بلعيد عبد السلام بين القناعات والصراعات

بقلم: احسن خلاص

لا ينبغي أن تمر وفاة المناضل السياسي المخضرم بلعيد عبد السلام دون أن تثير حياته نقاشا فكريا بالنظر إلى ثرائها وتنوعها والعبر والدروس التي يمكن أن تستقى منها ومن السياقات التاريخية المختلفة التي عاشها الرجل منذ أول يوم التحق فيه بالحركة الوطنية إلى أيامه الأخيرة حين أصدر مذكراته المثيرة للجدل.

لقد كان بلعيد عبد السلام فريدا متميزا في حياته النضالية والسياسية وظل كذلك بالرغم من أنه لم يتح له يوما هامش المناورة الذي يتلاءم مع طبيعة شخصيته ليجسد رؤاه التي كان يجهر بها ليجعل من الجميع شهودا عليها، كان مثالا للسياسي الموظف غير أن توظيفه لم يكن دون مخاطر على صاحب العمل. فالرجل ولد ونشأ في بيئة متمردة على الاستعمار الفرنسي ومنحازة كلية إلى التيار الوطني الاستقلالي، ولد في عين الكبيرة، إحدى بلدات سطيف وكانت واحدة من المعاقل الكبرى لحزب الشعب الجزائري – حركة انتصار الحريات الديمقراطية الذي تعلم منه أن السياسة قناعات والقناعات مثل السجون وأفكار ننخرط فيها وندافع عنها ونغادر الطاولة عندما لا تنسجم السياسات المتبعة مع تلك القناعات.

التحق بلعيد عبد السلام بالثورة التحريرية في عام 1955، لينضم إلى الحركة الاجتماعية والسياسية التي بدأ يؤسس لها القائد رمضان عبان فتجند هو وفريق من الطلبة لتشكيل نواة أولى لحركة طلابية مهمتها نشر الوعي والتعبئة ودفع النخبة المثقفة للانخراط في الثورة إلى جانب الفلاحين في الأرياف والعمال في المدن. لم يعرف لعبد السلام أي مشاركة في جيش التحرير الوطني فقد ظل مناضلا سياسيا مدنيا بعدما كان يعد نفسه ليصبح طبيبا لولا حركة 19 ماي 1956. يقال إنه اشتغل مع مولود معمري على إنجاز رسالة لجبهة التحرير الوطني كانت موجهة إلى الأمم المتحدة غير أن أغلب نشاطه كان في مدينة الجزائر قبل أن يلتحق بتونس ويشتغل مساعدا لوزير الشؤون الاجتماعية عبد الحميد مهري ضمن الحكومة المؤقتة وبعدها مديرا لديوان رئيسها بن يوسف بن خده وبعد وقف إطلاق النار صار عضوا في الهيئة التنفيذية بروشي نوار تحت قيادة عبد الرحمان فارس. التزم عبد السلام بمهامه بتفان وانضباط الثوار وبالانضباط ذاته تولى إدارة شركة سوناطراك قبل أن يتولى وزارة الصناعة والطاقة من 1965 إلى 1977 وبعدها وزارة الصناعات الخفيفة إلى غاية 1979. وبهذا ارتبطت به السياسة الصناعية كلها في عهد الرئيس بومدين.

ولم يتوان بلعيد عبد السلام عن الرد على من كان يستصغر جهده لاسيما ما تردد من أنه لم يقم إلا باتباع نموذج نمو اقتصادي صنعه الاقتصادي الفرنسي دو برنيس تحت عنوان الصناعة المصنعة، ففي إحدى كتاباته أوضح أن “منابع سياسة التنمية المتبعة في الجزائر بعد الاستقلال تقع في المبادئ والتوجيهات والأهداف المحددة للثورة الجزائرية من قبل برنامج طرابلس الذي تبناه المجلس الوطني للثورة الجزائرية في ماي 1962 وأكده مؤتمر حزب جبهة التحرير الوطني عام 1964 ووسعه أثراه الميثاق الوطني لعام 1976 فالتصنيع المتبع في الجزائر لم يكن نابعا إلا من هيئات الثورة الجزائرية فتحديد اختياراته كما تصور غايته لم تكن من عمل جهات خارجية، فجيرارد ديستان دو برنيس لم يقم بأي دور في تحديد هذا التصور”. واتهم بلعيد عبد السلام مروجي هذه الفكرة، وهم فرنسيون في الغالب، بالحنين إلى الماضي الاستعماري، فهم في نظر قائد التصنيع في عهد بومدين، لا يعتقدون أن الجزائريين بإمكانهم تصور سياسة منسجمة للتنمية خاصة في مجال التصنيع وتأسف أن كثيرا من الصحافيين الجزائريين وقعوا في هذه المغالطة. وبالرغم من مرور عقود على تلك السياسات والردة عنها التي قامت في ثمانينات القرن الماضي، في عهد الرئيس الشاذلي بن جديد، والاتجاه الغالب اليوم الذي لا يتلاءم معها ويعدها من الأثاث القديم، إلا أن الرجل بقي وفيا لها في تصورها وتنفيذها فهو الذي حرر أغلب نصوصها التوجيهية والقانونية وزكاها كلها قبل أن ينفذها، واعترف عبد السلام أن بعضا من جوانبها لم تعد صالحة اليوم إلا أنها تعكس انشغالات لا تزال موضوع الساعة ويمكن أن نجد فيها وصفا لمصدر أو تفسيرا للأشياء التي تحدث الآن.

وعكس الكثير من السياسيين المحيطين ببومدين من أمثال قايد احمد وعبد العزيز بوتفليقة واحمد مدغري وغيرهم فإن انخراطه في المسار السياسي الذي أعقب انقلاب 19 جوان 1965 لم يكن من منطلق الانتماء إلى جماعة ضد جماعة أخرى كما كان ذلك ديدن العسكريين خاصة، فقد برر انخراطه في المسار البومديني بالرغم من طابعه الانقلابي غير الديمقراطي بأنه كان دفاعا عن قناعاته المرتبطة بما ظل يعتبره إقرارا لمواثيق الثورة التحريرية التي تبنت برنامجا اشتراكيا جزائريا لا صلة له بالمادية التاريخية لماركس وأنجلز، كما قال، ولا بالشيوعية اللينينية ولا تابعا للكولونيالية الفرنسية كما كان يروج له حينها.

وتأسف عبد السلام من أن الذين ورثوا الحكم عن بومدين حادوا عن نهجه وقد كانوا من قبل قد أقسموا أن يظلوا أوفياء له منهم الرئيس الشاذلي بن جديد الذي شرع عام 1982 في سياسة تفكيك منظمة للنسيج الصناعي الذي بناه بلعيد عبد السلام، واستقدم لهذه المهمة الوزير الأول عبد الحميد ابراهيمي المعروف ب  la scienceعام 1983، وقد كانت العملية على خطوات أولاها إعادة هيكلة المؤسسات الاقتصادية قبل أن تأتي مرحلة استقلالية المؤسسات والردة عن نمط التسيير الاشتراكي للمؤسسات التي مهدت لحركية الخوصصة التي لا تزال قائمة إلى اليوم ضمن المشروع الجديد المسمى اقتصاد السوق الذي أتى ضمن قاعدة الإصلاحات الاقتصادية لمولود حمروش.

ولأن القناعات سجون لأصحابها فقد وجد بلعيد عبد السلام نفسه وحيدا في الساحة ليدافع عن الخيارات الاقتصادية المنتهجة في عهد بومدين بعدما سار الجميع مع موضة العصر التي أيدها انهيار المعسكر الاشتراكي مع نهاية الثمانينات، وتآكل الإرث البومديني على جميع الأصعدة. انتهز فرصة الانفتاح الديمقراطي لينهال على سياسة الشاذلي بن جديد الاقتصادية ويصدر كتابا تحت عنوان “الغاز الجزائري” وتصدر عنه مقابلة مطولة مع الباحثين السوسيولوجيين محفوظ بنون وعلي الكنز في كتاب من جزئين تحت عنوان “الصدفة والتاريخ، حوار مع بلعيد عبد السلام” وهما الكتابان اللذان أثارا جدلا دون أن يثنيا السلطة عن نهج الردة عن الخيارات الاقتصادية السابقة.

لم يكن الفصل الآخر الذي أعقب توقيف المسار الانتخابي واغتيال الرئيس محمد بوضياف أقل جدلا وإثارة من الفصول السابقة فقد وقع اختيار جماعة العسكر الذي أمسكوا بمقاليد القرار على بلعيد عبد السلام ليخلف سيد احمد غزالي على رأس الحكومة وقد يكون اختيار عبد السلام من وحي غزالي نفسه فهو تلميذه وخلفه على رأس سوناطراك إلا أن الخلفية العميقة لتعيين عبد السلام كانت التخلص تماما من مخلفات عهد الشاذلي بن جديد فالجماعة تعرف أنهما على طرفي نقيض. غير أن الرياح جرت بما لم تشته سفن جماعة العسكر آنذاك منهم خالد نزار ومحمد تواتي ومحمد مدين والعربي بلخير وغيرهم، فقد شرع الوافد الجديد على قصر الدكتور سعدان في ما أسماه اقتصاد الحرب بعدما رفض صندوق النقد الدولي التنازل عن سياسة إعادة جدولة ديون الجزائر وتطبيق برنامج التعديل الهيكلي في سبيل ذلك وشن حربا سياسية على من أسماهم العلمانيين الاندماجيين الذين أرادوا الاستيلاء على السلطة باغتنام الفراغ المؤسساتي آنذاك كما أقام حربا أخرى على ما أسماه مصالح اقتصادية يرعاها الجنرالات الذين ظل يقول إنهم عينوه وهم من بيدهم أمر إنهاء مهامه في رد على انتقادات ضده صدرت عن رئيس المجلس الأعلى للدولة علي كافي.

بدأ حربا كان يعلم مسبقا أنها خاسرة غير أنه أصر على مواصلتها انسجاما مع قناعاته وأفكاره التي لم يستطع رغم خطبه التي كانت تدوم لساعات أن يبلغها للشعب الذي كان يعيش بداية عشرية دموية امتزج فيها الفقر بالتهديد بالموت. انتهى به الأمر إلى الخروج من الحكومة في 19 أوت 1993 وهو اليوم الذي صادف اغتيال رئيس الحكومة الأسبق قاصدي مرباح.

عاد بلعيد مجددا بمناسبة الانتخابات الرئاسية لعام 1999 دون أن يفلح في الترشح وقد نصح بوتفليقة بالانسحاب من السباق وعدم تكرار تجربته مع الجنرالات لكن التاريخ أخذ مسارا آخر جعل الرجل يركن للتقاعد السياسي ولكتابة مذكراته التي، إذا أضيفت إلى مذكرات الشاذلي بن جديد واحمد طالب الإبراهيمي وغيرهما يمكن أن تشكل مراجع لدراسة تاريخ الجزائر المعاصر.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك