الولايات المتحدة تواجه زلازل متتالية

نهايات

بقلم: صالح عوض

جورج فلويد يهزّ أمريكا وأوربا.. أمام البيت الأبيض الأمريكي مشهد بدلالات خطيرة حيث يقوم المتظاهرون بإسقاط تمثال جورج واشنطن.. ورئيس الولايات المتحدة ينزل إلى الأنفاق مختبئا!.. حرائق في المدن، قتلى واعتقالات والجيش في مواجهة الشعب ونهب المحلات الكبرى والبنوك.. في واشنطن وباريس  يهتزّ الضمير الإنساني ضد عنصرية الرجل الأبيض مشككا بنموذج الديمقراطية الغربية الانتقائية.. فهل هي ثورة إنسانية جديدة تتمدد أم هي ضربة عنيفة فقط يتعرض لها النظام الغربي تكشف عن حقيقة الحضارة الغربية ويمكن امتصاصها؟ ما الذي أججها؟ هل هو التراكم؟ أم بفعل مؤامرة بعد موقف ترمب من منصات التواصل الاجتماعي وما يمثله من تهديد لأصحاب رؤوس المال الضخمة؟ أين الحكومة السرية التي تتحكم في العالم مما يجري الآن أم أن الأمر تجاوزها؟ يبدو أن المدن الأمريكية ستنجز الإجابة الأشد وضوحا وغير المتوقعة قبل أن تنتشر روح رفض الميز العنصري في العالم.. 

جورج فلويد الأمريكي الإفريقي المقتول بطريقة عنصرية هو عنوان مرحلة جديدة من التحديات لأمريكا.. وهو كذلك النقطة التي أفاضت الكأس.. أسبوع كامل بعد مقتل جورج فلويد وأمريكا تتشكل بصيغة مختلفة تماما.. فلقد أصبحت واشنطن ساحة اشتباك العنصرية بالعنصرية المضادة ولتصبح ساحات للمواجهات العنيفة شأنها شان عشرات المدن الأمريكية.. وهاهي تخرج من تحت حظر التجوال والتشديد الأمني تطالب دونالد ترمب بالرحيل.. إلى أين تتجه الأمور بعد تصريحات وزير العدل الأمريكي الذي دعا إلى تعزيز القوة الأمنية في واشنطن؟ هل تندلع حرب داخلية؟.. ترمب يتهم الاحتجاجات بالإرهاب فلابد من مواجهتها بالقوة “عندما يتم التخريب يتم إطلاق النار” الأمر في منتهى الخطورة مما دفع الجمهوريين إلى إدانة تصريحاته واعتبارها غير مسئولة.. وهاهو الجيش الأمريكي يدخل معركة داخلية، لتلويث سمعته من جديد بعد حروبه الخارجية الفاشلة والمكلفة.. إلى أين تتجه الأمور في الولايات الأمريكية؟   

لحظة الانفجار: 

  هل كان بايدن المرشح الديمقراطي محقا عندما قال: إن ترمب جزء من المشكلة.. أم أن المشكلة أكثر تعقيدا؟ فمن مخبئه وقبل أن يخرج في مظهر استعراضي حاملا إنجيلا بيده أمام كنيسة تعرضت للحرق أمر ترمب بإطلاق النار في مواجهة الأحداث وعنفها.. بدا الرئيس الأمريكي مترددا خائفا مضطربا لأنه يدرك ان الذي يحدث غير مسبوق كما قال.. فالولايات المتحدة كما قال ترمب أصبحت مضحكة للمتابعين في العالم.. أجل ليس هذا هو التحدي الوحيد أمام مصير الولايات المتحدة.. فان حجم ما يسمح ببثه حتى الآن من الولايات الأمريكية ونوعية المواقع المستهدفة كالبيت الأبيض ومؤسسات إعلامية ضخمة والبنوك والمحلات الضخمة انما يعبر عن احتقان كبير لدى قطاعات واسعة من سكان الولايات المتحدة نتيجة استفزازات كبيرة وعديدة عبر مراحل تاريخية عديدة.. فهناك العجز الاقتصادي والديون المتراكمة جراء الحروب الخائبة، ثم آثار جائحة كورونا والتحديات الاقتصادية العالمية التي تتولد مع قوى عالمية كالصين.. إلى أين تتجه الولايات المتحدة الأمريكية بعد هذه الزلازل المتتالية؟

 مسلسل العنصرية: 

 “مينيابولوس” المدينة الأمريكية التي شهدت مقتل الأمريكي الإفريقي تهز العالم وليس أمريكا فقط.. أمريكا تصرخ من أعماقها في أكثر من أربعين ولاية ضد العنصرية القاتلة.. في لحظة واحدة تكتشف أمريكا أن نظامها الاجتماعي والأمني على كف عفريت بحمايته حالة التمييز العنصري..  ترمب يبدو احد أطراف الأزمة بمواجهته العنيفة للمحتجين كما يقول كثير من المشرعين الأمريكان هل هذا صحيح؟ أم أن القوانين التي عالجت المسائل المشابهة تعاني خللا واضحا نتيجة غياب تشريعات تفصيلية متطورة الأمر الذي احدث تراكم الغضب.

ولكن من المهم طرح السؤال: هل هذه هي المرة الأولى التي تواجه فيها أمريكا أحداث عنصرية..؟ العنصريّة موجودة في الولايات المتّحدة منذ الحقبة الاستعمارية، ولعل هذه الإمبراطورية العظمى أسوأ نموذج بشري مورست فيه العنصرية بكل أشكالها ضد سكان البلاد الأصليين وضد ذوي الألوان المختلفة والديانات الأخرى بل والمذاهب داخل الدين المسيحي من المهاجرين..  فقد أُعطي الأمريكيّون البيض(خاصّة البروتستانت الأنجلو سكسونيون الأغنياء) امتيازات وحقوقاً حصرية دون كلّ الأعراق الأخرى، في مسائل التّعليم والهجرة وحقوق التّصويت والمواطنة وحيازة الأراضي والإجراءات الجنائيّة، فكثيراً ما عانى المهاجرون من غير البروتستانت الذين هاجروا من أوروبا، وخاصة الأيرلنديين والبولنديين والإيطاليّين، من حالة التمييز في المجتمع الأمريكي والإقصاء وذلك حتّى أواخر القرنِ التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.. 

ولقد كان الحال أكثر قسوة تجاه الهنود الحمر الذين تعرضوا لعملية تطهير عرقي وشملت المؤسّسات الرئيسيّة المبنيّة على الأساس العنصري والعرقي على معيار العبودية والفصل العنصري، وتم احتجاز الهنود الحمر، ووضعهم في مدارس داخلية، ومعسكرات الاعتقال “محميات”، هذا بعد عمليات الإبادة المنظمة الهمجية.. والحال تجاه الأفارقة الذين جلبوا إلى الولايات المتحدة الأمريكية عبيدا كان في منتهى القسوة؟ وصف المؤرخ الأمريكي آيرا برلين: “أنّه سواء تمّ تهجير العبيد بشكل مباشر أو سواء انتظروا مصيرهم المجهول وعاشوا رعب التهجير القسري مع عائلاتهم، “فقد تعرّض السود لترحيلٍ هائل”، وفقد الأفراد اتصالهم بعائلاتهم وعشائرهم.. لقد فقد العديد من الأفارقة الأصليين و”عبيد المستعمرات” الأوائل الذين تمّ تجميعهم من قبائل مختلفة معرفتهم عن الأصول القبلية المتنوعة ودينها في أفريقيا، فينحدر معظمهم من عائلات كانت موجودة في الولايات المتحدة لعدة أجيال.. ومن المعلوم تاريخيا أن الأسطول الجزائري تدخل في مطلع القرن التاسع عشر لإنقاذ آلاف الأفارقة المسلمين الذين حملتهم السفن الأمريكية وقام الأسطول الجزائري بحجز سفينتين أمريكيتين ولم يفرج عنهما إلا بعد أن افرغ الأفارقة منهما وألزم السفينتين بغرامات مالية.

تمّ إعلانُ تحرير جميع العبيد في مناطق الولايات الكونفدرالية الأمريكية التي لم تكن تحت السيطرة المباشرة من حكومة الولايات المتّحدة وذلك وفق الإعلان الذي أصدره الرئيس أبراهام لنكولن في الأول من شهر يناير من عام 1863م. وعلى الرغم من أنّ الرئيس لنكولن كان معارضاً للعبودية فقد كان يعتقد أنّ الدستور لم يمنح الكونغرس سلطة لإنهائها وذكرَ في خطابه الأوّل كرئيسٍ للولايات المتحدة أنّه “ليس لديه أي اعتراض على جعل (الإعلان) واضحاً وغير قابل للتعديل”.. ورغم ذلك فلقد تماهى الرئيس لنكولن مع الروح العنصرية التي تسكن قطاعات كبيرة من البيض. فلقد صرّح: “أنا لست ولم أكن في أيّ وقت مضى مؤيّداً لجعل الناخبين أو المحلّفين من السّود ولا للسّماح لهم بإشغالِ أيّ منصب ولا لأن يتزوّجوا من البيض، فأنا أؤيد الموقف المتفوّق للعرق الأبيض”. هذا ولم ينطبق إعلان تحرير السّود على المناطق الموالية للاتحاد أو الخاضعة لسيطرته، ولم يتم إلغاء العبودية بشكلٍ فعليّ في الولايات المتحدة إلى أن تم اعتماد التعديل الثالث عشر الذي تم التصديق عليه في 6 ديسمبر 1865.

ولا تزال الطبقيّة العنصريّة موجودة في مجال التّوظيف والإسكان والتعليم والإقراض ووظائف الحكومة. المجتمع الأمريكي يعاني من مستويات عالية من العنصريّة والتمييز خلال العشر سنواتٍ الأولى من الألفية الثالثة، التي شهدت صعود حركة اليمين البديل (alt-right) وهي عبارة عن تحالف قومي أبيض يسعى إلى طردِ الأقلّيّات الجنسيّة والعرقيّة من الولايات المتحدة. في شهر أغسطس/آب من عام 2017، حضرت هذه المجموعات مسيرة في مدينة شارلوتسفيل بولاية فيرجينيا، وكانت تهدف إلى توحيدِ مختلفِ الفصائل القوميّة البيضاء ضد الأقليّات العرقيّة، وخلال تلك المسيرة قاد متظاهر عنصريّ أبيض سيّارته باتّجاه مجموعةٍ من المتظاهرين المضادّين مما أسفر عن مقتل شخصٍ واحد وإصابة 19 آخرين. اعتبرت وزارة الأمن الداخلي ومكتب التحقيقات الفيدرالي منذ منتصف عام 2010، أنّ العنف العنصري الأبيض هو التهديد الإرهابي الداخلي الرئيسي في الولايات المتحدة.

تمّ تحرير حوالي الأربعة ملايين من العبيد السود في عام 1865. عاش 95% من السود في الجنوب الأمريكي حيث كانوا يشكّلون ثلث تعداد السكّان هناك مقابل 1% فقط عاشوا في الشمال ولهذا السبب كانت المخاوف من تحرير العبيد السود أكبر بكثير في الجنوب منها في الشمال. توفّي في الحرب الأهلية الأمريكيّة 8% من الذكور الذين تراوحت أعمارهم بين 13 و43 سنة، 6% من سكّان الشمال و 18% من ذكور الجنوب وذلك استناداً إلى التعداد السكّاني الذي صدر عام 1860.

وفي السنوات الأخيرة تكررت حوادث تعزز الانفصال العنصري ففي 1992 في وجود الرئيس جورج بوش الأب أحداث عنف بعد مقتل رجل اسود من قبل الشرطة وبراءة شرطي.. وفي 1996 قتل شرطي أسود وأحداث واسعة في عهد بيل كلنتون وبراءة الشرطي، وفي 2001 في عهد جورج بوش الابن قتل شاب اسود و انطلقت أحداث عنف وقتل 15 أسود على يد الشرطة ومليارات الدولارات خسارة وفي عهد أوباما نشبت أحداث عنيفة بين السود والشرطة وتجددت بعد تبرئة الشرطي 2002 هاجم غاضبون الشرطة في ميرلاند بعد قتل شاب أسود وفي 2016 وفي ولاية واشنطن مقتل أسود على يد الشرطة وأحداث عنف.

الاقتصاد والحروب:

لقد كلفت  الحروب الخارجية في أفغانستان والعراق خزينة الدولة الأمريكية أموالا باهظة زادت عن 7 تريليون دولار وخسائر فادحة في الأرواح والمعدات الأمر الذي انعكس على الاقتصاد الأمريكي في قطاع العقارات والبنوك وبذلك ارتفعت قيمة الديون الى ما يقارب  20 تريليون دولار.. من هنا اندفع ترمب ابن قطاع العقارات والبنوك مؤكدا ان الخسائر التي فرضت على الدولة الأمريكية لم تكن الا لصالح تلك القطاعات الاقتصادية الجشعة “شركات النفط ومجمع الصناعات الحربية”  فاتخذ قرارات تاريخية بإيقاف الهدر المالي في الحروب.. فكانت سياسته جلب الأموال عن طريق الابتزاز والحلب في أكثر من مكان.

إلا ان الرئيس الأمريكي لم يكن على مستوى عال من الفهم لعلم النفس الاجتماعي السياسي وطبيعة عملية التسيد على العالم، فسقط في لعبة قد تنجح في باب المضاربات الاقتصادية لكن فشلها ذريع في دوائر عمل السياسة.. فكان انسحابه من أكثر من موقع منوطا بتوفير أقساط مالية كبيرة إلا انه سلك نهجا غريبا باستحسانه لأسلوب المقاطعات والحصار والخروج من المعاهدات الدولية..

شن حربا دعائية على الجميع: روسيا والصين وإيران بعقوبات وسن ضرائب تصل إلى مئات ملايير الدولارات ثم على أوربا التي لا تدفع حسب رأيه ما يكفي لحلف الناتو مهددا بإسقاطه وتغييره، واندفع لبناء جدار عازل مع المكسيك الجارة التي لها علاقة متداخلة بالولايات المتحدة.. وهدد تركيا بتدمير اقتصادها واحدث فتورا معها، وانسحب من منظمة المناخ الدولية ومن معاهدات أمنية إستراتيجية مع روسيا وانسحب من اتفاقية النووي مع إيران وانسحب من اليونسكو وانسحب من منظمة الصحة الدولية وهو يواصل انسحاباته من مؤسسات ومنظمات تحمل الموازنة الأمريكية أعباء مالية كبيرة.

قد استطاع الرئيس الأمريكي استنفار خصوم أمريكا في روسيا والصين ودول في أمريكا الجنوبية وتركيا بل وأوربية فبدأ التفكير بالاستغناء عن الدولار وهذا ما أعلنته تركيا وإيران كما أكدت روسيا والصين اعتزامهما السير في طريق الاستغناء عن التعامل بالدولار.. وهاهو يشن حربه على قوى المال في الولايات المتحدة بتهديده لمواقع التواصل الاجتماعي بالمعاقبة وفي حال حصول ذلك فان كارثة ستلحق بالاقتصاد الأمريكي هي الأعنف.

تحدي كورونا:

كل هذا يجري فيما جائحة كورونا لازالت تضرب بعنف النظام الصحي الأمريكي وتلحق بالخزينة الأمريكية خسائر ضخمة وتظهر خللا  كبيرا في ترتيب أولويات الحكومة التي اتجهت إلى تخفيض التكلفة المالية لتطوير المراكز العملية الطبية لصالح مجالات أخرى لها علاقة بحركة المال الجنونية المترجمة في حروب وسياسات خارجية نتج عنها فقدان أمريكا 40 مليون فرصة عمل..

لقد أثبتت الأشهر الأخيرة عجز الإدارة الأمريكية عن مواجهة الجائحة التي كشفت عوارا خطيرا في المجتمع الأمريكي الذي يعاني أصلا من عدم تهيئة الفرص للجميع للعلاج والضمان الصحي.. واندفعت الإدارة الأمريكية تلقي باتهاماتها الخطيرة على الصين الأمر الذي قد يدفع الأمور لمواجهات اقتصادية خطيرة على الاقتصاد الأمريكي.

أمريكا تشن حصارا على نفسها فرضته الروح العنصرية التي توجه اليمين الجديد وهاهي الخسارات الكبرى تلاحقها مهددة بوحدة ولاياتها وفاضحة طبيعة نظامها السياسي والديمقراطي والاقتصادي والصحي.. مما يفقدها القدرة على أن تظل مرجعية الاقتصاد العالمي المهيمنة على القرار الدولي 

خاتمة الرحلة:

 هل ستكتفي قوى المال بدفع ترمب الى الانتحار السياسي؟ وهل هناك ما يمكن ترميمه على الصعيد الاجتماعي في ظل تنامي اليمين المتطرف؟ إن الولايات المتحدة تسير سيرا أكيدا نحو نهاية الإمبراطورية ببروز أهم عناصر الانهيارات ممثلة في العجز المالي المتفاقم و الخسارات المالية الرهيبة نتيجة الحروب الخارجية، والتصدعات الاجتماعية الداخلية بل والتناحر الداخلي وهي في كل يوم تتدحرج نهو النهاية ولقد أصبح هذا واضحا أكثر من أي مرحلة سبقت، ومن غير الممكن انتشالها منها.. تلك سنة الله في الحضارات والإمبراطوريات تتظافر لتفعل فعلها الحتمي.. والله غالب على أمره.

 

  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك