بوضياف والقوس المغلق

بقلم: احسن خلاص

كان التساؤل “الجزائر إلى أين” الذي طرحه القائد محمد بوضياف أيام الاستقلال الأولى مثيرا للدهشة لأن الذي طرحه كان من القلائل الذين يعرفون ما يريدون قبل 8 سنوات أي في اللحظة التي سبقت إطلاق الشرارة الأولى لحرب تحرير دامت سبع سنوات ونصف سنة. عند اجتماع لجنة 22 وبعدها في اجتماع الستة عام 1954 كان المجتمعون يدركون أن الجزائر ستدخل حربا تحريرية لأنهم هم فاعلوها وأنها ستستقل دون أن يعرفوا متى وكيف وما مصيرهم بعد الاستقلال فالتساؤل في ذاته لم يكن غريبا أكثر من كونه يأتي من الطيب الوطني ذاته فقد كان عنوانا لكتاب يقص فيه حكايته مع الجزائر الجديدة التي قدم من أجلها شبابه وظل من أجلها مناضلا ملتزما عندما كان بإمكانه الإجابة عن ذلك السؤال.

 

بعد ثلاثين سنة أتاه الجواب في عنابة أياما فقط قبل احتفال الجزائر بالذكرى الثلاثين لاستقلالها عن النظام الاستعماري الفرنسي. جواب لم يكن ينتظره بالتأكيد، فقد ظهر في اللحظات الأخيرة، قبل أن يناله رصاص الغدر، شديد التفاؤل بالمستقبل وقد حل ضيفا على ملتقى وطني نظمته الجمعية الوطنية لترقية وادماج الشباب وظهرت على محياه علامات السرور وهو يشاهد مندهشا إنجازات الشباب التي اعتبرها مؤهلة للتصدير، كما ورد في شهادة قدمها لنا الصادق طماش الذي رافقه في تلك اللحظات. ولأن الجواب أحيانا مفتاح لسؤال جديد فقد جددت فاجعة 29 جوان طرح سؤال بوضياف ذاته وسط ضباب أكثر كثافة ورؤية شبه منعدمة.

 

لكن، قبل أن نتساءل لماذا اغتيل بوضياف بعد ستة أشهر على رأس مجلس أعلى للدولة بديل عن عهدة الشاذلي بن جديد من الأجدر أن نطرح سؤالا آخر: لماذا عاد إلى الجزائر وهو الذي أيقن أن لا جدوى لذلك عندما رأى النظام وقد التقط أنفاسه بانعقاد المؤتمر السادس لحزب جبهة التحرير الوطني وتجديد عهدة الشاذلي بن جديد لخمس سنوات أخرى على رأس الدولة. وبالرغم من الزخم الذي عرفته الديمقراطية التعددية إلا أن بوضياف لم يكن يأمن على قبول النظام بمبدأ التداول القائم على الإرادة الشعبية فلم يكن يرى بالتالي داعيا للدخول إلى الجزائر لينخرط في تنافس سياسي صار يخير الشعب بين الحفاظ على النظام أو اختيار تيار سياسي راديكالي قائم على أيديولوجية دينية وأحلى الخيارين كان مرا على لسان بوضياف. ثم إنه، خلافا للقادة التاريخيين ايت احمد وبن بله وبن خده لم تكن لبوضياف أي قاعدة سياسية على الارض بعد أن حل حزب الثورة الاشتراكية الذي أسسه في 1962 كأول حزب معارض.

 

وبعد ذهاب الشاذلي بن جديد وحل البرلمان وإبعاد حزب جبهة التحرير الوطني عن واجهة الحكم وأمام رغبة أصحاب القرار في استقدام شخصية ذات رصيد تاريخي دون أن يكون لها امتداد سياسي قاعدي التأمت شروط عودة بوضياف الذي قدر أن الوضع الجديد، على صعوبته وتشابك خيوطه وضبابيته، مناسب لشخصية من طرازه وهو المعروف أنه أطلق من قبل ثورة تحريرية من لا شيء حين قال إنه سيطلقها ولو بقردة الشفة. لم يكن بوضياف بحاجة لتحفيز أو تشجيع بقدر ما كانت حاجته اللاقتناع بجدوى مسعاه ووضوح الرؤية وأكثر من ذلك العمل على تجسيد مشروع جديد للمجتمع تلتف حوله الأغلبية الصامتة التي لم يعلم بعد رأيها خلال الانتخابات البرلمانية المجهضة. صار الظرف مؤاتيا إذن ليتشكل تحالف موضوعي بين بوضياف ومن معه ممن بقي من رفاقه وبين أصحاب القرار من كبار العسكريين آنذاك.

 

كان الهدف في تصور هؤلاء توفير غطاء سياسي بشرعية ثورية على عملية استئصال شاملة ضد التيار الإسلامي الراديكالي السياسي والمسلح بينما كانت أهداف الرئيس بوضياف تتعدى ذلك إلى إرساء قواعد حكامة جديدة تقوم على حوار وطني ضمن إطار سياسي بدأ في تشكيله بداية من أفريل وهو التجمع الوطني، هذا الإطار الذي لا يشبه الأحزاب القائمة فهو لم يعقد مؤتمرا ولم يطلب اعتمادا وكانت تشكيلة في حالة جنينية تبحث عن نفسها بعدما غزتها تنظيمات  من الأسرة الثورية ومن اليسار والوسط اليميني الجديد لاسيما قدماء حزب الثورة الاشتراكية والتجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ويومها جرى حديث طويل وعريض عن تعيين سعيد سعدي رئيسا جديدا للحكومة في أفق التحضير لانتخابات رئاسية مسبقة. كان طموح بوضياف الذي عبر عنه أن يطهر الدولة مما أسماه المافيا السياسية المالية وهو يدرك أنه كان يسبح في حقل ألغام وقد عبر عن ذلك صراحة لوسائل الإعلام الأجنبية التي هرعت لتكتشف الرجل وتظفر بالسبق المتأتي من عفويته وصراحته. ومن بين ما قاله لأحد الصحافيين أياما قبل اغتياله: “عن مصيري فأنا مؤمن أننا ونحن نحاول أن نقود حياتنا إلى الأفضل توجهنا يد عليا فالقاعدة الوحيدة هي العمل من أجل خير الجميع وليس للمصالح الخاصة. هذه هي قاعدتي ودون ذلك أي شيء يمكن أن يصيبني”.

 

بدأت تتشكل حول بوضياف جموع من الشباب اكتشفت خطابا جديدا بعيدا عن لغة الخشب التي عهدها في الأفلان ومغايرا للنبرة الشمولية الدينية الطوباوية التي كانت تعد بدولة إسلامية وتكفّر الديمقراطية واكتشفت مع الخطاب الجديد رجلا فهمت من خلال شخصيته طابع الثورة التحريرية إذ لم يكن بوضياف يظهر بمظهر رجل الدولة بل احتفظ بلبه الثوري الذي صار يشكل به خطرا على المصالح القائمة التي استفادت من بعد من تصفيته.

 

تفرقت الجموع التي شيعته إلى مثواه الأخير ورجع كل إلى مواقعه الأولى لأن مشروع بوضياف لا يليق إلا ببوضياف لا أحد تبناه وحمله ليواصل مسيرته وأكثر من ذلك أن قضيته ومشروعه قزما وحصرا في دائرته العائلية.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك