيادة الثورة المنبثقة عن مؤتمر الصومام لجنة للرقابة وتقصي الحقائق، وفي هذا الإطار استدعي سي الحواس رفقة بعض الإطارات إلى منطقة القبائل لمقابلة أعضاء اللجنة وكنت ضمن مرافقي سي الحواس، فلما وصلنا إلى قرية تدعى “موقة”  بالقبائل الصغرى تقابلنا مع بعض أعضاء اللجنة وهما “عميروش” و”عمر اوعمران” ثم لحق بنا قادة الأوراس ” ابراهيم بوكابوية ، علي مشيش، الحاج لخضر ، الشهيد مكي حيحي”  وأثناء عودتنا إلى الجنوب رافقتنا لجنة من الرقابة كان من ضمن أعضائها احمد قادري، الشهيد أعراب بوجمعة، علي بلحاج، ولما وصلنا الى بوسعادة افترقنا فاتجه أعضاء اللجنة نحو مقر عمر إدريس وسلموا له مقررات مؤتمر الصومام وأطلعوه على نتائج المؤتمر وبناء على هذا طبق سي الحواس مقررات مؤتمر الصومام على أساس انه قائد منطقة أما عمر إدريس فطلب منه التريث ريثما تتخذ لجنة التنسيق والتنفيذ القرار النهائي فيما يخص وضع المنطقة.

يشار إلى أن عمر إدريس كان قد اتصل بلجنة التنسيق والتنفيذ بالجزائر العاصمة بواسطة السيدين محمد الصالح رمضاني وعبد اللطيف سلطاني.

عند عودة سي الحواس للمنطقة اعلم قادة المناطق بمقررات مؤتمر الصومام لكن هذا لم يكن ليعجب الكثيرين، حيث كان سببا في انضمام المنطقة الغربية إلى الولاية الخامسة، فقد وقع الاجتماع بين القائد عمر ادريس وقائد المنطقة الثامنة لطفي وهو ما تم تثبيته فعليا بوجدة المغربية بحضور قائد الولاية الخامسة عبد الحفيظ بوصوف والقائد عمر ادريس ليتم إنشاء منطقة العمليات رقم 09.

 

خيارات الصومام تعيد الولاية السادسة إلى نقطة الصفر 

 

من خلال ما ذكرناه سابقا نرى أن  الولاية السادسة لم تدخل في مواجهة الجيش الفرنسي فحسب بل دخلت في حسابات أخرى من بينها تجاهلها من طرف المؤتمرين بواد الصومام الذي انعقد في 20 أوت 1956 وخلق منطقة من الولاية الرابعة وسماها الولاية السادسة وأعطى قيادتها للرائد علي ملاح وكان قائده العسكري اسمه الروجي ومساعده الشريف بن السعيدي، الذي قام بانقلاب على قائده علي ملاح وقام بتصفيته رفقة مساعده الروجي.

 

هذه الاضطرابات الكبيرة أدت في الأخير بلجنة التنسيق والتنفيذ إلى حل الولاية السادسة في نوفمبر 1957، وضم الأجزاء الشمالية منها إلى الولاية الرابعة، بالإضافة إلى استقرار المصاليين بعد تلقيهم للضربات المتتالية بالولايتين الثالثة والرابعة في نفس السنة، فكانت مستقرا لقيادة “بلونيس”، وأتباعه وحول الأسباب التي جعلت هذه الولاية تعرف هذه المشاكل هي إطالة الإقامة من طرف المسؤولين الذين عينوا من طرف لجنة التنسيق و التنفيذ، بنواحيها الشمالية تاركين المجال للمصاليين لبسط نفوذهم على مساحات كبيرة بالجنوب، ومن المؤكد أيضا أن  الاهتمام الواجب لم يعط للولاية السادسة منذ البداية، وربما يعود ذلك إلى كونه لم تنشأ رسميا إلا بعد الصومام، بالإضافة إلى تركز المعارك في مناطق الولايات الشمالية، بحكم الطبيعة المكشوفة للصحراء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك