بين أسلمة فرنسا وفرنسة الإسلام

ماكرون يريد تأميم الأديان

بقلم احسن خلاص

يلاحظ على الرئيس الفرنسي نزوع في المدة الأخيرة إلى لفت انتباه الرأي العام الفرنسي والدولي حوله من خلال إيقاظ قضايا قديمة وضعها في الأدراج الانتشار الرهيب لفيروس كورونا والفوبيا التي خلفها على الدول والمجتمعات فتخلت عن الخوض فيها إلى حين فبعد أن حاول دون جدوى إمساك القرن اللبناني بيديه واقترب من فتح ملف الذاكرة الشائك مع الجزائر ها هو يختار هذه المرة حقلا معطاء يغذي به الجدل ويلفت به الأنظار وهو مجال العلاقة بين الإسلام وفرنسا.

لم يمر حديثه عن موضوع الإسلام الفرنسي هذه المرة دون أن يثير الجدل داخل فرنسا وخارجها إذ وهو يتحدث في شأن فرنسي بحت لم تكن السهام التي أطلقها لتصيب من حوله من المتابعين فقط دون أن تعبر القارات وتحدث صدى لدى المؤسسات الدينية الهامة في العالم الإسلامي مثل الأزهر والاتحاد العالمي للعلماء المسلمين.

غير أن ما قام به ماكرون لم يكن إلا تعبيرا عن هواجس ظلت تنتاب المجتمع الفرنسي خاصة والمجتمعات الأوروبية بشكل عام أمام طبيعة انتشار الإسلام في الغرب ووتيرته حيث لا يقف عند حد ظاهرة التثاقف الطبيعي الذي تعرفه المجتمعات كما لا يدخل ضمن مبدأ حرية الفكر والمعتقد الذي تقدسه الديمقراطيات الغربية بل صار جزءا من الطبعات الجيوسياسية الجديدة لارتباط الإسلام ارتباطا وثيقا بالتيارات المتشددة التي تنتهج العنف والإرهاب ليس في دائرة الأرض الإسلامية فحسب بل تنقل هذا النهج إلى دوائر أخرى ضمن جولة جديدة من “الفتوحات” قد لا تستعمل العنف في بداية عهدها لكن التجربة بينت أن نهاياتها وغاياتها غالبا ما تكون عنيفة، فضلا عن أنها أداة في يد مراكز قوى كبرى تستعملها ضمن صراعات لا تأخذ طابع المواجهة المباشرة بل تشتغل بالوكالة والمناولة.

لم يقل ماكرون كلاما جديدا مبتدعا فالتوجه نحو بلورة إسلام فرنسي مخافة التدرج نحو فرنسا إسلامية قد ظهر منذ سنوات عديدة وقد ساهم في دفع هذا الاتجاه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي الذي يقال في دوائر إعلامية أنه لا يزال يؤثر على كثير من قرارات ماكرون. وفي الواقع لم يعبر المسؤولون الفرنسيون إلا عن ما بلوره فلاسفة وعلماء اجتماع فرنسيون من تحليلات تصب في أن النهج العلماني الفرنسي قادر على استيعاب جميع الديانات، وتنطلق هذه التحليلات من أنه لا جدوى من الاصطدام مع التيارات الدينية مادام النهج العلماني الفرنسي قادرا على أخذ ما هو مفيد في هذه الاتجاهات الدينية وطرح ما تراه غير منسجم مع طبيعة المجتمع الفرنسي.

غير أن نظرة المسؤولين السياسيين على غرار إيمانويل ماكرون لا تقف عند هذا الطموح المثالي فهو يرون أن أول خطوة في سبيل الإبقاء على الإسلام المفيد هي الإقدام على عملية “تأميم” للإسلام إذ لا حاجة لفرنسا لاستيراد أنواع من الإسلام من مصر والسعودية والمنطقة المغاربية أو حتى تركيا والدول الإسلامية الآسيوية وهي قادرة على صنع إسلامها بنفسها. وبعبارة أخرى فإن استيراد الأئمة والدعاة والقائمين على شعائر الإسلام في شهر رمضان لابد أن يتوقف ليتولى المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية عملية إنتاج “شيوخ” على المقاسات الفرنسية المدروسة ضمن عملية فرنسة شاملة للإسلام وتجاوز عهد أسلمة فرنسا.

وتنطلق عملية فرنسة الإسلام أيضا من ضرورة أن يحدث المسلم الفرنسي الجديد، الذي لا تشترط فيه الجنسية الفرنسية بالضرورة، القطيعة مع موروثه الديني وخلفياته التاريخية ليتماهى مع الهوية الفرنسية بكل ما تحمله من تفاعل وديناميكية. عليه بعبارة أخرى أن ينقطع عن المسارات التي اتخذها الإسلام في تطوره منذ أكثر من 14 قرنا وأن لا ينخرط في الاختلافات المذهبية والفكرية التي ميزت الموروث الفقهي والمرويات وما يتعلق بالتفاسير والسير، فضلا عن أن يتخذ منها مرجعيات ومنطلقات للاصطفاف الطائفي وإعادة إنتاج الخارطة المذهبية والطائفية القائمة في “دار الإسلام”. على المسلم الفرنسي في نظر النزعة الجديدة أن ينسلخ عن مفهوم الأمة الإسلامية communauté musulmane لينخرط في أيديولوجية الجمهورية ويؤمن بمبادئها ويعتنق المواطنة دينا أرضيا يحتوي معتقداته السماوية الفردية.

لا ينكر إسلام ماكرون كما إسلام ساركوزي على المسلمين حق الاجتماع الديني من منطلق أن شعائر الأديان لا تؤدى كلها فرديا بل أغلبها يقتضي التجمع والاحتفال غير أنه لا يتيح الاجتماع إلا في ما تحدده الدولة الفرنسية من فضاءات وضمن التأطير الذي تشرف عليه وزارة الداخلية الفرنسية بالتعاون مع المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية وما يمثله مسجد باريس كمؤسسة دينية فرنسية. فما تسعى إليه الحكومة الفرنسية إنما هو ضمان استقلالية المؤسسات الإسلامية الفرنسية عن التأثيرات المرجعية والمالية التي صارت تتنازع المواقع على الأرض الفرنسية دون حسيب ولا رقيب، وقد اكتشفت فرنسا حجم التنافس والتزاحم بين التيار الوهابي بدعم من المملكة العربية السعودية والتيار الإخواني بدعم من تركيا كما تبين لها حجم الأموال التي تضخ ضمن هذا التدافع السياسي والمذهبي الذي صارت تتخوف منه فرنسا بعدما كانت توظفه في السابق في تنفيذ خططها للهيمنة على العالم الإسلامي.

لقد اكتشفت فرنسا أيضا أن الإسلام لم يعد سليما بعدما اخترقته الاعتبارات الجيوسياسية وهو المعنى المقصود من عبارة ماكرون التي استفز بها مؤسسات دينية إسلامية وهي أن الإسلام اليوم يعاني من الأزمة في كل مكان.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك