بين التفسيرات الدينية والعلمية والسياسية

سيناريو كورونا

بقلم: صالح عوض

من الإيجابيات لأي حدث تاريخي كما هي الكورونا اليوم أن يتجه العقل الإنساني لتدبر الأسباب العميقة لحدوثه واستنتاج العبرة من ذلك وتعديل المسار حسب المصلحة العامة.. إن ما نواجهه هذه الأيام يكشف إلى أي مدى حصل الانشطار بين مكونات الوعي الإنساني حيث ذهب البعض إلى التفسير الغيبي الديني، فيما انهمك آخرون في تفسير علمي لحركة الكورونا ونشاط الفيروس وطبيعته، واتجه طرف آخر للحديث عن المؤامرة واستغلال الحدث للنهب وتسويق الأدوية.. من المهم هنا الإشارة إلى ترافق فصل الدين عن السياسة في الغرب بفصل الدين عن العلم،  وكيف جاءت النهضة العلمية الغربية نتيجة موضوعية لذلك.. وعندما توحش العلم وفجر الذرة واخترق الفضاء وطور الأسلحة بأنواعها للفتك بالبشر، و أفسد القمح والحبوب بتهجينها وأصبح مطية للمستغلين الرأسماليين وتدخل في أدق خصوصيات الإنسان والحيوان والحياة لإحداث التغييرات في خصوصياتها اهتز الضمير الإنساني لأنه اكتشف أن العلم بلا ضوابط كما السياسة بلا أخلاق تستبيح كل المحرمات وتدمر الحياة الإنسانية في أدق خصوصياتها.. إنها جدلية العصر الحديث في الصراع بين الدين والسياسة والعلم.. في هذا الحيز المتاح نناقش كل نوع من التفسيرات ونتلمس الطريق إلى منهج أكثر رشدا.

التفسير الديني:

انتشر التفسير الديني في بلاد العرب والمسلمين لوباء الكورونا بل وامتد هذا التفسير إلى دول غربية ويجد هذا التفسير في لحظات الضعف الإنساني مسوغا للسيطرة على المشاعر والوعي.. وتدور هذه التفسيرات الدينية على محور العقوبة بعلى الذنب، وأن الغضب الإلهي يلحق بالناس عندما يعصونه ويرتبكون المحرمات.. إلا أن هذا التفسير لا يصمد كثيرا لأنه ادعاء بعلم الغيب كما أنه تفسير سطحي للذنوب والخطايا التي توجب الغضب الإلهي، فمن قدم هذا التفسير لم ير الجريمة المنظمة التي يمارسها كبار المجرمين وأعوانهم في نشر المفاسد الاقتصادية والسياسية والأمنية على مستوى العالم واقتصر بالنظر إلى المفاسد الفردية على اعتبار أنها المستدعي للبلاء فساق الآيات والأحاديث لتعزيز رأيه.. ومن الضروري الانتباه في هذا السياق أننا نؤمن برؤية الدين في مواجهة التحديات وتفسيرها وكيفية مواجهتها ولكننا نراها ضمن رؤية الدين الكلية للبشرية والحياة.. وللأسف انساق بعض المثقفين المتدينين إلى ربط الوباء بدول معينة بسبب ما اقترفته من مظالم في حق الأمة ولكن قصر اطلاعهم جعلهم عرضة لتفنيد معيارهم فيما نرى خلو دول كبيرة من حدة الوباء كالهند وهي تمارس مظالم ومفاسد في حق المسلمين بلغت حد التطهير العرقي للمسلمين من بعض المناطق.

ولحسن الحظ لا يصمد هذا التفسير أمام ما حصل في ساحة المؤمنين من وباء الطاعون في “عمواس” بفلسطين أيام أبو عبيدة بن الجراح، وفي زلزلة المدينة المنورة أيام عمر بن الخطاب رضي الله عنهما وهما على ما كانا عليه من صلاح ورشاد.. لقد استغل المجرمون هذا المنطق على مدار التاريخ ضد المساكين من بني الإنسان فلعلنا نتذكر رسائل هولاكو إلى المسلمين عندما اجتاح بلدانهم وأوغل فيهم قتلا وإبادة، بأن الله سلطه عليهم عقابا لهم لأنهم تخلوا عن دينهم الحق، كما ذهب بعض المفسرين في لحظات الانكسار في مواجهة الاستعمار الأجنبي لبلادنا إلى تقديم الواقع على أنه قدر ينبغي عدم مواجهته.. وكأنهم ناطقون رسميون باسم القدر أو كأن الله سبحانه أوحى لهم.

إنها لضرورة بالغة تكمن في إعادة الرشد للعقل المتدين وبدون ذلك يصبح “الدين” معطلا حقيقيا ليس عن الفهم فقط بل وعن المواجهة الحقيقية ضد الأخطار التي يتعرض لها الإنسان.

التفسير العلمي:

من المفيد الضروري ان تتحرك المختبرات على مستوى العالم لفحص الفيروس ووضع كل الاحتمالات لمواجهته لا يعطلها أي تفسير آخر عن القيام بمهمتها الإنسانية المسئولة.. ومن المهم أيضا نشر الثقافة العلمية حول نشاط الفيروس وحركته وكيفية عمله والوقاية منه.. وهذه مهمة مناطة بالباحثين العلميين و أهل الاختصاص العلمي.. وفي هذه الدائرة ينبغي الاستفادة بشكل واسع من التجربة الإنسانية القديمة والمعاصرة في مواجهة التحدي والاستفادة من تجربة الصين وسواها.

ولكن عندما يتحول العلم إلى أيديولوجيا نقع في الخطأ من جهة أخرى.. فليس من المطلوب أن يتحول العلماء والمختبرات إلى رفض التحليلات السياسية او التفسيرات الدينية وكأن الأمر محايد تماما والتطور الحاصل على الفيروس هو الذي أوصلنا إلى هذا الوباء بمعزل عن التخطيط الإجرامي ومفاسد المجرمين والسياسة العليا وصناعها.. إنه يكون قد تجاوز موقعه العملي إلى موقع آخر يخدم فيه السياسي الخبيث و يغطي على أهداف الاقتصادي الجشع….

لا يمكن إغفال واقع خضوع العلم والعلماء في مراحل عديدة من التاريخ البشري لاسيما الحديث منه للتوجيهات بتطوير أدوات القتل والفتك بالبشرية، فالقنابل الذرية والبيولوجية والفسفور الأبيض والصواريخ وكل أنواع التطور إنما هي إنتاج علمي يديرها علماء فيزياء او بيولوجيا وهذا يعبر عن كارثة استخدام العلم ضد الحياة الإنسانية ويظهر كم هي خطيرة جريمة انفلات العلم من القيم الأخلاقية لأنه حينذاك يصبح وحشا فتاكا بل هو الأخطر الذي يهدد البشرية ويحرمها من الاستقرار والسعي في إعمار الأرض بالعدل والرحمة.

هنا نكتشف مجددا الوجه الآخر من فكرة فصل العلم عن الدين فالعملية محفوفة بالمخاطر فهم ان كانوا قد حرروه من سيطرة الخرافة وهو أمر محمود فإنما لجلبه إلى ساحة عصابات المال المتحكمة في اقتصاد العالم وجعله أداة تكسّبهم المجنون.. وهكذا نكتشف أن لا حيز للفراغ في دائرة توجيه السلوك البشري والوجدان البشري فإما بقوة الخير أو بالقوة سلبية.

ان ما يحصل الآن يدعو بلا تأخر إلى تحرير العلم من يد المجرمين، و حمايته بضوابط ومنظومات قيمية وقوانين تجعله دوما في صالح الإنسانية، وهذا في حد ذاته رسالة كبيرة يتحملها المفكرون والإعلاميون وعلماء الدين والقانونيين ورجال البحث العلمي.. وهي رسالة لا تقتصر على أمة دون أخرى، ولا أهل دين دون سواهم.. إنها رسالة إنسانية لمصلحة البشرية جمعاء.

التفسير السياسي:

في ممارسة بهلوانية تسارعت كثير من الجهات السياسية لتفسير أسباب الوباء بإلقاء التهم على أطراف مضادة واستغلت أجهزة الإعلام الموجهة في ذلك دونما اكتراث لما يحصل في المستشفيات وارتفاع انتشار الوباء الذي طال الكرة الأرضية.

فقد قدم الأمريكان روايتهم واسموا الفيروس بالفيروس الصيني كما قدم الصينيون و الإيرانيون تفسيرهم بأنها مؤامرة أمريكية على اقتصاد الصين ومحور المقاومة.. وبين التضارب بالاتهامات تم صرف الناس عن النظر فيما يمكن أن ينتج على صعيد الخرائط السياسية والاقتصاد العالمي وانهيار دول وشطب أخرى عن الخريطة السياسية وتفرد قوى أخرى.

ان الوباء قد حل وهو يجتاح بعنف مناطق عديدة من العالم وقد أسقط آلاف البشر ضحايا وهناك مخاوف من نتائج أكثر فظاعة، ومن الواضح تماما أن أصحاب القضايا في العالم قد جمدوا نشاطهم وحراكهم أو على الأقل أجلوه بعد أن أصبح لا يحظى بالأهمية القصوى.. ولعل هذا أحد نتائج وباء كورونا.

المهم في هذا الإطار الانتباه إلى ما يمكن أن يحدث في العالم بعد وباء كورونا فلقد سبق الحديث في محافل دولية للخاصة من المنظمات السرية المتحكمة بمفاتيح الثروة في العالم عن ضرورة التخفيف من الكتلة البشرية وترتيبات واسعة للخريطة العالمية.. ولقد سبق ان تم الحديث عن   عملة واحدة وحكومة عالمية عابرة للقوميات والوطنيات والديانات.. لم يكن حديثا عابرا بل جعلت له مراكز التحليل والبحث والتوجيه، وسخرت له وسائل إعلام وهوليود وأجهزة أمن، وتم التمهيد له بحروب هنا وهناك أرهقت البشرية، وأرغمت العديد من دول العالم على إهدارأموال طائلة في العبث..

سيناريوهات كورونا:

تشير أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي إلى أن الناتج المحلي للصين بلغ 13.6 تريليون دولار في عام 2018 بما يمثل نسبة 15.8% من الناتج المحلي العالمي، كما أن حصة الصين من الصادرات السلعية في نفس العام بلغت 2.4 تريليون دولار بما يمثل نسبة 12.2% من إجمالي الصادرات السلعية للعالم.. وهذا يؤكد أهمية الاقتصاد الصيني بالنسبة للعالم وكيف تداعت الأسواق العالمية لما يتعرض له الاقتصاد الصيني.. فالبورصات في الغرب وفي آسيا والوطن العربي شهدت تراجعات كبيرة، وانخفض سعر برميل النفط لما دون سقف الـ30 دولارا.

ففي الصين ثمة تقديرات أولية عن تأثير الأزمة تؤكد على تضرر أكبر شركة ائتمان صينية “آي سي بي سي” بانخفاض أسهمها بنحو 11%، وانخفاض قيمة أسهم بنك التعمير الصيني 7.6%.. وستكون الفترة التي يستغرقها القضاء على كورونا محددة لحجم الخسائر فمن المتوقع تراجع معدلات الإنتاج في الدخل، وإصابة الصادرات والواردات بالشلل، وهو ما يعني أن العملة الصينية ستفقد جزءا كبيرا من قيمتها حيث ستضطر لبيع جزء كبير من أرصدتها من سندات الخزانة الأميركية.. سيكون الثمن باهظا، وهو ما سيؤخر الصين عن تحقيق أهدافها  كقوة يكون  لها دور في تغيير خريطة القوى العالمية الكبرى وموازينها.

وعلى صعيد أوربا توقع مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد)، أن خسارة الناتج المحلي الإجمالي العالمي قد يصل الى 2 تريليون دولار. أما بالنسبة إلى أوروبا ومنطقة اليورو فتوقع النطاق الرسمي باسم المؤتمر إن “الاقتصاد الأوروبي في وضع سيئ بالفعل منذ نهاية عام 2019″، وأضاف “من المؤكد أن تدخل أوروبا في ركود في الأشهر المقبلة، فالاقتصاد الألماني هش بالفعل، أما اقتصاد إيطاليا ودول الهامش الأوروبي فيعاني ضغوطاً جدية نتيجة التطورات الأخيرة”..

ان اقتصاد دول اليورو والدول النامية هي الأكثر عرضة للخسائر بسبب كورونا فالأزمة الحالية أزمة توقف عمل وإنتاج، وبالتالي زيادة معدلات بطالة، بل وشبه توقف لقطاعات بالكامل.. وبسبب الإنفاق الضخم لمواجهة كورونا، ونضرب مثالا بما يحصل في فرنسا حيث تنص الخطة الحكومية على إنشاء “صندوق تضامن” مقداره بليون يورو شهريا لتعويض  المؤسسات الحرفية الصغيرة التي توقفت عن العمل، وتبدو الكلفة الأكثر ارتفاعاً هي كلفة إعفاء المؤسسات من الضريبة وتُقدّر بنحو 32 بليون دولار لشهر مارس، وهي عرضة للارتفاع وهذا من شأنه ان يلقي بظلاله على وحدة أوربا حيث بدأ العجز في التواصل بينها، كما أنه ترك إيطاليا تواجه مصيرها وحيدة كما صرح المسئولون الطليان.

وعلى مستوى منظمة “أوبك” فقد خسرت أكثر من 450 مِليار دولار حتى الآن بسبب الحرب النفطيّة التي اشتعلت بين السعودية وروسيا والخسارة تطال الجزائر وليبيا إلى جانب السعوديّة والكويت والإمارات.. وفي الدول الخليجية سجّلت أسواق المال خسائر كبرى وتصدرت السعودية ذلك بتراجع سهم شركة ارامكو إلى مستوى قياسي، بعد انهيار سعر النفط في خضم “حرب أسعار” بدأتها المملكة وروسيا.. وخسرت أرامكو، أكثر من 320 مليار دولار من قيمتها عقب انهيار أسعار النفط، الأمر نفسه يمكن رصده في دول الخليج مما يشكل ضربة موجعة لاقتصاداتها التي تعتمد على الخام كمصدر رئيسي لإيراداتها.

ردنا على الوباء:

لقد فشلت القاعدة الفلسفية للحضارة الغربية، وقد وضعت البشرية على كف الموت، فكيف نقوم بمهمتنا الإنسانية؟ علميا نريد جامعات ومراكز بحث علمي وأن يرصد لذلك موازنات معتبرة، وسياسيا نريد تكاملا عربيا لإيجاد اقتصاد قوي خارج دائرة الثروات الطبيعية، ودينيا نريد خطابا متفتحا على آيات الله في الخلق والتدافع.. فبذلك نحمل الشعلة رحمة للعالمين لأن القضية قضية الإنسانية جمعاء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك