بين الدور المفقود والوظيفة المطلوبة

الجامعة الجزائرية

بقلم د .محمد مرواني /أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

من المهم الاعتماد والاستثمار في الباحثين لطرح بدائل للتغيير السياسي المنشود في الجزائر وقد تأخر هذا التوجه على مستوى الممارسة منذ بروز ملامح هذا النظام السياسي الذي لم يستدعي كثيرا في مساراته المختلفة النخب العلمية في مؤسسات الدولة الجزائرية خاصة على مستوى منابر التمثيل السياسي المنتخبة التي يجب الاعتراف أنها أصيبت لسنوات طويلة بحالة من الجمود والركود ولم تنتج كيانا قويا بسبب التناقضات العديدة التي تخص قانون الانتخابات وقد انتج هذا القانون مقاربة غير مفهومة على الإطلاق حول “المنتخب ” الذي يجب أن يكون ممثلا للشعب سواء على المستوى المحلي او الوطني ثم الصلاحيات المتاحة لممثلي الشعب ضمن اطر النظام السياسية الموجودة وانطلاقا من هذا المعطى واقصد حالة الارتباك التي أصابت النظام جراء إفراغ مؤسسات الدولة خاصة من الكيانات القادرة على الإقناع وافتكاك صفة التمثيل لاعتبارات قابلة للقياس فان التوجه الذي ساد بإقحام الأساتذة الجامعيين في الهيئة الوطنية المستقلة لمراقبة الانتخابات رغم أهميته ويجب دعمه على مستويات عدة إلى أنه يفرض في نفس الوقت إعادة الاعتبار للأستاذ الباحث في مؤسسات الدولة وإعطائه مكانته التي يستحق من خلال الاستثمار فيه كمعطى بشري يقوي الدولة ويزيد من كيانها العقلاني الموضوعي الذي لا يسيس ولا ينتج أي خطاب شعبوي في الأداء.

فرض الحراك الشعبي وعلى صعيد الرسائل السياسية الهامة التي بعث بها للنظام السياسي الحاكم معطيات في غاية الأهمية فقد انتج الحراك توجها لدى الرأي العام استدعى سريعا دورا للنخبويين والأكاديميين في حل الأزمة السياسية الراهنة وأصبحنا نرى عبر مواقع التواصل الاجتماعي العديد من الأصوات التي تنادي بضرورة تمكين الأساتذة الجامعيين من التواجد في كل مؤسسات الدولة وتصحيح ما يراه البعض مسارا خاطئا في التسيير العام لشؤون الدولة وهذا المعطى الهام الذي فرضه الحراك الشعبي تجسد أيضا بخروج الطلبة الجامعيين والأساتذة الباحثين في الحراك الشعبي بقوة الأمر الذي يكون أخذ في الحسبان في تقديرات قراءة المشهد الوطني الذي صنعه الحراك الشعبي وقد ولازال كان شبانيا بالدرجة الأولى وقد أضحى من الضروري تبعا لهذا المعطى الهام التفكير في موقع الجامعة الجزائرية في كيان الدولة وما يطلب منها ضمن دفتر أعباء قد يتجاوز أعباء الوظيفة الكلاسكية للأستاذ الجامعي التي تكمن في التدريس الجامعي عن علم وكفاءة ومسار والإنتاج الأكاديمي البحثي الذي يستفيد منه المجتمع والدولة من المفروض وبالتالي فإن أسئلة الراهن التي تطرح الآن ونحن نشهد ميلاد سلطة وطنية مستقلة لمراقبة الانتخابات الرئاسية ترتكز على ما يطلب من الأساتذة الجامعيين اليوم تبعا للظرف الوطني الدقيق الذي تعيشه البلاد وهو معقد سياسيا فهل يمكن للأساتذة الباحثين الآن وبكل موضوعية أن يديروا أعباء خارج الوظيفة الأكاديمية وهي تتصل في الوقت الراهن بإدارة مرحلة سياسية تتيح للدولة تأسيس بناءات جديدة..؟ وهل هناك فعلا إرادة سياسية في إعادة رسم المشهد المؤسساتي للدولة الجزائرية من حيث الوظائف العليا للدولة والشروط التي يجب أن تتوفر لدى إطارات الدولة المسيرة للشأن العام …؟كل هذه الأسئلة التي ترتبط باستدعاء واضح للأكاديميين في الساحة السياسية  لممارسة دور في خضم مناخ محتقن تشير فعلا أن الدولة كانت تعاني من حالة تصحر بسبب غياب الكفاءات القادرة على أن تخاطب الناس من مواقع وظيفية وعلمية قابلة للقياس والحكم على الكفاءة من قبل النظير لا الدخيل  واهم ما يجب أن يعاد فيه النظر بالنسبة للجامعة والأستاذ الجامعي هو مسالة تمكين الأساتذة الباحثين من دسترة كيانهم الرمزي والعلمي عبر تأصيل وترقية مكانة الأستاذ الجامعي على المستوى الاجتماعي والمادي والمهني ثم التعاطي مع الجامعة كمرتكز حقيقي للدولة لبناء الحكامة الراشدة والحفاظ على إيقاع عقلاني موضوعي في تسيير الدولة عبر مختلف المستويات وحين يعاد النظر في هذه المسائل الهامة في الجامعة ولدى الأستاذ الجامعي يمكن في اعتقادي الانطلاق نحو مسار بناء جديد لعلاقة الدولة بالجامعة التي لايمكن أن تتوقف عند اعتبار الجامعة قطاعا كباقي القطاعات التي تتأثر وتؤثر بل يجب الارتكاز على الجامعة كفضاء لغرس قيم يجب أن تتبناها مرجعيات الدولة من قوانين ونظم وممارسات تتيح للعلم والمعرفة التواجد بقوة في هوية القرار كان سياسيا أم اقتصاديا أم اجتماعيا .

من خلال انتسابي للعمل الجامعي والدروس الهامة التي أخذتها من أساتذتي الأفاضل أطال الله أعمارهم اقتنعت في الجامعة بأمر نؤمن به ممارسة وهو أن الأستاذ الجامعي استاذ في الجامعة ومواطن في نفس الوقت ولا يمكن أن يغلف رتبته العلمية الراقية بالعمل الأكاديمي فقط بل أن الأستاذ الباحث الذي يحسن من وضعية مجتمعه بحلول وآفاق ويثري المشهد الوطني بمقترحات وأفكار تجسد في الميدان يكون انفع الناس للمجتمع والدولة وبالتالي يمكن للأستاذ أن يمارس وظيفته في الجامعة وهي التدريس الجامعي ويعطي لها نفسا آخر من خلال الدور المجتمعي الهام الذي يجب ان يتحمله هو الآخر كمواطن وكفرد في المجتمع فالأستاذ الجامعي بقدر ما يطلب منه اقتراح البرامج والأفكار والمقترحات التي تؤصلها البحوث الأكاديمية وهي من سلم أعباء وظيفته يطلب منه أيضا ممارسة دور في المجتمع قد يقود فيه الأخير إلى السياسة وتولي مناصب قيادية في الدولة وهذا وضع أي أكاديمي ممارس للعمل العام وبالتالي فان قناعتي بالنسبة لدور الأستاذ الباحث ووظيفته تكمن في اعتبارهما جزءان من أعباء المسؤولية المجتمعية والأخلاقية التي يتحملها الأستاذ الباحث الذي لايمكن أن يعيش بمعزل عن قضايا وطنه ومجتمعه وبالتالي يطلب منه أن يكون هو البناء الرصين الذي يقوي الدولة وكيانها ويزيل أي اختلالات قد تضعف من حضور الدولة في المخيال الاجتماعي .

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك