بين الثالث المرفوع والثلاثة المرفوعة

 

الثالث المرفوع: مبدأ فلسفي معناه وجود خيارين لا ثالث لهما..ويقابله في المنطق الرياضي الفصل المانع، وهو فصل لا يكون صحيحا إذا كانت القضيتان صحيحتين معا.مثاله؛ قول الخليفة عمر بن عبد العزيز لأمير العراق:إما اعتدلت، و إما اعتزلت.فهما خياران لا ثالث لهما.

بالنسبة للسلطة الآن هناك خياران وهناك ثالث مرفوع! فأما الخياران فهما: التصويت بنعم، أو التصويت بلا.وأما الثالث المرفوع فهو عدم التصويت، أي عدم المشاركة، أي المقاطعة.وقد عبر عن هذا غيرما واحد من ممثلي السلطة… حتى ممثلي الهيئات التي يفترض فيها حرصها على ضمان نزاهة الفعل الانتخابي وضمان حيادية وسيادية مؤسسات الدولة!!!

كما وقد تخندق مع السلطة في توجهها هذا فريقان من الطبقة السياسية:الأول: فريق دعاة التصويت بنعم؛وهو فريق يبدو ضعيفا ومنحصرا، ووقوفه مع السلطة يسيء إليهما معا أكثر مما يخدمهما، على اعتبار أن هذا الفريق مغضوب عليه ومثار عليه من طرف الحراك الشعبي.

وإذا كان هذا الفريق يدرك خسارته الشعبية الكبيرة، فإنه يسعى بموقفه هذا إلى استعطاف السلطة وكسب رضاها استعدادا لمحاصصة يأملها وينتظرها…والسلطة تدرك ذلك، وتدرك أن التفافه حولها لا يخدم مسعاها في كسب الشرعية الشعبية…لذلك ترى أن من صالحها، إن لم تستطع استبعاده (وهي لا تستطيع)، أن لا تستبقيه وحده؛ فهي تبحث لها عن ظهير آخر، يكون نظيفا نسبيا ومقبولا شعبيا نوعا ما…ظهير مهمته رفع نسبة المشاركة ولو حتى بلا أو بالملغاة!

والثاني: فريق دعاة التصويت بلا:وهو فريق من مجموعتين غير متجانستين من حيث المنطلق؛ المجموعة الأولى: يشكلها أناس يرفضون الدستور رفضا قاطعا ويرون أن التصويت بلا قادر على إسقاطه!والمجموعة الثانية: يرفضون الدستور رفضا قاطعا ويرون أن التصويت بلا لن يوقفه أو يسقطه، ولكنهم يفضلونه على المقاطعة التي يرون أنها تفوت عليهم بعض ما يسمونه بالمكاسب؛ كالتموقع في الساحة السياسية، أو حتى المشاركة في الخارطة السياسية التي سيعاد تشكيلها بعد الاستفتاء من طرف السلطة على أساس الولاء أو القرب أو المداهنة، قياسا على ما هو مألوف من ممارسات!إن المجموعة الأولى تمني نفسها بما ليس مستساغا واقعيا، إذ لم يتغير شيء ينبئ بأننا وصلنا إلى مستوى احترام الأصوات المعبر عنها!فهو تمن قائم على فرضية حدوث تغيير إيجابي في التعامل مع الانتخابات والاستفتاءات..وهي فرضية بَيِّن وهنها!

والمجموعة الثانية هي على عكس الأولى؛ مسلِّمة بأنه لم يحدث أي تغيير على الإطلاق، وأن السلطة هي السلطة، وستعيد تشكيل الخارطة السياسية كما في السابق بالأساليب ذاتها…ومن ثمة عليها أن تستنقذ موقعها وكيانها، من خلال تحقيق ما تأمله السلطة من الاستفتاء وهو نسبة مشاركة مقبولة!وهذا تسليم يشترك مع الفرضية السابقة في وهنها البين؛فهو يتجاهل تأثيرات سنة كاملة من الحراك الشعبي السلمي، الذي حتى وإن لم يحقق أهدافه الكبرى في التغيير الشامل، إلا أنه فرض واقعا سياسيا غير الواقع الذي كان من قبل، ولا زال يفرض على السلطة أداءات مختلفة عن أداءاتها السابقة، وهي (أي السلطة) تصارع من أجل التكيف مع ضغوطاته وإيجاد منافذ آمنة لها حتى ولو بأن تضحي ببعض رموزها وأركانها فضلا عن شركائها الذين لم تعتبرهم يوما شركاء، بل هم بالنسبة لها مجرد “عْبَارات” (معايير الميزان) تحقق بها التوازنات التي تراها ضرورية في كل مرحلة!

 

 

 

الثلاثة المرفوعة

 

 

 

على الطرف المقابل تماما للسلطة، ومناقض لموقفها “الثالث المرفوع”،يقف طرف مختلف يبدو الأكثر استقطابا للشعب لأسباب عديدة منها؛ أنه ليس مؤطرا من الأحزاب السياسية سواء الموالية أو المعارضة، وهذا له تأثيره البعيد في ظل النفور الكبير والحساسية المفرطة تجاه كل ما هو حزبي ومحزب…وأن الوضع السائد من فقدان الثقة والأمل في السلطة وفي الطبقة السياسية، وفي كل ما ينبثق عنهما من إجراءات ومواقف وخيارات… يصب في إناء هذا الطرف على اختلاف الدوافع والدواعي، سواء كانت يأسا وإحباطا أو استقالة من الحياة السياسية أو موقفا مبنيا على قناعة بأسلوب الضغط والقطيعة…هذا الطرف، يرفض كل الخيارات التي تحبذها السلطة!وهي في نظره ثلاثة كلها مرفوعة: 1-التصويت بنعم/ 2-التصويت بلا محاولة لإسقاط الدستور/ 3-التصويت بلا بحثا عن التموقع. وسيمثل هذا الطرف معاناة للسلطة، وعائقا لا تستطيع إزالته أو القضاء عليه، فهي مقتنعة باستحالة ذلك، وإنما ستحاول التقليص منه وتحييد الجزء الذي استطاعت إليه سبيلا، موظفة في ذلك آلياتها التقليدية المعروفة، التي أثبتت الأيام أنها لا تمتلك سواها، إذ إنها لم تتجدد لا على مستوى العقليات والأفكار، ولا على مستوى الآليات والوسائل!ستوظف السلطة لغرضها ذاك آلة الإعلام التي تملك مفاتيحها ومغاليقها وعلى رأسها النشر والإشهار!وستوظف سياسة العصا والجزرة، والتي تملك زمامها تماما، وما زمامها إلا ما تسميه النخبة ربحا أو خسارة لمناصب ومكاسب!وستوظف سياسة الأكل والمؤاكلة والاستئكال، التي تملك مادتها وموضوعها، من كل ما يشهي ويغري!وبالطبع؛ سيعينها في تحييد وتقليص هذا الطرف حلفاؤها من أصحاب الثالث المرفوع!

 

 

الأمل والعمل

 

 

ربما قد استوى في نظر الأغلبية أن إقرار الدستور بات أمرا وقعا!بل لعل هذا هو الأمر الوحيد الذي يشكل إجماعا شبه كامل بين جميع الأطراف؛ السلطة ودعاة التصويت بنعم ودعاة التصويت بلا ودعاة المقاطعة!ربما يستثنى منهم فقط تلك الفئة التي ما زالت تعتقد بحق أن بإمكانها إسقاط الدستور عبر التصويت بلا.وما دام الأمر كذلك، وأن استفتاء الفاتح من نوفمبر سيتمخض لا محالة عن إقرار الدستور الجديد؛

بات على الأطراف الساعية للتغيير أن تفكر أكثر فيما بعد الفاتح من نوفمبر…وهنا علينا أن نقر أن هناك طرفين عليهما أن يتوحدا ويشكلا جبهة واحدة قوية؛على دعاة المقاطعة والمشاركة بلا، أن لا يخسروا بعضهم بعضا؛فهم متفقون في الغاية، مختلفون في الطريقة،وعليهم أن يستعدوا متوحدين وحدة شعورية على الأقل، إذ الوحدة التنظيمية تبدو مستحيلة… أن يستعدوا لما بعد 01 نوفمبر، أملا وعملا…وأن لا يبقوا رهائن خطاب التخوين والتزويف والاتهام…!من صالح الجميع أن يكونوا قوة واحدة، من خلال نبذ اختلافاتهم الفرعية والاحتفاظ بالغايات والأهداف التي هي واحدة…وعلى كل طرف أن يتمسك بخطاب التجميع والتوحيد، ويترفع عن خطاب التشتيت ونشر الفرقة والاختلاف والكراهية…بدون ذلك “سنبقى في دائرة التكرار ندور، والعالم من حولنا يمور”!وسيكون لنا دستور بعد دستور!وسنظل ننتج برلمانا ينسي برداءته برلمانا!وسيظل جاثما على صدورنا نظام يردي ببغيه كل آمالنا وطموحاتنا!

 

بقلم الأكاديمي والناشط الإعلامي :عبد القادر بودرامة

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك