انفجار بيروت .. أم انفجار الدولة اللبنانية

الحذر

بقلم: صالح عوض

ماذا بعد انفجار المرفأ؟ هل هي الشرارة لانفجار لبنان كله؟.. أم الشرارة لانفجار النظام السياسي الذي أرسى معالمه الاستعمار الفرنسي؟ هل هي نهاية أول كيان طائفي في الأمة؟ أم انفجار المنطقة وإعادة تشكلها؟ هذه الانتفاضة العارمة الملونة بدم بيروت وعفارها ماذا تريد؟ وإلى أين تسير؟ ومن سينجو منها؟ من المستفيد من بعثرة بيروت وإحالتها إلى الإنعاش؟ إلى أين هو لبنان ذاهب؟ وما هو مصير المقاومة؟

انتفاضة الغضب:

يلاحظ المتابعون للشأن اللبناني أن انفجار مرفأ بيروت وقتل مئات اللبنانيين وإصابة الآلاف بجراح وتشريد 300 ألف بيروتي من بيوتهم وتدمير أهم مجالات الكسب والعمل في لبنان إنما هو تعبير عن ذروة التعفن السياسي والاستهتار بالوطن الذي أصبح سلوكا مشتركا من قبل الكل السياسي اللبناني نتيجة التوزع الطائفي والتنمر الطائفي والاحتماء بالطائفية المسلحة.  

يخرج الشعب بغضب إلى الشوارع ينصب المشانق للسياسيين في ميادين بيروت ويهتف لخروج الجميع من المسرح السياسي منددا بكل الطبقة السياسية ورافعا شعارات لأول مرة تتجلى بالوضوح مناديا ببيروت منزوعة السلاح في إشارة لسلاح حزب الله،وحركة أمل و يقتحم شباب الحراك بعنفوان بالغ وزارة الخارجية، وعديد الوزارات ويحاصرون البرلمان ويطردون من الساحات المسئولين الكبار..   

صحيح ان الحراك بدأ منذ 17 أكتوبر الماضي وبموجات قوية في مراحل عدة في بيروت وطرابلس وصيدا وبعلبك إلا انه في هذه المرة يأخذ اتجاها أكثر حدة وحسما في مؤسسات الدولة ومسئوليها الأمر الذي يتهدد الأوضاع الرسمية بالانهيار في ظل ضغوط داخلية وخارجية عنيفة وعجز مالي بلغ الذروة.. وتتصاعد الأزمة المالية بعد تسريب العملة الصعبة من البنوك اللبنانية الأمر الذي أدّى الى انهيار العملة اللبنانية وما لحق ذلك من إرهاق للقدرة الشرائية وإحالة قطاعات واسعة من الشعب إلى العوز والاحتياج.

هذا كله في ظل تنامي الحديث عن فساد إداري ومالي مستشر في مفاصل الدولة ومرافقها بعد أن أصبحت المواقع السيادية مكان ابتزاز من قبل الموظفين والمسئولين لقطاعات الشعب حتى لأولئك الذين ينتمون إليهم طائفيا بعد أن تم توزيع البلد طائفيا فمثلا يتوزع عدد المرشحين للكلية العسكرية والأمن على الطوائف ونظرا لأهمية الوظيف الحكومي في هذه الأجهزة وامتيازاته يبتز المسؤول الطائفي كنبيه بري مثلا أبناء طائفته الذين يرغبون في الالتحاق بالكليات الامنية فيشترط دفع مئات آلاف الدولارات مقابل كل موافقة على الإدراج في قوائم المرشحين.. 

ولقد وجد كثير من الفاسدين الذين اشتهروا بالفساد والمحسوبية والرشوة الكبيرة حماية من زعماء الطوائف الذين يتوزعون المناصب في الدولة.. ولقد بلغت المديونية أرقاما فلكية على بلد يسجل العجز السنوي فيه نموا مضطردا..

وفي المشهد اللبناني الداخلي أيضا أصاب الشلل معظم المؤسسات واقتصرت مهمات الدولة على مسائل شكلية بعد أن هتك الطائفيون بسيادتها فيكفي أن نتذكر كيف تم إخراج عميل لإسرائيل كبير من السجن بأمر قضائي وتهريبه من لبنان وتم إغلاق الملف تماما.. 

لقد بلغ الاحتقان مداه في شعب يرى نفسه مسرحا لمعارك الآخرين وبلده موزعة على نفوذ السفارات المتنوعة وكل سفير بمثابة مندوب سام على أتباع طائفة معينة.. من الفرنسي الى السعودي والإيراني.

كل هذه التراكمات انفجرت مع حدوث المأساة في المرفأ التي هزت بيروت ولبنان ولم تتوقف تداعياتها داخل حدود لبنان.. فنهض أصحاب المصالح يبحثون عن أدوارهم : فرنسا وأمريكا -دور واحد-، والصين -دور متربص-، وتركيا -دور نشط-، والكيان الصهيوني من خلال الدعاية.. إلا النظام العربي الذي ترك المسرح فارغا لكي يملأه الطامعون متخليا عن بلد عربي يئن ألما بعد أن وجد نفسه وحيدا.. استجاب اللبنانيون لدعوة الخروج إلى الشارع لإسقاط “الدولة اللبنانية “الفاسدة” الطائفية “المتعفنة”..مرحبين بماكرون المستعمر القديم.

  الموقف الفرنسي والموقف التركي يحملان دلالات يبدو ان بعضها متناقض.. فهما بلاشك يتحركان معا في محاولة طرد النفوذ الإيراني من لبنان وتقديم صيغ دولية وإقليمية لتحجيم أنصار إيران في لبنان وإبراز أدوار سياسية اجتماعية لبنانية تجتمع على تحجيم دور حزب الله وحركة أمل مستغلين في ذلك ما أحدثته الفاجعة الكبيرة.. ولكن أيضا لابد من النظر إلي تنافس الدور التركي للدور الفرنسي إقليميا وفي أكثر من مشهد فصحيح أنهما ينتسبان إلى الحلف الأطلسي ولكن من الواضح أن كلا منهما يبحث عن دور أوسع وأكبر داخل الحلف وداخل الإقليم كما يتضح في الملف الليبي مثلا.. وهذا يفتح باب المساومات الدولية حول الملف اللبناني بين دول إقليمية وأخرى دولية.

الموقف الفرنسي:

زيارة ماكرون والتقاؤه بكل الطيف السياسي اللبناني يعكس حظوة فرنسا في لبنان و دورها المرتقب.. فهل كانت عريضة عشرات آلاف اللبنانيين المطالبين بالاحتلال الفرنسي كافية بإدانة تخاذل النظام العربي الذي ترك لبنان وحيدا يعبث به العابثون ويرهقونه بما لا يحتمل..؟

وهنا لابد من تسليط الضوء سريعا على تمدد النفوذ الفرنسي في لبنان، فحضور فرنسا في العلاقة بالمسيحيين تبدو كأنها الراعي الوكيل للطبقة السياسية المسيحية فمن ميشيل عون الهارب الى فرنسا واللاجئ فيها زمنا طويلا الى كل السياسيين المسيحيين ورهط كبير من مثقفيهم الذين يجدون في ميناء جونيه نافذتهم نحو العالم أي نحو فرنسا ولا تتردد فرنسا في توظيفهم في أكثر المجالات حساسية لاسيما الأمن الفرنسي، ولفرنسا علاقة مثلى بزعماء السنة كذلك فلعل الجميع يتذكر كيف حرر ماكرون الحريري من السجن في السعودية، وهناك الاستثمار الكبير لمال الحريري في فرنسا، ومثله شخصيات سنية عديدة، وكذلك الأمر بالنسبة للدروز، أما الشيعة فلهم علاقة من خلال عشرات رجال المال الشيعة العاملين في إفريقيا من ذوي الجنسية الفرنسية، تستخدمهم الإدارة الفرنسية في توصيل رسائل للحزب، أو مساعدتها في الانتخابات من حين إلى آخر.. الأمر الذي يفسر الترحيب الكبير من قبل الكل السياسي اللبناني رغم أنه أهانهم جميعا واتهمهم بالفساد مؤكدا عدم ثقته فيهم بخصوص توزيع المساعدات.. التقى ماكرون بكل الزعامات السياسية من حزب الله وحركة أمل إلى أقصى المكون السياسي الطائفي وأوصل للجميع رسائل واضحة: أن الغرب كله انتدبه لهذه المهمة، وان أمريكا على الخط المباشر معه، ولعل تصريحات السفير الأمريكي الأخيرة في لبنان تصب تماما في مهمة ماكرون كما أن الرئيس الأمريكي أيد خطوات ماكرون وأعلن تأييده لخطواته حيث دارت اقتراحاته حول نزع سلاح حزب الله وتفريغ بيروت منه وإنهاء القوة الصاروخية له و تسيير دوريات دولية في بحر لبنان وإشراف دولي على مطار بيروت ومنافذ لبنان وهكذا.. ولقد تسلم الجميع رسائل واضحة بأنه لابد من انتخابات مبكرة لترتيب البيت اللبناني لإنشاء نظام ينبغي أن يعطى صلاحيات كبيرة للقضاء على المليشيات المسلحة.. ولم يتردد ماكرون عن الإفصاح بموقفه انه سيساعد اللبنانيين إن قاموا بالإصلاحات المطلوبة، وانه لن يسلم المساعدات للفاسدين في الحكومة بل إلى الشعب مباشرة.

ولم يأبه الرئيس الفرنسي بخطورة فيروس كورونا في بلد ينتشر فيه الوباء فعانق اللبنانيين، وتحول إلى زعيم شعبي يلاقي حفاوة بالغة لم يحظ بها في باريس التي تخرج لسنتها الثانية احتجاجا على سياساته ويقمعها بالقنابل المسيلة للغاز.. ووصل الأمر بلبنانيين في الإمارات ولبنان إلى جمع تواقيع عشرات الآلاف تطالب ماكرون بإدارة شئون لبنان والتصدي للحكام “الفاسدين”.. وكان للزيارة أثرها السريع الذي كشف الغطاء عن بقية السيادة في الدولة و مثل دافعا قويا لاضطرام نار الغضب في الشارع.. ولعلها الفرصة الأكثر مواءمة لتدخل فرنسي غربي تاريخي لوضع الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة بدءا بلبنان قيد التنفيذ بما تشمل من ترتيبات الوضع السوري والفلسطيني والإيراني، لإنهاء نفوذ إيران و تحجيم دور تركيا في المنطقة بعد أن تم محاصرة دور إيران في سورية بقصف صهيوني مستمر وبتخل روسي عن التواجد الإيراني في سورية وتصغير دور تركيا في شمال سورية وإغراقها في صراعات مع الانفصاليين الأكراد.. وهكذا تعود المنطقة من جديد إلى حياض الاستعمار القديم الجديد.. بما يحقق الأمن المستقر للكيان الصهيوني.

الموقف التركي:

في مشهدية التوزيع الطائفي في لبنان تتبارى الدعاية الطائفية لرمي بعضها بالولاء للخارج وهكذا توزعت الولاءات والاتهامات على تركيا وإيران فلقد ذكرت  تقارير لبنانية الشهر الماضي عن أن تركيا تسعى لفرض نفوذها في لبنان خاصة في طرابلس وشمال البلاد عبر آليات متعددة ما بين اقتصادية واستخباراتية وطائفية، حيث تهدف أنقرة بشكل أكبر للسيطرة على السنة.. ولعل المشهد لم يأفل بعد عندما زار خاتمي الضاحية الجنوبية بيروت فيما زار أردوغان طرابلس وكان الحشد لكل منهما عظيما يعكس مدى شراسة التوزع الطائفي.. ويؤكد البعض أنه في مرحلة تقوقع الدور السعودي في لبنان لاسيما بعد الإساءة إلى الزعيم السني الحريري يتوسع نفوذ تركيا في المنطقة في السنة الذين يشعرون بفقدانهم حليفا إقليميا.

في اليوم التالي من الانفجار، أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية التركية، حامي أقصوي أن تركيا أرسلت مستشفى ميدانيا ومساعدات طبية إلى بيروت  مشيرًا إلى أن تركيا أرسلت أيضًا فرقًا للبحث والإنقاذ تابعة لهيئة الكوارث والطوارئ.. كما أعلنت جمعية الهلال الأحمر التركي، إرسالها فريقًا إغاثيًا إلى بيروت لإغاثة ومساعدة سكان المنطقة المنكوبة، مشيرة إلى فريقها سيعمل بالتعاون مع الصليب الأحمر اللبناني.

قال نائب الرئيس التركي، فؤاد أوقطاي، إن زيارته إلى لبنان تعد بمثابة “شيك مفتوح” لتقديم شتى أنواع المساعدات لأبناء الشعب اللبناني الشقيق.. جاء ذلك خلال مؤتمر صحفي، السبت الماضي، عقده عقب جولة تفقدية في مكان الانفجار بالعاصمة بيروت، برفقة وزير الخارجية مولود تشاوش أوغلو..وشدد أوقطاي على أن تركيا ستواصل إرسال المساعدات الغذائية إلى لبنان. وأضاف: “الجانب اللبناني أبلغنا بوجود حاجة ماسة إلى مستلزمات البناء وخاصة الزجاج، وأعربنا عن استعدادنا لتقديم الدعم اللازم في هذا الإطار”. وأردف: “لمسنا مكانة مميزة لتركيا وشعبها خلال زيارتنا لبنان”..وأكد استعداد بلاده للعمل على عودة مرفأ بيروت إلى نشاطه الطبيعي”.

المقاومة إلى أين:

بلا شك أن إنهاء الخطر اللبناني على أمن الكيان الصهيوني هو أحد الأهداف الغربية، كما هو إبعاد النفوذ الإيراني.. وبعيدا عن خطابات نصر الله ورسائلها الدعائية، فإن هناك مأزقا كبيرا يعيشه الحزب، فمنذ 2006 حيث حرب تموز التي سطر فيه الحزب صفحة مجيدة من المقاومة انزوى إلى مجالات شتى من العمل..جاءت الأزمة السورية لتستدعيه بكليته للانخراط في الشأن السوري وهنا بدأ الافتراق داخل المكونات اللبنانية حيث لم يطب ذلك للسنة ولا للمسيحيين ولا الدروز ولا لبعض الشيعة وكانت الحرب ثقيلة بما ألحقته بالحزب من قتلى وخسائر، وبعد أن حسمت المعارك في سورية إلى حد كبير ضد المجموعات المسلحة، لم يجد الحزب فرصة لتقاسم كعكة الانتصار حيث أن الروس من خلال تفاهمات إستراتيجية مع الإسرائيليين ضمنوا لهم الأمن من  جبهة سورية، وهنا أصبح على الحزب أن يدفع ثمنا إضافيا من خيرة قياداته وشبابه في سورية، جراء القصف الصهيوني، حيث رفعت روسيا غطاءها عن الحزب وعن الحرس الثوري الإيراني وعن المقاتلين الشيعة الأفغان والعراقيين..

عندما انكفأ الحزب إلى الداخل انخرط في العمل السياسي وجنى ثمرة قتاله ضد الصهيوني، وأصبح ذا حضور مميز، وهنا وقع الحزب في مخالفات سياسية حساسة، حيث احتل بيروت الغربية بعد عام من ملحمة تموز، وعمق صلته بحركة أمل الشيعية، مما يعني تعميق اصطفافه الطائفي، ودخل في تحالف استراتيجي مع ميشيل عون حليف الفرنسيين، ومجرم حرب ضد الفلسطينيين في مجزرة تل الزعتر.. وتنمرت أجهزة الحزب الأمنية على مؤسسات الدولة، والسيطرة على بعض مرافقها كالمعابر الحدودية، وممارسة الترهيب ضد المخالفين، وفي الدفاع عن فاسدين ماليا.. ولكن ينبغي الإقرار بأن هذه العناوين وجدت ترويجا وتضخيما كبيرين.. وهكذا يصار إلى عزل المقاومة لبنانيا وإقليميا وفي ظروف ليست أقل ضنكا يعيشها الحليف الإيراني والصديق السوري.. و كما هو واضح، فلعل هناك تيارا واسعا وقوى سياسية تمثل الطوائف الأخرى جميعا في لبنان مدعومة إقليميا ودوليا لنزع سلاح حزب الله ورفع يده عن المرافئ والمطار.  

العقدة:

إذا تصدى حزب الله لجوهر المخطط الفرنسي و لتمدد النفوذ التركي فسيكون وصل إلى نقطة تفجير الوضع اللبناني، وإشغال لبنان بنفسه في حرب أهلية متواصلة بدعم خارجي تؤمّن الحدود الشمالية للكيان الصهيوني.. وإذا قبل بها ولو جزئيا، يكون قد انتحر سياسيا وواقعيا.. فماذا تحمل الأيام القادمة؟ والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك