بين استبداد الدولة وطغيان كورونا

جدل حول القيود المفروضة

بقلم: احسن خلاص   

لم يبق ما تكتشفه الشعوب اليوم حول فيروس كورونا المستبد بعدما غزا البلدان ونافس أعتى الديكتاتورات في فرض جميع أشكال القيود على المواطنين بل ساوى في القيد بين جميع الأمم وتحالف مع المستبدين بأن أعطاهم الشرعية لتشديد القبضة على مواطنيهم بدعوى مسؤولية الدولة على أمن وسلامة المواطنين التي تأتي قبل أي مبدأ يتعلق باحترام الحقوق والحريات الفردية والاجتماعية.

 

وبعيدا عن هذه النظرة الفلسفية، فإن مدى تحمل الدولة لمسؤولياتها في ردع زحف الفيروس ووضع حد لاستبداده يظهر في النتائج والإحصاءات التي تقدم يوميا بشأن تطور انتشاره وعدد ضحاياه وليس في ما إذا وفت بطابعها الديمقراطي الساهر على الحريات الفردية والجماعية، فاستبداد كورونا على الأفراد والجماعات لا يمكن أن يقابله إلا استبداد الدولة المستنير في خدمة مصلحة الجميع. والمفارقة هنا تكمن في أن الشعوب التي ظلت تطالب من الحكام بمزيد من الحريات الفردية والجماعية صارت هي التي تطالب اليوم نخبها أو الجزء الواعي منها بالخطر، وهو في تزايد مع تزايد ضحايا الفيروس، بفرض تدابير أكثر صرامة تحد من هذه الحريات وتقلصها إلى درجة لا تختلف فيها بريطانيا كثيرا عن كوريا الشمالية في مجال صون الحريات.

 

لقد فرض كورونا المستبد قواعد اللعبة الجديدة وتجاوز النقاشات المثالية التي كانت تدور في أروقة منظمات حقوق الإنسان وجعل الحق في الحياة يطغى جميع الحقوق واستدرج الشعوب إلى الاقتناع بضرورة التنازل عن جميع الحقوق الأخرى لضمان الحق في الحياة وفي الوقت ذاته أبرز هذا المستبد الذي لا يرى بالعين المجردة دور الدولة في حماية أمن وسلامة مواطنيها كدور محوري وجوهري متفوق على جميع الأدوار الأخرى إذ صار الانشغال الأساسي للسلطات توفير الشروط المادية واللوجستية لضمان سلامة الفارين من المستبد الجديد وإلزامهم، تحت طائلة الردع والعقوبة، بالامتثال لقواعد الوقاية والحماية ضده عندما قرر تقليص القيود على بعض الحريات العامة.

 

وهاهي الدولة في الجزائر تضع في موضع التجربة تدابير جديدة بدل العودة إلى التدابير التي تخلت عنها منذ أكثر من شهر بالرغم من أنها حققت نتائج هامة في تقليص الإصابات وتخفيض الوفيات ورفع نسبة العلاج. وبالرغم من النتائج التي حققتها تدابير الحجر الصحي وغلق المحلات فقد رأت السلطات أن ضرها أكبر من نفعها فقد كان لها تأثير على الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية للمواطنين وصارت تتجه باستمرارها لمدة أطول إلى التأثير على استقرار المجتمع والدولة التي وجدت نفسها بين خيارين أحلاهم مر، إما الحفاظ على الحد الأدنى من ضحايا الفيروس مع التوجه إلى توسيع دائرة الهشاشة الاجتماعية أو التراخي في صرامة وقسوة التدابير الوقائية التي أدت إلى ارتفاع غير مسبوق في عدد الإصابات. ولأن الدولة مسؤولة عن الخيارين معا فقد جرى البحث عن منطقة وسطى بين الجنة والنار.

 

وتتولى عملية البحث عن الحلول السلطتان الأمنية والصحية اللتان تزودان صاحب القرار بالمعطيات المتوفرة للسيطرة على الوضع وقد اهتدى صاحب القرار هذه المرة إلى منع التنقل من وإلى الولايات التي مسها الحجر وما بينها، وكما أسلفنا، فإن حالة الطوارئ غير المعلنة التي تنطلق من محاربة استبداد كورونا باستبداد السلطة اضطرته إلى الذهاب إلى حد مخالفة مادة من الدستور لتكريس مادة أخرى أسبق منها إذ يعتبر منع تنقل المواطنين عبر التراب الوطني تعطيلا للمادة 55 من الدستور التي تنص على أنه “يحِقّ لكلّ مواطن يتمتّع بحقوقه المدنيّة والسّياسيّة، أن يختار بحرّيّة موطن إقامته، وأن يتنقّل عبر التّراب الوطنيّ”. وهو حق ارتأت سلطة الدولة تعطيله من أجل تكريس واجب عليها نصت عليه المادة 26 من الدستور ذاته وهو أن “الدّولة مسؤولة عن أمن الأشخاص والممتلكات”. وهنا يظهر أن واجب الدولة تجاه المواطنين يعلو على حقهم عليها في الحالات العادية.

لقد أظهر ما يقرب من خمسة أشهر من التعايش مع الاستبداد الكوروني للمجتمع جملة من الخيارات والأولويات بين الدفاع عن الحريات والحقوق العامة والاجتماعية وبين الرضى التام بصرامة القانون على حساب هذه الحقوق والحريات غير أن حصاد الفيروس في الأيام الأخيرة جعل الجزء الواعي من المجتمع يبحث عن ما هو أكثر حزما واستبدادا لمواجهة استبداد هذا المحتل اللعين إذ بالرغم من الإكراهات المفروضة على سلوكات المواطنين وتنقلاتهم وتجمعاتهم وأفراحهم إلا أن ذلك أفضل من زحف هذا الغازي نحو الفتك بعدد أكبر من الناس.

 

وثمة من لم يع صعوبة هذه المعادلة واستخف بخطورة الجائحة، وقد يمثلون السواد الأعظم الذين لم ينفع معهم وعظ ولا ردع، بل ارتفعت أصوات منهم تستهين بالخطر إلى الحد الذي وصفته بالأسطورة التي اخترعها الحكام للسيطرة على الشعوب ووجدت فيها السلطة في الجزائر ذريعة لإيقاف التجمعات السياسية، وقد أغلقت المساجد، بزعمهم، لكي لا تنطلق منها المسيرات يوم الجمعة، وقمعت الحريات العامة، وها هم هؤلاء القوم يسارعون إلى اقتناء أضاحي العيد بالرغم من تحذيرات أعضاء من الهيئة الوطنية لمتابعة تطور انتشار الفيروس في ظل تأخر فتوى السلطات الدينية حول ضرورة تعليق شعيرة التضحية هذا العام كونها تستدعي التجمعات العائلية، فاحذروا وباء لا يفتكن بالذين ظلموا منكم خاصة.

 

 

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك