بداية الإجماع على عقد الاجتماع

في الطريق إلى الصومام

بقلم احسن خلاص

لم يكن انعقاد اجتماع الصومام غاية في ذاته، بل وسيلة من الوسائل الضرورية على طريق النصر بعد أن بدأت الريبة والشك يزولان من قلوب المجاهدين وهم يرون الثورة تتعزز بانضمام مناضلين من التيارات السياسية الأخرى وبأن سياسة جاك سوستال بدأت تتضح حدودها ولابد من إفشالها وهو الذي زار مدير ديوانه مونتاي في سجن بربروس كلا من بن خده وكيوان من المركزيين ومولاي مرباح ووقواق من الميصاليين واستقبل بنفسه الشيخ خير الدين من جمعية العلماء وشرشالي من المركزيين ونصحهم بإنشاء “تجمع وطني شرعي معقول” تستطيع الحكومة الفرنسية أن تتحدث معه.

غير أن القائد زيروت يوسف ومعه قادة المنطقة الثانية رأوا أن الوقت قد حان للقيام بضربة واحدة تكون قوية بحيث تحصد معها أهدافا متعددة أولها فك الخناق عن المنطقة الأولى التي وجه الجيش الفرنسي جل قواته إليها لإخماد الثورة هناك قبل التفرغ للمناطق الأخرى، وثانيها المساعدة على طرح الثورة الجزائرية عبر وسائل الإعلام العالمية لعلها تظفر باهتمام أكبر لدى المجموعة الدولية وثالثها المساعدة على إفشال خطة سوستال وهو ما حدث، فهجمات الشمال القسنطيني التي حدثت في 20 أوت 1955 فرضت على سوستال التخلي عن سياسة البحث عن المعتدلين واتجه نحو تعزيز سياسة القمع الشامل معيدا بذلك عداد الثورة إلى بدايته وأفسح المجال لقيادة مدينة الجزائروعلى رأسها رمضان عبان لإدماج القوى المعتدلة التي تحدثنا عنها في العمل الراديكالي الثوري دون رجعة أو تردد. وبالرغم من العدد الكبير من ضحايا ردة فعل الجيش الفرنسي الوحشية على الهجمات، وقد بلغ 20 ألفا من المدنيين، إلا أنها أعادت النفس إلى الثورة في الميدان بعد ما يقرب من عام من الريبة والتيه ونشطت العمل المسلح في مناطق أخرى منها المنطقة الخامسة التي تزودت بالسلاح، ودفعت قادة الثورة في كل المناطق للتفكير جديا في الانتقال من مرحلة إفشال سياسة الاستعمار إلى البحث عن خلق شروط النصر.

ومن شروط النصر توطيد الصلة مع الوفد الخارجي من جديد بعد أن انقطعت بسبب غياب أغلب القادة الأوائل الذي صعب مهمة بوضياف، ففي سبتمبر من عام 1955 شرع رمضان عبان فى سلسلة من المراسلات مع الوفد بالقاهرة وكشف عنها مبروك بلحوسين في كتابه: المراسلات بين الداخل والخارج، الجزائر-القاهرة بين 1954 و1956. هذه المراسلات، بقدر ما بينت حدة اللهجة الثورية وصراحتها وطابعها الديمقراطي فقد أماطت اللثام عن الظروف التي كانت سائدة قبل انعقاد اجتماع الصومام، بينت كيف أن قادة الثورة كانوا في سباق مع الزمن أمام تطور عمليات القمع وحاجة الثورة إلى التزود بالسلاح وبتنظيم متطور قادر على مواجهة القوات الفرنسية التي تضاعف عددها منذ 1955 بالتحاق الضباط الدمويين الذين فشلوا في الهند الصينية وأرادوا الثأر لعزتهم وجبروتهم في الجزائر.

ولم تقف اتصالات رمضان عبان عند الوفد الخارجي فحسب، وهو الذي وجد نفسه بحكم الوضع القيادي الجديد للثورة والأهمية السياسية لمدينة الجزائر في موقع المنسق بين القيادات الثورية في الداخل والخارج، بل شرع في اتصالات مع قادة الداخل فقد أرسل في البداية عمارة رشيد إلى يوسف زيروت لاستطلاع الوضع في الشمال القسنطيني والتشاور في شؤون الثورة فما كان من زيروت وبن طوبال إلا أن بعثا بدورهما برسالة مع محفوظ بنون إلى عبان يقترحان عليه الذهاب عاجلا نحو عقد مؤتمر وطني. وهو ما أكدته مراسلة من عبان إلى الوفد الخارجي وقد جاء فيها: “نحن على اتصال بمنطقة قسنطينة. التقينا مع المسؤولين وننوي أن نعقد في مكان ما في الجزائر اجتماعا هاما لكبار مسؤولي مناطق قسنطينة والجزائر ووهران. وبمجرد ما ننتهي من إعداد كل شيء سوف نطلب منكم إرسال ممثل أو اثنين لأن قرارات هامة سوف تتخذ.”

الملاحظ في هذه الفقرة أن عبان لم يشر إلى مشاركة المنطقة الأولى، أوراس النمامشة، التي لم تتأكد بسبب صعوبة الاتصال بها الناجم عن الحصار المضروب عليها ومشكلاتها القيادية في غياب بن بولعيد بسجن الكودية قبل أن يفر منه في خريف 1955. وهنا يذكر المؤرخ خالفة معمري شهادة نقلها عن سعد دحلب الذي أرسله عبان في أفريل 1956 إلى منطقة الاوراس للتشاور مع مصطفى بن بولعيد حول اجتماع قادة الثورة المنتظر، وفي طريقه إلى الاوراس توقف دحلب عند زيروت يوسف ليسأله عن حال قائد المنطقة فرد عليه زيروت أن الرجل يكون قد استشهد وله أن يساعده على مواصلة الطريق إليه ليتأكد من الأمر فعاد دحلب أدراجه إلى مدينة الجزائر تاركا علامات استفهام حول وضع المنطقة الأولى. لقد كان حرص قادة الثورة على مشاركة منطقة الاوراس شديدا بالنظر لأهميتها وريادتها في الكفاح تماما مثل كان حرصهم على أن لا تنطلق الثورة في 1954 دون مشاركة منطقة القبائل، لكن صعوبة تمثيل المنطقة كما سنرى لاحقا حالت دون مشاركتها.

كان السداسي الأول لعام 1956 حافلا بالأحداث التي ساهمت بشكل كبير في رسم معالم الاجتماع الكبير القادم فقد اتجهت جبهة التحرير الوطني بمدينة الجزائر نحو تنظيم مختلف الفئات الاجتماعية فكان ميلاد الاتحاد العام للعمال الجزائريين بقيادة ايدير عيسات وبإشراف من عبان وبن خده ثم تلاه إنشاء الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين وامتدت عدوى التنظيم إلى الطلبة الذين أسسوا الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين ودخل الثانويون في إضراب عن الدراسة قبل الالتحاق بمعاقل الثورة. وبهذا ارتسم الوجه المدني للثورة ليعضد وجهها العسكري الذي انطلقت به في نوفمبر 1954 ليكوّنا عملة الثورة الواحدة، ثورة الشعب الجزائري الذي توجه إليه النداء الأول.
يتبع

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك