بين الثورة والإصلاح..الحراك إلى أين؟

بقلم: احسن خلاص

 

لا تخلو أي فترة من فترات الصراع من ضحايا غير أن أكبر ضحاياها المدافعون عن النقاش الحر والهادئ والمناصرون لحق الاختلاف والمؤمنون بسنن التنوع والتعدد والمتبنون للمعتقد الجديد الذي صاحب نشوء الجمهوريات الحديثة القائم على المواطنة. كما تقوم فترات الصراع، وهي أغلب فترات التاريخ، على أن لا غالب دون مغلوب وأن انتصار أحد أطراف الصراع لا يعني إلا انهزام الطرف الآخر. لذا فإن التاريخ لم يعرف إلا تداولا على الاستبداد فالمنتصر يعتبر انتصاره مكسبا افتكه ليتولى جني ثمراته قبل أن ينتقل إلى تسيير الأزمات التي ينتجها استبداده البديل.

 

نشأ حراك 22 فبراير من رحم نضالات طويلة ضد الاستبداد والمظاهر التي التصقت به من فساد وظلم وتهميش وإقصاء بعدما تكونت لدى جيل كامل أشكال من القطيعة في الفكر والممارسة تجاه الطبقة المهيمنة فتحرك تجاه القضاء على هذه الهيمنة التي كانت قائمة على شرعيات مزيفة وملفقة ومفروضة بقوة فاضطر جزءا من الطبقة المهيمنة لزبر الأجزاء الضارة منها ليتاح لشجرتها التعافي ومواصلة النمو باستعادة مقومات الهيمنة التي كادت أن تعصف بها موجة عارمة اتخذت من النهج السلمي سلاحا ومن التمثيل الوطني سندا ومن التصميم والنفس الطويل محركا.

 

ظل الاختلاف قائما إلى يومنا هذا بين من يعتبر الحراك حركة مطلبية تجاه الطبقة المهيمنة لدفعها إلى إعادة ترتيب بيتها والبحث عن شركاء سياسيين واجتماعيين جدد من المجتمع يحلون محل الشركاء المتهمين بتكريس الاستبداد ومشتقاته وبين من ينظر إليه على أنه حركة تغيير تاريخية شاملة تستهدف مرحلة بأكملها بما تحمله من منظومة هيمنة ثقيلة لاستبدالها بمنظومة هيمنة جديدة ويروق لأصحاب هذا الاتجاه الارتقاء بهذه الحركية من مجرد حراك مطلبي إلى ثورة شعبية قد تمتد طويلا عبر الزمن، إذ أن أصحابها لا يستعجلون الثمرة ولو أنهم لا يفوتون أي فرصة لتقريب لحظة النصر.

 

يمكن إذن ولأغراض منهجية وكما جرت العادة لدى كل حركات التغيير في التاريخ أن نقسم أهل الحراك إلى اتجاهين أحدهما إصلاحي يستمد مبرر وجوده من فساد منظومة الهيمنة القائمة قبل أن يفقد هذا المبرر بمجرد ما يتبين أن هذه المنظومة قد طهرت صفوفها أو غيرت الفواعل الوظيفية المنشطة لها في فترة ما ووسعت دائرة الشركاء لتشمل فواعل جدد واستحدثت أدوارا جديدة توحي بتغير في أساليب خطابها وممارستها، واتجاه آخر ثوري يستهدف المنظومة القائمة بأكملها دون أن يقدم منظومة هيمنة بديلة جاهزة لتحل محل المنظومة المستهدفة. ويقوم هذا الاتجاه على توجيه الرأي العام إلى خطورة استمرار هيمنة المنظومة القائمة على استقرار المجتمع وتطوره وتفتحه ووحدته،  يقوم انتقادها لهذه المنظومة على ضرورة رفضها جملة وتفصيلا ودفعها إلى مائدة التفاوض حول آليات رحيلها وإحلال منظومة غير واضحة المعالم بطريقة توافقية جديدة.

 

حرصت السلطة القائمة على التعامل مع حراك 22 فبراير منذ بدايته انطلاقا من هذه الخارطة المعقدة لأن الاتجاهين لا يمكن اعتبارها كتلتين منسجمتين فداخل كل اتجاه تيارات متباينة اجتماعيا وسياسيا وايديولوجيا فأنصار الاتجاه الإصلاحي المطلبي يحتوي سياسيا أفرادا وجماعات وتشكيلات ظلت لمدة طويلة على حافة المنظومة المهيمنة فكان الحراك بالنسبة لها فرصة تاريخية لاستعادة المركز بدعوى الإصلاح وهي الأطراف التي لا يتعدى رفضها عهدا أو فترة من فترات الهيمنة التي لم تكن لها فيها مسؤولية مركزية كما يحتوي وافدين جددا وهم في العادة شباب انخرطوا حديثا في المنظومة القائمة دون أن يتاح لهم الاقتراب من مراكز النفوذ بسبب سيطرة القائمين عليها. هؤلاء الشباب لا يملكون إلا البحث لهم عن مكان راقي في المنظومة المتجددة لأن خروجهم منها كخروج السمكة من البحر. وقد يلجأ هؤلاء الشباب إلى تبرير موقعهم بمسوغات أيديولوجية بأن تقدم المنظومة التي انخرطوا فيها على أنها صمام أمان يحمي ثوابت المجتمع وقيمه أمام الخطر الداهم مما يحاك من مؤامرات يحملها الاتجاه الثوري.  ويحتوي الاتجاه الإصلاحي كذلك تشكيلات جديدة تريد تحديث الحياة السياسية دون أن تجد لها موضع قدم في المعارضة.

 

كما يحتوي الاتجاه الثوري مشارب مختلفة تضم الرافضين للمسار الذي انتهجته السلطة وعلى رأسها قيادة الجيش للخروج من الأزمة التي أحدثها الحراك دون أن يسود داخل هذا الاتجاه اتفاق على خارطة طريق واحدة لحل بديل، فضلا عن الاختلافات الأيديولوجية العميقة بين توجهات ثلاث على الأقل، اتجاه “اسلامي” ينطلق بالأزمة من لحظة إيقاف المسار الانتخابي لعام 1992 واتجاه “يساري علماني” ينطلق بها من أزمة صيف عام 1962 ويطالب بعودة مسار تأسيسي غيبه بن بله عام 1963واتجاه ثالث لا ينطلق من مقاربة سياسية بل يؤاخذ على المنظومة المهيمنة انتهاكها لحقوق الإنسان والحريات وجميع أشكال الفساد في أسلوب حكامتها.

 

لم تتمكن انتخابات الرئاسة التي جرت في آخر السنة الماضية من أن تحدث فرزا واضحا بين هذين الاتجاهين الثقيلين وإن رجحت ميزان القوة في اتجاه الحركة المطلبية الإصلاحية التي تواصل تثبيت أركانها بالرغم من الصعوبات التي تعترضها جراء أزمات لم تكن منتظرة مثل وباء كورونا وانهيار أسعار النفط وما انجر عنهما من تبعات. ويرى أصحاب هذه النظرة إلى كل عملهم من تعديل الدستور والتحضير لانتخابات تشريعية ومحلية وتعديل للمنظومة القانونية بأنه استجابة لمطالب الحراك الشعبي بينما كان قائد أركان الجيش الراحل قايد صالح يرى أن كل مطالب الحراك قد لبيت في عهده. كما يعتقدون أن عهد الشارع قد ولى وأن المعركة المقبلة هي معركة مؤسسات تكون كفيلة بضمان فعالية أكبر في تجسيد المطالب.

 

وفي الضفة الأخرى ينظر أصحاب الاتجاه الثوري إلى أن الشارع هو أفضل مكان لإحداث ميزان قوة تجاه التغيير الراديكالي المنشود فلا بد من العودة إليه بعد الهدنة التي فرضها وباء كورونا ومكن بها المنظومة القائمة من أن تربح جولات أخرى على حلبة الصراع. غير أن الطبعة الجديدة لحراك الشارع صارت تبعث على القلق بالنظر إلى أن النقاش بشأن عناوينها وتوقيتها لم يحسم بين أهل الحراك فضلا عن أن السياق الذي تأتي فيه يتخلله ظهور مطالب اجتماعية لم تكن مطروحة في الطبعة الأولى كما تتخلله جملة من الاعتقالات طالت ناشطين ومدونين قد تلقي بظلالها على المشهد الجديد.

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك