انهيار أمريكا.. أم انهيار العالم

بقلم: صالح عوض

 

ما يجري في أمريكا من فوضى إدارة واضطراب ليس عارضا إنما يعكس أزمة حقيقية؟ فماذا لو انهارت أمريكا؟ أي عالم سنعيش؟ و من يمتلك أن يكون البديل؟ هل يصلح الشيوعيون الصينيون لقيادة البشرية وهم لا يستطيعوا أن يستوعبوا مخالفا واحدا في الرأي؟ أم أن روسيا القيصرية البوليسية المنهمكة بترميم الدولة بعد الضياع؟ ثم إذا فقد العالم قطبية أمريكا كيف سيتم توزيع الخريطة السياسية العالمية؟ هل يكون مصير القوى المتزامنة الانهيار عند انهيار الإمبراطورية الأمريكية؟ ألم تشترك معها في النهج والغايات؟هل تندلع الحروب في العالم ويكون التسيد للعصابات والمليشيات وذوي النزعات الطائفية والعرقية؟ في هذه المعمعة المنتظرة هل تظل بلاد العرب رخوة كما هو حالها اليوم؟ ما هي حصة تركيا وإيران من بلاد العرب؟ هل يكتفي الجاران المسلمان بالعراق وسورية أم أن اليمن والبحرين والكويت وليبيا ستقع تحت مبضع التقاسم؟ وهل يصل الاستفزاز بالعرب كما حصل على يد كسرى ذات يوم بعد ان استخف بالعرب وبالغ في إذلالهم واغتصاب حقوقهم فنهضت فيهم نخوتهم فجمعوا أمرهم و جدعوا انفه وبددوا جنده وكانت ذي قار معلما نفسيا تاريخيا لا ينسى؟.. وهل ما نحتاجه ذي قار أم القادسية واليرموك ورموزنا العظيمة من سعد وخالد إلى عقبة وطارق؟ هل ندرك قيمة ما نمتلك من موقع وثروة ومنهج وكتلة بشرية يقظة؟ إنها جدلية الواقع مع التاريخ وبناء المستقبل.. إنها محاولتنا الدءوبة لإحياء روايتنا برموزها ومعالم منهجها لنهزم رواية الهزيمة والمنهزمين، ونسجل على صخرة القدس معراجنا الثاني بحرف عربي مبين.

حتمية الانهيار:

كانت إمبراطورية روما أعظم دولة من حيث الاتساع في التاريخ ومن حيث سعة ثرواتها وسيطرتها على أوروبا و المشرق العربي وشمال إفريقيا إلا أنها انهارت في خاتمة الأمر..  

المؤرخ الانجليزي الشهير “إدوارد جيبون”، صاحب كتاب (اضمحلال الإمبراطورية الرومانية وسقوطها) الذي يعدّ من أهم وأعظم المراجع في موضوعه، عزا انهيار الدولة الرومانية إلى: “تبلُد الشعور بـ”الصالح العام” لدى المواطنين، فضلا عن أن الحكومة كانت مرهقة من خوض حروب عديدة في الخارج، وبات القادة الرومان يظنون أنه لا حدود لقدرتهم على توسيع نطاق سُلطتهم”.. وظلت هذه المرجعية التفسيرية متحكمة في العقل الثقافي الأمريكي عقود عديدة. .  

بتأمل حركة الإمبراطورية الأمريكية نرى إنها تسير على خطى روما.. وتقع في أخطائها الإستراتيجية نفسها بدءا من حركتها على الصعيد العالمي وانتهاء بما تسرب في أذهان الجمهور من أفكار ومشاعر، فعلى الصعيد الخارجي بدلاً من أن تعمل على التوافق – تصرّ على فرْض بالقوة واقع جيوسياسي حول العالم، وهو نفس الأمر الذي كان أحد أسباب انهيار الإمبراطورية الرومانية.. وتنتهي إلى ما انتهت إليه الإمبراطورية الرومانية بالإحساس بقرب الانهيار ومركب من الخوف فاتجهت إلى الدعاية المفتعلة دفاعا نفسيا فلقد أصبحت تنفق أكثر مما تكسب وتستعدي الكون ضدها وأصبح انهيارها مصلحة كونية بعد أن أثبتت أن لا تحالفات ولا صداقات ولا مبادئ إنما هي الخيانة والغطرسة المستمرتين..إن الرومان كانوا يصِمون كل مَن يقاوم طموحهم بـ”البرابرة”، تماما كما يصم الأمريكيون اليوم مَن يقاوم طموحهم بـ”الإرهابيين”.  

   لقد رفض قادة الرومان مقولة “إن فرْض نفوذ أجنبي يدفع إلى التمرد” فسقطت دولتهم؛ واليوم نفس سوء التقدير الذي قتل روما يرسم “النهج الأمريكي إزاء العالم”.. وللتأكيد حول ظواهر الانهيار الوشيك للإمبراطورية الأمريكية فلابد من ملاحظة مؤشرات السقوط في ميادين ثلاثة:1-الانهيار الاقتصادي،  2- الانكسار العسكري، 3- السقوط السياسي والحضاري.. لكن السؤال أين تقع الإمبراطورية الأمريكية على منحنى الانهيار؟ وهل كورونا عجل من وتيرة الانهيار؟

أمريكا وأوربا:

عندما اندفع الغرب منذ 500 عام كانت قوة الدفع فيه هائلة ولأسباب عديدة ذاتية وموضوعية يتعلق بعضها بنمط ثقافته ورؤيته للحياة والمنافسة والاستهلاك والتجارب العلمية وأخلاقيات العمل المتحركة فيه وفي المقابل انهيار الحضارات الأخرى بعد ان فعلت بها السنن والنواميس فعلها..

لقد كانت دول الاستعمار الإحدى عشر في بداية مشروعها تسيطر على 10 بالمائة من مساحة العالم و15 بالمائة من عدد سكانه، وفي حلول عام 1915 أصبحت تسيطر على 70 بالمائة من اليابسة وعلى79 بالمائة من الإنتاج الاقتصادي العالمي..

 لقد انساح الاستعمار الغربي بقوة في آسيا وإفريقيا بجيوشه ومستشرقيه ومن ثم ورثت الإدارة الأمريكية ما أنجزه الاستعمار القديم وأجرت تعديلات عليه بما يتناسب مع أهدافها الكونية.. لابد من القول إن الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا قد فقدت ذلك الطراز المميز من القيادة التاريخية، الذي كان مسكونا بروح المغامرة والنهضة الأمريكية الجبارة، وانتهى الأمر بالولايات المتحدة الأمريكية في السنوات الأخيرة الى تقديم أردأ النماذج على المستوى السياسي والثقافي والأخلاقي.. فمن ترومان وكندي وايزنهاور أصبح الأمر بيد العربيد جورج بوش “الابن” والمرتبك ترمب الذي كشف الغطاء عن واقع الإمبراطورية.

أما الاستعمار الأوربي فلقد انكسر باندلاع حركات التحرير في أفريقيا واسيا وعلى رأسها الثورة الجزائرية التي فككت الاستعمار الفرنسي.. وبلغت الشيخوخة مفاصله ولم ينقذه قيام الاتحاد الأوربي وقد ظهر عجزه أمام أزمة كورونا.

أنشأت أمريكا وارويا كيانات اقتصادية كمنظمة التجارة الدولية وصندوق النقد الدولي ومؤسسات سياسية و عممت العولمة والأحلاف وسوى ذلك من عناوين كلها تتهاوى اليوم على وقع خسائر اقتصادية تكبدها النظام الدولي نتيجة الحروب في العراق وأفغانستان و كورونا، وما خروج بريطانيا من الاتحاد إلا إشارة للحال.. 

وضمن أخطاء القوة الغاشمة اعتمدت الإدارة الأمريكية الحرب مع حكومة أفغانستان وحكومة العراق بدل التفاهم، فكانت الحرب التي خسرت أمريكا فيها 8 تريليون دولار وعشرات آلاف القتلى ثم الهزيمة المذلة وأثارها على الداخل الأمريكي.. ولئن استطاعت الدول الأوربية إسقاط نظام القذافي والدفع لتدمير سورية والعراق لتنهب الثروات العديدة فهي دفعت ثمن ذلك من الهجرات المتوالية إليها ومن إرهاب مسلح وصل إلى مأمنها..  

كانت الصورة المنقولة عن أمريكا بعد الانتهاء من الحروب الأهلية ولعقود طويلة انها واحة الحرية والقوانين الإنسانية، على صعيد مكوناتها الاجتماعية، وبدأ الجنوح الى الأفكار المحلية والإحتمائية والعنصرية الاستبدادية، وهنا حصل الاضطراب على صعيد الرؤية الأمريكية خارجيا وداخليا لتفقد أمريكا منزلتها بين البشر؟   

ولكن لابد من القول: إن المزاج الشعبي العام  الأمريكي والأوربي يتنامى ضد التدخل العسكري ولقد تشكلت قوى اجتماعية وثقافية لفضح العدوان.. وهذا ما يجعل الموقف الأمريكي اليوم مضطربا إزاء ما يحصل في العراق وسورية ولبنان اضطرابا يفقده المبادرة، ويجعله في واقع من استثمر في الحراثة والزرع وترك سواه ليجني وفي هذا الفراغ يتحرك الروس.  

لقد صدر في أمريكا العشرات من الكتب التي تتحدث عن انهيار الإمبراطورية الأمريكية ، ابرز هذه الكتب ”حدود القوة .. نهاية الاستثنائية الأمريكية“ الذي ألفه أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية في جامعة بوسطن آندرو باسيف. كذلك كتاب ”حرب الثلاثة تريليون دولار“ لمؤلفيه (جوزيف ستيجلتز) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2000 و (ليندا بيلمز) الأستاذة بجامعة هارفارد .

من خلال متابعة تطورات الوضع الاقتصادي والاطلاع على تقديرات المحللين العالميين والامريكيين تبرز عدة مؤشرات على الانهيار الوشيك وهي كالآتي :

1- ارتفاع العجز في الميزان التجاري بسبب زيادة الاستيراد من الخارج وتراجع الصادرات الأمريكية وفقا لوزارة التجارة الأمريكية.

2- دين الولايات المتحدة وبحسب “ساعة الدين” (US Debt Clock)، تجاوز 22.51 تريليون وان الناتج المحلي الإجمالي GDP 21.31 تريليون دولار!!.. ومن المتوقع أن يرتفع الدين من 78% من الناتج المحلي بنهاية السنة الجارية، إلى 92% عام 2029، وسيواصل الارتفاع اذ ليس أمامها سوى المزيد من الاقتراض!!، وفي تقرير للفريق الاقتصادي لـ ”CNN“ في مارس الماضي فإن الأرقام الرسمية لا تتضمن [بنود مخفية] ترفع حجم الديون إلى أرقام فلكية!! 

3- ارتفاع تكلفة الحربين في أفغانستان والعراق مابين 4 او 6 تريليون دولار كما صرح بذلك كل من (جوزيف ستيجلتز) الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد عام 2000 و (ليندا بيلمز) الأستاذة بجامعة هارفارد في كتاب ”حرب الثلاثة تريليون دولار“

4- أكدت وزارة التجارة الأمريكية على تراجع الطلب على المنتجات الأمريكية -الغير دفاعية- في الأسواق العالمية وهذا التباطؤ يقرب البلد من الإفلاس.

5- اهتزاز أسواق الأسهم الأمريكية وفقدان الثقة بها، حيث تسببت أزمة الائتمان الأمريكي في غياب الثقة الدولية في أسواق المال الأمريكية.

6- إغلاق عشرات الآلاف من المصانع وتسريح العاملين فيها، ويستمر الانهيار الأمر الذي يدفع بالرئيس الأمريكي ان يعلن ضرورة الموازنة بين الصحة والاقتصاد داعيا الى فتح الولايات.

7- تخلص المستثمرين من الدولار بشراء الذهب كمخزن للقيمة الذي ترتب عليه ارتفاع قيمة الذهب إلى مستويات قياسية.

8- ارتفعت معدلات الفقر في الولايات المتحدة فحسب تقرير أممي: “إن ما يصل إلى 41 مليون شخص، أو نحو 12.7 بالمائة يعيشون في فقر، فيما يعيش 18.5 مليون في فقر مدقع، ويشكل الأطفال واحدا من كل ثلاثة فقراء.” كما ارتفع عدد سكان الولايات المتحدة المحرومين من التأمين الصحي 16.7 % من مجموع السكان.

9- تزايد نسبة البطالة في الولايات المتحدة انتقال بعض الصناعات إلى دول آسيوية إلى جانب إغراق أسواق الولايات المتحدة المفتوحة بالبضائع الآسيوية الرخيصة. 

اما على الصعيد العسكري فيكفي الإشارة الى حروب أمريكا الخارجية وآثارها على المجتمع الأمريكي فلقد هرب 40.000 ألف جندي من كل أفرع الجيش بسبب الرعب الذي شاهدوه في العراق و أفغانستان، وان أكثر من 58 ألف من الجنود الذين خدموا في العراق و أفغانستان فقدوا السمع تماما، بينما أصيب ما يقارب من 70.000 من الجنود بطنين في الأذن. كما أصيب 630 ألف جندي بالاكتئاب أو ارتجاج في المخ بعدما انهوا الخدمة، كما تسجل سنويا اكثر من 12000 محاولة انتحار بين الجنود الذين خدموا في العراق وأفغانستان.

ومن جهة أخرى لا تقل خطورة عن ذلك أزمة من نوع آخر حيث تتضح الأزمة البنيوية في النظام السياسي الأمريكي الذي يواجه تحديات متصاعدة من قبل الرئاسة المستبدة من جهة ومن قبل قوى المال المهيمنة وأدواتها والمؤسسات الدستورية التي يبدو كل منها في اتجاه ومثل هذا التنافر يظهر في حالات الخسارات الكبرى حيث يبحث كل طرف عن كبش فداء.

وعلى مستوى العالم أصبحت أمريكا اليوم في حالة اشتباك مع كل دول العالم في أوربا وفي آسيا وأمريكا اللاتينية، مع روسيا والصين والعرب.. حرب بالسلاح او بالمال او بالإعلام.. وكل هذا يرفع فاتورة الإنفاق العام الى درجة حدوث هزات عنيفة مرة تلو الأخرى في جدار الاقتصاد الأمريكي..

   الخطر على الإمبراطورية لا يأتي من مجموعات القاعدة أو الإرهاب “الإسلامي”..بل من الأزمة المالية الكامنة في أحشاء الإمبراطورية حيث طوى النسيان كثير من المؤسسات المالية الضخمة في أمريكا وأوربا وجاءت كورونا بالتحدي..   

انهيار الجميع:

الانهيار المستمر في أمريكا لا يعني بالضرورة ان البشرية تمتلك بديلا يستطيع ان يضبط إيقاع حركة البشرية في نظام ما.. فلا الصين المهووسة اقتصاديا والبائسة اجتماعيا تمثل نموذجا بديلا ولا الروس حيث الديكتاتورية السياسية والانغلاق الأمني للبلد.. فلقد تفردت الولايات المتحدة الأمريكية بفتح حدودها أمام جميع الطاقات والخبرات من شتى دول العالم  نحو صناعة أعظم نهضة تكنولوجية وأعظم اقتصاد عالمي.

تقوم أمريكا الآن بتحطيم النماذج المتزامنة.. هذا جوهر موقفها من الصين وأوربا وروسيا وهنا لابد ان نوضح ان كل النماذج الأخرى إنما هي في نفس الوعاء الحضاري الغربي وهي لا تمثل نقيضا حضاريا له و هي جميعا مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي..من هنا يمكننا التنبؤ بسقوطها جميعا في ظل انهيار الاقتصاد الأمريكي والهيمنة الأمريكية..سيسقط الجميع معا.

وكما كان تدمير الحضارة الرومانية للقوى المتزامنة هو السبيل لظهور قوة كانت في الهامش والتشتت-العرب- الى الظهور الحضاري الفاعل والسريع لامتلاكها الرسالة والرؤية والموقع الاستراتيجي تطل الدورة الحضارية القادمة للعرب بالإسلام ولكن ذلك يستدعي نهضة بحجم المهمة والدور.. والله غالب على أمره.  

 

 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك