بلقاسم بن سديرة من خلال آثاره

نّخب مثقفة خدمت الاستشراق

محمد بسكر

 

لا ريب أنّ شخصية بلقاسم بن سديرة تحتاج إلى دراسة معمّقة باعتباره من النّخب المثقفة الموهوبة التي خدمت الاستشراق الفرنسي، وهاته الفئة مازال دورها الثقافي وإنتاجها الفكري يحتاج إلى مزيد من الدّراسات المستوعبة، وفي تقييم الدكتور أبو القاسم سعد الله لما قدّمته للتراث الوطني، اعتبر أّن « قدرًا مشتركا بين ابن سديرة وابن شنب، وهو الموهبة النّادرة ، والبحث المستمر، ولكن في خدمة الإدارة والاستشراق، أكثر من خدمة الثقافة الوطنية ».

 إنّ المقاربة بين ما قدّمه محمد بن أبي شنب للتراث الجزائري، مع ما تركه بلقاسم بن سديرة، فيه إجحاف في حقّ الأول، فابن سديرة من العناصر المروّجة للّسان الفرنسي ، ومن الفاعلين في الدّعاية لمشاريع المدارس الفرنسية التعليمية، لا يجد غضاضة في الافتخار بخدماته للإدارة الكولونيالية وتلامذته من أبناء المعمرين .

كتب الدكتور أبو القاسم سعد الله في تاريخه الثقافي دراسة وافية عنه وتتبع آثاره، وطرح أسئلة عن حقيقة شخصيته التي يكتنفها الغموض، وخلص به استقراؤه إلى أنّه « عالم جزائري عميق المعلومات استفاد منه الاستشراق الفرنسي إلى أقصى الحدود، ولم يستفد منه وطنه »، بينما يرى الباحث “سليم قطوشي” في مقاله ” على خطى بلقاسم بن سديرة” أنّ الحكم عليه لا يكون إلّا ضمن العوامل والظروف التي عاش فيها في ذلك الوقت، وإلّا سيكون الحكم عليه جائرا، ومع ذلك طرح أسئلة عن كيفية تمكنه من الدراسة في مدارس راقية، وهو رجل الواحات القادم من بسكرة، وكيف تمكن من استكشاف المسارات المتعرجة للانثولوجيات  واللّهجات البربرية والأدب العربي؟

انتسب ابن سديرة سنة 1860م  إلى ” المعهد السلطاني”، نسبة إلى الإمبراطور نابليون ، والغالب أنّ ذلك تمّ بتوجيه ووساطة خاصة من شيخ العرب في بسكرة ” محمد الصغير بن قانة “، ثم سافر إلى فرنسا لمواصلة دراسته بمدينة فرساي، حيث مدرسة تكوين المعلمين، أظهر تفوقه في الدراسة فأرسل مدير المدرسة رسالة إلى الحاكم العام بالجزائر أشاد فيها بنبوغه. درّس ابن سديرة في مؤسستين هامّتين في الجزائر، مدرسة المعلمين والمدرسة العليا للآداب، وتقلّد وظائف مختلفة، فإضافة إلى التدريس، عمل مستشارا في محكمة الاستئناف، وكان عضوا في الجمعية الآسيوية لسان حال المستشرقين  التي تأسست في باريس سنة 1822م، وقد استفاد من قانون التجنس سنة 1866م، وأغدقت عليه الإدارة أوسمة متنوعة منها، وسام الفارس جوقة الشرف من رتبة ضابط للتعليم العمومي، وارتبط بامرأة فرنسة سنة 1871م  أنجبت له عدة أبناء، أنشأهم حسب العادات الغربية، وسماهم بأسماء فرنسية ( إلويس، موريس، وشارل )، وابنه الأخير هو خريج كلية الحقوق، استعان به في كتابة رسائله وبعض مؤلفاته، وذكره في مقدمات ثلاثة من كتبه. 

نجح  المستشرقون الفرنسيون في استثمار نبوغ هذا الرجل،  المجيدُ للعربية والفرنسية، فاستعانوا به في كتابة التقارير عن اللّهجات المحلية، وبحوثه ودراساته التي أشرفت الإدارة على نشرها، كلّها باللّغة الفرنسية ، ومهما حاول المطلع على تراثه أن يجد مبررات مقنعة يفسر بها توجهه الفكري التغريبي، فإنّ حاصل ما يترجح عنده، أنّه خديمٌ مخلصٌ لثقافة المحتل، فآثاره تدل على انغماس عميق في خدمة المستشرقين ، فهو من المتحمسين للّغة الفرنسية باعتبارها لغة وطنية، وقد جاهر بذلك في مقدمة كتابه” دروس تطبيقية في اللغة العربية”، عندما  قال:« إنّ الفرنسية لغتنا الأم التي تحدّثنا بها من يوم ولادتنا ».

 

  • لمحة عن تراثه:

 

 جلّ ما تركه من مؤلفات خصّه لتعلّم اللغة، فله من الكتب: (دروس تطبيقية في اللغة العربية الدارجة)، (ودروس تطبيقية في الآداب العربية)، و(دليل كتابة الرسائل باللغة العربية)، لاستخدامات المدارس الثانوية والكليات والمدارس العادية، ( ودروس تطبيقية في اللغة القبائلية)، وكتاب (الطالب المبتدئ لتخريج الخط العربي) ،(وحوارات فرنسية عربية) في تفسير العبارات الأكثر شيوعا في الدارجة المتحدث بها في الجزائر،  وقاموس عربي  فرنسي، وقاموس فرنسي عربي وغيرها، والمتأمل لا يجد فيها ما يخدم التراث الوطني، لأنّها تكن موجهة للطالب الجزائري، وإنّما للمستعربين والمترجمين، والإداريين الفرنسيين الرّاغبين في فهم اللّهجة الجزائرية. ومن مؤلفاته التي يمكن الحديث عنها: 

1/ التّحفة السّنية في النّوادر العربية : ذكره سركيس في معجمه، نشره سنة 1879م، ولعله يقصد كتابه ” دروس في الأدب العربي”، ألفه للمستشرقين والأوروبيين الراغبين في تعلّم  الأدب العربي، رتبه على قسمين، الأول يشمل مجموع من النصوص الأدبية، مستمدة من كتاب المستطرف، وألف ليلة وليلة، وكليلة ودمنة، ومروج الذهب للمسعودي، أمّا القسم الثاني فجعله معجما عربيا فرنسيا، ضم فيه جميع مفردات النصوص منظمة حسب جذورها وفقا للأبجدية، استمدّ مصادره من  قاموس المستشرق “كازيميرسكي”، وانتهج طريقته في الترتيب، وهو يرى بأنّ ما قام به فيه فائدة للطلاب؛ لأنّه أورد معلوماته بأسلوب سهل ونافع في بابه، باعتباره كتابا للقراءة والنّصوص.

2/ القاموس الصغير العربي الفرنسي: نشره سنة 1882م، وأشرفت على طبعه مطبعة أدولف جوردان، احتوى مصطلحات قانونية، تحدّث في مقدمته عن بعض الأعمال التي سبقه بها بعض المستشرقين، منها معجم” فريتاج”، ومعجم “كازيميرسكي”، وقاموس ” بوسييه” ، الذي أقرّ بأهميته لكونه رتَّب فيه المفردات التي تنتمي إلى جذر واحد، بدءا بالفعل بصيغة المتتابعة، ثمّ تليه بقية الكلمات المشكلة استثناء عن هذه القاعدة. ومعجم ” ابن سديرة” موجّه إلى طلاب المدارس والموظفين في الإدارة، ولمن يصبوا إلى تعلم اللّسان الفرنسي، كتبت ألفاظه العربية بالرّسم المغربي، فالفاء ( بنقطة واحدة في اسفل الحرف)، والقاف( بنقطة واحدة في أعلاه ).

3/ المعجم الفرنسي العربي: نشره سنة 1886م، اعتمد فيه اللّهجة العاصمية عملا استثنائيا، وأهداه إلى الحاكم العام للجزائر، وهو موجه للمعمرين الذين يتعاملون مع الأهالي، لتسهيل أداء مهامهم، ومعرفتهم العلمية باللغة العربية كما جاء في مقدمته، ولما رأت الإدارة أهميته طبعته خمس مرّات متتالية.  

 

  • ابن سديرة…ولهجة زواوة

 

اهتمت مدرسة الاستشراق الفرنسية باللهجة البربرية، في وقت مبكر من تاريخ الاحتلال، ونشرت في ذلك دراسات مختلفة عن منطقة القبائل، نسيجها الاجتماعي، وتركيبة سكانها ومختلف لهجاتها، واللغة الغالبة فيها، ووجدوا مبتغاهم في ابن سديرة الذي وفرّ لهم دراسة لغوية واجتماعية هامة عن زواوة، تناولت الإنسان واللهجة والتقاليد، وطرق إدماج الأهالي،  ضمن مهمة كلف بها  من طرف “تيرمان” سنة 1886م، ونشرها سنة 1887م  في كتاب سمّاه  “مهمة في بلاد القبائل حول اللّهجات البربرية وإدماج الأهالي “، يعتبر ما طرحه فيه دراسة استقصائية  علمية، غير أنّها تصب في مصلحة المستعمر وتخدمه في بسط نفوذه، فهي ” مهمة ”  كما سماها، طغت عليها الكتابة التقريرية، وإن احتوت معطيات ونتائج كثيرة استنتجها، يحكم بعضها التوازن، ويطغى على أكثرها أفكار مستهجنة، كتفضيله للكتابة بالحرف الفرنسي بدل العربي، وتنويهه بجهود المندسين من الفرنسيين في منطقة القبائل أمثال « السيدة” Gorde”  قورد التي تتحكم في اللّغة البربرية، وتتحدث بها، وكيف استطاعت كسب ثقة الأمهات القبائليات بتقديم خدمات كبيرة لهنّ،  ويذكر مدرسة  ” تادرت أوفلا ” التي أنشأها “صباتييه” والذي على حدّ تعبيره، فعل الكثير من أجل تعليم اللّغة الفرنسية بمنطقة القبائل»، وإن تحفّظ في مواقع من كتابه عن السّياسة المتبعة من الإدارة تجاه السكان، وخاصة سياسة التفضيل « التي تعرفها المنطقة، بالمقارنة مع منطقة القرقور أو الجزائر العاصمة، وكيف أنهم خصوا بمقرر تعليمي موجه للقبائل دون العرب ».

 

  • اهتمامه بالعربية العامية

 

حاول الفرنسيون وضع بحوث عن اللّسان العربي وأساليب المحادثة والخطاب، وساهم علماء الاستشراق في تأليف مؤلفات ومعاجم باللّهجات المحلية، وكتابة رسائل وحكايات باللّغة العربية المعربة ، ووجدوا أنّ سبيل الاتصال بالسكان يكمن في معرفة لهجاتهم، « فظهرت من أجل ذلك عدة قواميس على يد جوني فرعون، ودي بوسي، وبرينييه، وماشويل، ومن ذلك كتاب فرعون المسمى” النّحو الابتدائي للعربية الدارجة “، الموجه للفرنسيين، ثم بسطه ونشره تحت عنوان (موجز النحو العربي البسيط)، وفي سنة 1835م نشر دو لابورت “مبادئ الأمثال العربية في الجزائر”…ثم نشر برينييه كتابه (موجز العربية الدارجة في مدينة الجزائر) الذي حدّد فيه خصائص اللّهجة الجزائرية العربية، وأعطى فيه تفاصيل عن حياة السّكان ».

 تحوّل فضول الفرنسيين من مجرد استطلاع لعادات الأهالي وثقافتهم إلى قناعة ترسيخ العامية كلغة بديلة عن الفصحى، ووجد هؤلاء من يقدّم لهم يد العون في هذا المجال من النّخب الجزائرية  المفرنسة ، أمثال  الهاشمي بن سي لونيس ، وسعيد بوليفة، وعلاوة بن يحيى وغيرهم ، وابن سديرة أكثرهم مساهمة في نشر الدراسات التي تخص قواعد اللغة والقواميس، وطرق الحوار المعتادة عند عامة النّاس، فالمعاجم اللّغوية التي نشرها كانت الترجمة فيها من  الفرنسية إلى العربية الدارجة، ولا أدري سبب اهتمامه بها، وحرصه على توظيفها في كتبه، فهل كان يجهل سعي الاستعمار لنشرها وتشجيع الكتابة بها ؟ أم أنّ تعلّقه وانبهاره بالثقافة الغربية سلخه من وطنيته، فوظّف تجاربه وأعماله  ليكمل بها ما عجز عن بلوغه المستشرقون ؟ 

 

  • الرسائل في جميع المسائل:

 

هذا الكتاب من المجاميع الوثائقية الهامّة التي أعدّها “ابن سديرة “، ضم فيه 320 وثيقة خطّية، تحتاج  إلى من يعرضها للدراسة والتحليل لأهميتها التاريخية، جمعها المؤلف سنة 1892م، وأعانه في ترتيبها ابنه شارل، وطبعت بتقنية الطباعة الحجرية بمطبعة جردان. أهدى ” ابن سديرة ” مجموع هذه الوثائق إلى الجنرال ” فورجيمول بوسكينارد “، القائد السّابق لمنطقة بسكرة، والضابط في الفيلق الحادي عشر المحتل لتونس، ولعله كتابه الوحيد الذي خلا من اللّسان الفرنسي، وإن كان ما قام به  لا يزيد عن جمع للوثائق والرسائل الخطّية وتنظيمها، وهي تختلف في جودة الكتابة وعمق المعلومات وثراء المضامين. أشار ابن سديرة في مقدمتها إلى أنّه يجب النظر إلى دراسة اللغة العربية في الجزائر من ثلاث جهات مختلفة ( اللغة المنطوقة، والمراسلات ، والأدب الكلاسيكي)، وعمله هنا يندرج ضمن المراسلات الكتابية، التي قدّمها للمستعربين وطلبة المدرسة العليا للآداب، تحضيرا لهم على فك رموز الخطّ لمن لا فكرة لديهم عن قراءة المخطوطات.

  الكتاب عبارة عن صورة لرسائل مخطوطة تغلب عليها الكتابة بالدارجة، لأنها ليست صادرة من أدباء وكتّاب، بل من طبقات مختلفة المشارب، وفيها من الألفاظ الفرنسية المعرّبة الكثير، والتي مازالت عالقة في ألسنة النّاس إلى يومينا الحالي، ومحتوياتها تعكس الحالة الاجتماعية والسياسية والعلمية للمجتمع الجزائري نهاية القرن التاسع عشر، احتوت خطابات خاصّة موجهة إلى ابن سديرة من وجهاء وقيّاد المناطق، أمثال محمد الصغير بن قانة، فرسالته المسجلة بتاريخ 24 ماي 1875م أظهر فيها فضله عليه واعتبر نفسه بمثابة الوالد له، كما يحتوي الكتاب رسائل للأمير عبد القادر وابنه الهاشمي، ومحمد بن حرار، ولقضاة من مختلف جهات الوطن يستنجدون به لنقلهم إلى أماكن أفضل، وخاصّة لمّا كان مستشارا  بمحكمة ” لا كورد إبيل” بالجزائر العاصمة، وهناك مراسلات أدبية شخصية  وردت إلى المؤلف من بعض الأدباء، أمثال الأستاذ محمد السعيد بن أحمد الزكري، المدرس بالجامع الأعظم ومؤلف كتاب” أوضح الدلائل في وجوب إصلاح الزوايا ببلاد القبائل “، وكذا راسله بلدياته الأديب محمد حديد البسكري، وهو شاعر ومؤرخ، له تأليف عن “تاريخ الذواودة “، ففي رسالته لابن سديرة بتاريخ 15 مارس 1885م كتب فيها لغزا وطلب منه فك رموزه، كما أخبره بأنّ والده ووالدته واخته كلّهم بخير.

إنّ كمية الوثائق الهامّة التي احتواها مجموع بلقاسم بن سديرة، وخاصّة الرسائل الحكومية بين القياد وحاكم الجزائر، والتي يرجع تاريخ بعضها إلى سنة 1851م،  لتثبت أنّ الرجل مُكّن من الوصول إليها، لثقة الإدارة الفرنسية فيه، وكتابه بقدر ما يدفعنا إلى طرح تساؤلات عن دور هذه النّخب ضمن المنظومة الفكرية للاحتلال، فإنّه يضع أمامنا هذا الرصيد التاريخي من المرسالات الخاصّة التي ضمّت شكاوى كثيرة موجهة إلى الإدارة ، ومنازعات الأهالي المختلفة التي ترصد المعاناة الاجتماعية الصّعبة التي ألمّت بالأسر نهاية القرن التاسع عشر.

 

 للموضوع مصادره

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك