بومالة يحاضر في فلسفة الحراك

في جلسة محاكمته

بقلم: احسن خلاص 

ليس من الضروري أن يدعوك الرئيس تبون لتحل ضيفا عنده وتجلس معه أمام عدسات الكاميرات لكي تبلغ رسالتك فقد تكون جلسة محاكمة انتظرها الآلاف أفضل مكان وأحسن منبر لتبلغ للرأي العام شعبا وسلطة ما تفكر فيه وما ترسخ لديك من قناعات منذ عقود من الزمن.

هذا ما حدث للمناضل السجين فضيل بومالة الذي اغتنم فرصة محاكمته ليتخذ منها منبرا  يوجه منه رسائل أعمق من أن تشكل أسلحة للدفاع عن شخصه ودفعا للتهم الموجهة إليه بل عن وجهات نظره في القضايا الجوهرية التي طرحها الحراك الشعبي منذ عام وأفكاره التي ظل يؤكدها منذ أكثر من 30 سنة.

وكعادته اغتنم فرصة دعوة القاضي له للاستماع إلى أقواله بمحكمة الدار البيضاء ليتخذ منها منبرا لخطاب حضرت فيه الثورة ورموزها من بن مهيدي وعبان وفرحات عباس والحقوق والحريات ومحاكمة فساد النظام والعلاقة بين السياسي والعسكري والوحدة الوطنية ونزاهة الانتخابات وهلم جرا، بأسلوب فيه مزيج بين الجد والهزل كما هو معتاد منه في محاضراته ونقاشاته التي حن إليها الحضور بعد أن انقطع عنها لأشهر لذا بقي يستمع إليها وهو مشدوه وكأنه يستمع لأول مرة مع أن كلامه معهود يمثل قناعاته الراسخة.

تجاوز السجين المتهم بتهديد الوحدة الوطنية والمساس بالمصلحة العليا للوطن مجرد الدفاع عن نفسه في تهم لا يرى نفسه فيها مذنبا وهو الذي تحدى القاضي أن يضع رأسه طوعا تحت المقصلة مثل احمد زبانه إن وجد له سطرا مما كتب من أعوام عديدة يوحي من قريب أو بعيد أنه يشكل تهديدا للوحدة الوطنية أو مساسا بالاستقرار، وهي تهمة يستهجنها وينكرها ويعتبرها مساسا بكرامته “فلتبحث سيدي القاضي إن وجدت ما يدينني فرقبتي بين يديك ولتقطع بالمقصلة كما حدث للشهيد زبانة أنا لست إلا جزيئ صغيرا أمام عظمة هذا الشعب”

وبأسلوبه التربوي أخذ يشرح للقاضي أن نظام الحكم ليس هو الجزائر والجزائر ليست النظام و”لا أقبل الخلط بين الحكومة والنظام من جانب والجزائر الأبدية المقدسة”. ملفتا النظر إلى أن تمسكه بوحدة واستقرار الجزائر هو بدرجة معارضته للنظام وعبادة الأشخاص “فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت”.

وفي خضم الحديث عن الحرية ذكر بومالة أنه لا يفصل بين الوطن والحرية فلا أحد ولا أي جهة مهما كانت يمكن أن تنزع منه حريته متوجها إلى القاضي بالقول إن لم يحمني القضاء فمن ذا الذي يحميني؟

وعن الحرية دائما اعتبر السجين بومالة أنها، أي الحرية، هي السجين الأكبر في الجزائر فقد وردت في الدستور 53 مرة لكن لا أثر لها في الواقع والممارسة، إذ ليس الدستور هو الذي وضعه في الحبس إنما هو النظام الذي خالف الدستور الذي وضعه بنفسه وهو الذي دأب على التزوير والتزييف منذ عهد الحزب الواحد الذي كان يعد قوائمه وينظم انتخاباته ومع ذلك يقوم بتزوير نتائجها فرجال النظام وموظفوه كما قال لم يؤمنوا يوما بنزاهة الانتخابات.

وعن موقفه من مكانة الجيش في الحياة السياسية أحال بومالة القاضي ومعه الحضور إلى مرجعيته التاريخية مذكرا أن علمانيته سياسية وهي تعني الفصل بين العسكري والسياسي وهي ليست من بنات فكره، كما قال إنما هي مستلهمة من نهج العربي بن مهيدي ورمضان عبان.

وإذ ننقل جوانب من حديث بومالة أمام القاضي فلأن معرفتنا بالرجل وخصاله وأخلاقه السياسية التي تعود إلى ثلاثة عقود تجعلنا نجزم أنه كان يدافع عن مبدأ الحوار والنقاش الحر والمفتوح من أجل تحرير الجزائر، ليس من النظام الفاسد فحسب بل من مجتمع ونخبة لا تزال تسايره، ولم يكن مهتما بمحاكمة الأشخاص والأفراد بقدر ما كان ينتقد الممارسات  فقد كان همه قبل اندلاع الحراك الشعبي بسنوات أن يجد السبيل إلى تغيير جذري للنظام دون أن يضحي بالبلد، كما عهدناه صابرا على الشتائم والإهانات التي تلاحقه من مقاومي التغيير فقد سألته يوما لماذا لا تنقي صفحاتك في مواقع التواصل الاجتماعي من الذباب فتستريح من تعليقاته المهينة فرد علي بأنه ضد الاغتيال السياسي مهما كان شكله حتى ولو كان اغتيالا افتراضيا.

إن رجال الجزائر يوجدون في كل مكان، في السلطة والمعارضة وحتى لدى المواطنين الذي لا يستهويهم العمل السياسي فاللحظة التاريخية التي نعيش فيها اليوم تتطلب منهم التحالف والتعاضد وفتح نقاش متحرر من الأحكام المسبقة ومن ربقة رواسب الماضي ومخاوف المستقبل.

  

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك