بعد الجائحة ستكون للروابط الاجتماعية و الإنسانية أهمية بالغة

الأخصائية النفسانية"هابط ملعيد" في حوار للوسط:

سنتناول خلال هذا اللقاء الذي جمع يومية “الوسط” بالأخصائية النفسانية العيادية الأستاذة “هابط ملعيد” أهم ما خلفته جائحة كورونا بعد مرور أشهر خاصة من الناحية النفسية للأفراد والمجتمع ككل إلى جانب المتغيرات التي ستطرأ فيما بعد على الروابط والعلاقات الإنسانية والاجتماعية وحتى الاقتصادية بين دول المعمورة وشعوبها وغيرها من الآثار السلبية والإيجابية التي ستكتشفونها في هذا الحوار .

 

حاورها:أحسن مرزوق

 

ماهي الآثار السلبية التي خلفتها جائحة كورونا بعد شهور على الأشخاص و المجتمع ؟

 

الإنسان اليوم يواجه أكبر اختبار نفسي على الإطلاق بسبب تفشي فيروس كورونا , فهو عاش ما يقارب 03 أشهر من العزلة و هذا ليس أبدا بالأمر الهين، فالحجر الصحي المفروض على حوالي مليار شخص حول العالم ادخل الإنسان دوامة استثنائية غير مسبوق لها من شأنها تقييد الحريات الفردية للأشخاص و هذا الوضع يتسبب بمشاكل نفسية عديدة مع الأفراد خصوصا الذين يفشلون في التعاطي الإيجابي لهذا الظرف  .

فالأعراض الغالبة التي ظهرت عليهم  تكمن في أعراض الإجهاد ما بعد الصدمة و الارتباك و القلق, ووصلت أحيانا إلى حالات الوسواس القهري الناتجة عن المخاوف من العدوى , فالفرد بطبيعة الحال يخاف على نفسه من المرض و يخاف أيضا على أقاربه و من يحب خصوصا كبار السن هذا ما يجعله في حالة خوف و إحباط كلما ظهرت لديه  بعض أعراض المرض, حتى و إن كانت مجرد تشابه بين الأعراض أي أنفلونزا خفيفة لكنها تدخله حالة اكتئاب حادة و تغمره بالأفكار السوداء و يصبح كثير الشرود و التفكير في نفسه  وفي مستقبله و في من حوله.

غالبا ما يطرح العديد من الأسئلة هل أنا مريض هل سأموت هل سأعدي أفراد عائلتي …..

هنا سيدخل في عزلة نفسية بعد أن كان في عزلة اجتماعية أين تصبح جميع اهتماماته تكمن في آخر المستجدات حول المرض حصيلة الموتى مثلا و عدد الحالات المتزايدة كل يوم و يقارن دائما ما يعانيه هو من أعراض بأعراض الفيروس و يغسل يديه و يعقمها مرات عديدة حتى و ان لم يخرج طوال اليوم و لم يكن هناك تلامس مع غيره

هنا الحالة النفسية للإنسان تكون مهيأة للإصابة بالاضطراب توهم المرض ( hypochondrie  ) يعاني المصاب به من وساوس تستحوذ على تفكيره و تشغله دائما بفكرة إصابته بمرض خطير أو مهدد لحياته تشعره بقلق بالغ و يستمر لعدة أشهر أو أكثر على الرغم من عدم وجود دليل طبي واضح يؤكد إصابته بالمرض المزعوم .

و من النتائج السلبية أيضا للحجر الصحي نجد اختلال توازن الروتين اليومي للفرد مما يجعله يغير جميع عاداته اليومية كأن يأكل في أي وقت و أي شيء و هذا ما يؤدي به الى السمنة و مشاكل صحية نتيجة الأكل العشوائي و أيضا الشعور بالخمول و الكسل وهناك من لجأ منهم الى الكحول و المخدرات من أجل الهروب من الواقع  خاصة بعد الشعور الرهيب بالوحدة الذي يعانيه معظم الأفراد بسبب الإبتعاد عن الأهل و الأقارب و فقدان الحرية ففي دراسة قامت بها مجلة the lancet الأمريكية الطبية حول الحالات التي تم فيها عزل الوالدين عن أطفالهم , فمن نتائج الدراسة وجدت أن ما لايقل عن 28% من الآباء المعزولين يعانون من اضطراب الصحة العقلية المرتبط بالصدمات كما تبين أيضا حوالي 10% من موظفي المستشفى المعزولين يعانون من مستوى مرتفع من الإكتئاب و كل هذه الأعراض تدوم أطول كلما زادت فترة الحجر الصحي

 

كيف تفسرين تنامي ظاهرة العنف الأسري خاصة ضد النساء في فترة الحجر الصحي ؟

 

 لقد حول الحجر الصحي حياة بعض النساء إلى جحيم مؤكد خصوصا و أن البقاء طوال اليوم في المنزل يزيد من فرص الاحتكاك اليومي مع الزوج و يجعل الخلافات الأسرية تتزايد حول شؤون التدبير المنزلي هذا من جهة و من جهة أخرى قلة المردود و الدخل اليومي يجعل الإنسان قلق من مستقبله المجهول و أكله و شربه و كيف يعيل أولاده و عائلته خصوصا أصحاب الأعمال الحرة التي توقفت أعمالهم تماما بسبب الفيروس و أصحاب الدخل المحدود  فبقاء الشخص دون عمل بعد أن تعود على الحركة و النشاط يشعره بالنقص و الدونية و عدم الجدوى و ينخفض لديه مستوى تقدير الذات مما يجعله إنسانا عدوانيا

فالعديد من البحوث النفسية حول موضوع تقدير الذات و السلوك العدواني قد وصلت غالبا إلى وجود علاقة طردية بين تقدير الذات و بين السلوك العدواني فكلما انخفض مستوى تقدير الذات كلما ارتفع مستوى السلوك العدواني و العكس صحيح ،فالمرأة قد لا تتعرض فقط للعنف الجسدي بل حتى للعنف اللفظي و النفسي مما يجعل حياتها أكثر صعوبة في تلك الفترة

ففيروس كورونا جعل الفرد يتعرف أكثر على أشخاص عاش معهم الدهر لكنه لم يكن قريبا منهم بسبب مشاغل الحياة , فالحجر الصحي كان الفرصة للتعرف عليهم اكثر لكن هناك من لم يحسن استغلال هذه الفرصة فأصبح يبحث عن أدق التفاصيل و أتفهها لعمل مشكلة و الشجار من أجل تفريغ الطاقة السلبية الناتجة عن الاكتئاب و الملل.

 

ماهي انعكاسات فيروس كورونا على الأطفال ؟

 

من ناحية الإصابة بالمرض أكدت بعض الدراسات التي قام بها أخصائيي الأمراض المُعدِيَة أن نسبة إصابة الأطفال ضعيفة وفقا لأرقام الإصابات في الصين لكن لا يوجد أي دليل على حصانتهم من المرض , و استنادا لدراسة المركز العربي للخلايا الجذرية فإن البروتين الموجود على سطح الخلايا الرئوية يختلف بين الصغار و الكبار و أن هذا الإختلاف قد يكون السبب الرئيسي في عدم إصابة الأطفال بهذا المرض حيث يستخدم الفيروس هذا البروتين للدخول إلى الخلية الرئوية و استخدامها للتكاثر

و أثبتت الدراسة أيضا أن الأطفال لا يصابون بالمرض و لكنهم يحملون الفيروس و لقد وجد العلماء تركيزا عاليا من الفيروس في المساحات الشرجية عندهم مما يفتح الباب أمام التكهنات بأن الفيروس قد ينتقل من الأطفال إلى الكبار بهذه الطريقة.

أما عن تأثير الحجر الصحي عليهم فمن المعروف أن الأسرة طالما كانت المدرسة الأولى للطفل هذا يعني أن الأطفال كانوا الواجهة لكل المشاكل الأسرية من عنف أسري و مشاجرات و تدني المستوى الاقتصادي و الدخل المحدود هذا من جهة و من جهة أخرى حرمانهم من الفصول الدراسية أين انقطع حوالي  300 مليون طفل حول العالم من الدراسة, و فكرة تقديم الدروس عبر الأنترنت ليست أبدا بالحل الناجع فالفجوة الرقمية تفرض نفسها فليست جميع الأسر تملك الوسائل اللازمة لذلك و لا تملك الموارد نفسها فهنالك ملايين الأطفال حول العالم لا يملكون انترنت و لا حتى جهاز حاسوب.

فالحجر الصحي إذا جعل الأطفال الفئة الأكثر تضررا فعدم ذهابهم إلى المدارس تجاوز مجرد الملل و التعب أو فقدان التواصل الاجتماعي بل تعدى إلى خمول و تشتت قدراتهم الإدراكية و المعرفية و هناك دروس و مواضيع ستظل عالقة و كفاءات لن تستقر.

 

كيف تتصورين مرحلة ما بعد الكورونا ؟

 

لابد من حدوث تغيرات عميقة في شتى المجالات خصوصا الاقتصادية و الاجتماعية فالركود الاقتصادي الذي حل بالعالم سيأثر سلبا على المستوى المعيشي في الوقت الراهن و مستقبلا

بعد انتهاء جائحة كرونا لابد أن يعيد الإنسان جميع حساباته فالحقيقة أن هذا الوباء قد أجبرنا على التباعد الجسدي لكنه في نفس الوقت قرب الناس فيما بينهم , اقتربت العائلات و الأصدقاء و الجيران تخلوا عن الخلافات غير المعلنة و النزاعات .و يصبحون أكثر نظرا لبعضهم البعض .

فعلى الأرجح بعد هذا الفيروس سيغير الإنسان بعض عاداته السلوكية إلى الأفضل و يعيد ترتيب أولويات حياته و يصبح الناس أكثر تكيفا مع المستجدات و يتعاملون بشكل أفضل مع المتغيرات و كل جديد طارئ , و الأهم هو إدراك الإنسان لأهمية العلاقات الاجتماعية في حياته.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك