باستور وراوول وبوناطيرو

كورونا وسلطان العلم

بقلم: احسن خلاص

وهو يشق طريقه نحو مستقر مجهول، ما فتئ وباء كورونا يدمر أحكاما كان العالم قد رفعها من إلى درجة اليقين، وينشئ بدلها أزمة أخلاقية حادة يصاحبها قلق إنساني مشروع أمام انهيار منظومات القيم الإنسانية التي ثبتتها مواثيق عالمية ارتفعت إلى درجة التقديس ودعم أسسها مجهود فكري وإيديولوجي للتأسيس لمفاهيم ما بعد الصناعة وما بعد الحداثة ونهاية التاريخ وغيرها من العناوين التي نشطت الفكر الاستشرافي ابتداء من النصف الثاني من القرن الماضي، ولابد أنها ستجد نفسها اليوم أمام وضع جديد كاد يحطم موروثا فكريا بنت عليه المجتمعات النيوليبرالية أسس وجودها وكانت تنوي أن تمدد من صلاحيته إلى أبعد الآجال.

 

لقد أعلنت البعثة الأوروبية إعانة ب10 ملايين أورو لدعم البحث العلمي حول فيروس كورونا كما أعلنت مؤسسات أوروبية وصينية دعما بملايين الأورو للغرض ذاته وقد يسلك العديد من المؤسسات الاقتصادية الرأسمالية الكبرى هذه الطريق على أمل أن ينقذ العلم العالم من هذه الجائحة المدمرة للإنسان للموروث المادي والفكري الذي قامت عليه المجتمعات الصناعية الكبرى.

 

لقد بدأت هذه المجتمعات المهيمنة على العالم توقن أن العلم هو ذلك الشيء الذي يبقى عندما لا يبقى شيء نرجع إليه في عالم الشهادة وإذا نجح في تخطي هذه الأزمة الكبرى فإنه سيمثل دون منازع الشرعية الأولى والأخيرة التي ستحكم العالم. سيظهر البحث العلمي بمظهر المنتصر في الحرب وسيفرض شروطه على أقرانه من الديانات وجميع الشرعيات الغيبية والربحية على طاولة المفاوضات حين تتعزز ببروز تيارات فكرية مبررة للشرعية الجديدة وهي التي استيقظت على حقيقة مرة أشعرتها بالعار والخزي وهي ترى أن كل ما بذلته في سبيل دعم البحث العلمي والميزانيات الضخمة التي رصدتها من أجله، قد اتضح أنه لا يساوي جناح بعوضة أمام قوة ما ألمّ بالعالم وتحدى الإنسان في كرامته قبل أن يتحداه في حياته.

 

ماذا يمكن أن نقول عن مجتمعاتنا التابعة كليا لمنتجات العالم الصناعي المتقدم؟ هل ستظل تنتظر ما يجود به هذا العالم وقد بينت أولى مؤشرات الوباء أن مكونات هذا العالم تتجه نحو التفكك والانغلاق على نفسها في سباق وجودي محموم سيحسمه التفوق العلمي لهذا البلد على ذاك في عالم سيعيد العلم ترتيب أوراقه بعد أن تجتاز شرعيته أروقة الحكم واللوبيات ليطالب الجميع بنصيبه منه وهو ما يظهره الجدل القائم حول الدواء الذي بشر به الطبيب الفرنسي ديديي راوول المشتق من الكلوروكين وكان قد تم تجريبه في معالجة الملاريا هذا الدواء الذي ترددت السلطات الفرنسية في قبوله لا يزال يثير الجدل بين المواطنين المدافعين عنه وبين مؤسسات البحث، وعلى رأسها معهد باستور، الرافضة لاعتماده رسميا مما أوقعها في تهمة خدمة المصالح التجارية للمختبرات الصيدلانية المدعمة سياسيا من قبل السلطة. إنها معركة جديدة نشأت حول قيادة شرعية البحث العلمي وجدل فلسفي حول جدوى البحث العلمي إذا لم يكن في خدمة الإنسانية وظل حبيس الاحتكارات التي سادت في المجالات الأخرى ضمن المنظومة الليبرالية التقليدية. وعكس بوناطيرو الذي لم يجد سندا شعبيا في الجزائر، ربما لكون الجدل العلمي آخر اهتمامات الجزائريين، فإن راوول نجح في تحويل اكتشافه إلى قضية رأي عام أحرجت السلطات الفرنسية بالأخص.

 

ونحن في الجزائر ومن حولنا العالم الناشئ والنامي كله، بعيدون عن هذه المعركة تماما، نتفرج عليها كما كنا نتفرج على مباريات البطولات الأوروبية لكرة القدم ونتابع منتظرين من يحسم النتيجة النهائية بقيادة نجوم العلم هذه المرة. لقد أنشأت متابعة الجزائريين للمستوى الراقي والاحترافي لكرة القدم الأوروبية دافعا لديهم للاستعانة باللاعبين الجزائريين الناشطين ضمن هذه المنظومة الكروية لتكوين منتخب وطني حقق الندية والنتائج الإيجابية قاريا ودوليا، فلماذا لا يشكل العلم الدافع ذاته لتشكيل نخبة من العلماء والأطباء في الجزائر لاسيما وأن أكثر من ربع الطاقم الطبي الناشط في فرنسا مثلا جزائري الأصل وأن الجزائريين ينشطون في مختلف جامعات ومراكز البحث العلمي في العالم المتقدم.

 

لقد أثبتت أزمة الكورونا أن شراء منتجات البحث العلمي غير متاحة بالضرورة ولا حتى خدمات العلماء مثل ما حدث لترامب الذي فشل في شراء منتجات بحث مختبري شرع فيه العلماء الألمان بعدما صار العلم سلعة ثمينة لا تصدرها الدول إلا بعد أن تضمن اكتفاء ذاتيا في منتجاته. فلا مفر من استنفار قدراتنا العلمية وقبلها إحداث ثورة في منظومتنا التعليمية والتربوية والقضاء على جميع أشكال الجهل والشعوذة وإعادة النظر في سلم القيم الذي ورثه المجتمع وتحرير العقل والمبادرة فلا يعقل أن تبقى اختبارات الفيروس حكرا على معهد باستور الذي لا يتجاوز عدد الخاضعين لاختباراته المائة يوميا في حين يبقى الآلاف من المواطنين المحتمل إصابتهم خارج المعلومة العلمية خاضعين للدعاية والإشاعة وفريسة للشعوذة بمختلف أشكالها وصورها، دون الحديث عن ضعف دقة الإحصائيات التي يقدمها المعهد بالنظر إلى عدد المصابين الذين يتجولون في الطبيعة ولا يعرفون إلى الاختبار العلمي سبيلا.

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك