الوعي قرار فردي أو توجه مجتمعي

وقفة مع فكرة

د. بن عجمية بوعبد الله

أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

يعتبر الوعي واحدة من الإشكاليات المهمة التي نالت الحظ الأوفر من النقاش والجدل بل وحتى النزاعات والصدامات بين مختلف المدارس الفكرية والدينية والإيديولوجية وفي كل المجتمعات دون استثناء ذلك أنه اللبنة الأساسية التي يقاس بها تحضر المجتمعات والدول والمقياس الذي على أساسه تضبط قيم المجتمع ومساراته المختلفة سياسيا واقتصاديا وعلميا وثقافيا وسياحيا وحتى سلوكيا.

اختلف الذين تعاطوا إشكالية الوعي بالدراسة والنقاش والتطوير ومحاولات تثبيت وترسيخ هذه القيمة في المجتمعات حول الإشكاليات والتساؤلات المهمة التالية:

– ما هو الوعي؟

– هل هو قرار فردي أو توجه مجتمعي جماعي؟

– هل هو قرار آني وظرفي أو مسار طويل له خطوات وتدابير وأجندة زمنية طويلة الأمد؟

– هل هو نتيجة أوضاع معينة يجب أن تتغير؟ أم هو المحرك للأوضاع من وضع سيء إلى وضع حسن؟

– هل الوعي أشكال أو مضامين؟

– هل الوعي صناعة لتحقيق أغراض معينة تخدم عادة الأفراد والدول أم أنه ثقافة راقية ونبيلة لا تتعلق بالمصالح بل بقيم المجتمع ورقيه؟

أسئلة وغيرها كثيرة يمكن طرحها حول جدلية الوعي وإشكالية تثبيته داخل المجتمع أفرادا ومؤسسات، وإذا استطعنا أن نقدم تعريفا بسيطا للوعي يمكن حصره في أنه: إدراك الواقع الذي تعيش فيه بسلبياته وإيجابياته ومحاولة تغييره بطرق ووسائل تتناسب وهذا الواقع بأكثر إنتاجية وفاعلية لتصبح هذه الحركية الفكرية والعملية بمرور الزمن ثقافة راسخة تسمى بالوعي، وعكسه هو التخلف والتراجع واللاوعي وهو الرضا بالواقع المعاش دونما بذل أي جهد في تحسينه أو تغييره ولذلك انقسمت المجتمعات والدول وحتى على مستوى الأفراد إلى ثلاث أقسام رئيسية بمعيار الوعي ودرجته داخل هذه المجتمعات:

– المجتمعات الواعية: وهي التي أخذت بأسباب التطور والحضارة والرقي وبذلت في سبيل هذا الهدف كل الجهود الفكرية والعملية سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعلميا من أجل نهضة بلدانها ومجتمعاتها وشعوبها فتحقق لها البعد الحضاري في شقيه المادي المتمثل في العمران والاقتصاد والإنتاج ومختلف المؤسسات في شتى مناحي الحياة، وفي شقها المعنوي والمتمثل في عديد القيم كالحرية والمسؤولية والعمل والعلم والابتكار والعدل… إلخ.

– المجتمعات المتخلفة وغير المتحضرة والتي عجزت عن الأخذ بأسباب التطور والوعي والحضارة والتفكير فغرقت في مشاكلها الداخلية وصراعاتها القبلية والعرقية والدينية والمذهبية فتخلف فيها العلم والاقتصاد والسياحة وعطلت فيها كفاءات وإبداعات شعوبها وشبابها ونخبها، ولم تعد لهذه المجتمعات أي تأثير في عالم اليوم الذي لم يعد يؤمن أو يعترف إلا بالقوي الذي يملك أدوات وأوراق الصراع على الأرض.

– المجتمعات الصاعدة: وهي المجتمعات والدول والشعوب التي انتقلت من فضاء التخلف والتراجع إلى محاولات الانتقال بمجتمعاتها إلى الأحسن وهي تحاول أن تبني منظومة من الوعي الذي سيؤهلها مستقبلا إلى الدخول في عالم الكبار الذين يسيرون العالم، مجتمعات رفضت البقاء في واقعها والركون له وأدركت بأنها يمكن بالإرادة والإصرار والأخذ بأسباب التطور وأن ذلك ليس مستحيلا على الإطلاق بل ممكن إذا قررت ذلك النخب بمختلف توجهاتها وإسهاماتها.

وعليه يمكن القول بأن قرار الوعي الفردي أو الجماعي هو بيد من يريد أن ينتقل إلى وضع أحسن وليس بضاعة نستوردها أو مناهج نستلفها أو مظاهر مؤقتة نتمظهر بها ثم نتركها، فقد علمنا التاريخ ولا يزال كيف أن دولا كانت غارقة في التخلف والتراجع والانبطاح بل وكانت على هامش التاريخ والحضارة وهي الآن دول متطورة جدا وواعية جدا وقدمت أروع الأمثلة الحضارية في قهر المستحيل وتطويع غير الممكن في أن يصبح واقعا، ماثلا وكيف سقطت دول كانت على سدة تسيير العالم عندما قررت أن تفقد موروثها السياسي والثقافي والعلمي والحضاري لأنها لم تحافظ عليه ولو تطوره وبالتالي خضعت لقانون السببية الذي بموجبه تسقط أمم وحضارات وبه تنهض أمم أخرى وحضارات كذلك.

– كيف يصنع هذا الوعي؟

نعم الوعي صناعة تحتاج إلى مخططات ومناهج وجدولة زمنية وقبل هذا وذاك تحتاج إلى قرار حاسم للبدء الفوري في تغيير الأمور التي لم تعد تناسب مجتمعك أو بلدك ولذلك يصنع الوعي ويرقى بعد ذلك بالوسائل التالية:

– دور النخب كأولوية في البدء بإثارة إشكالية الوعي من خلال دراساتها الأكاديمية وأطروحاتها في معالجة المشاكل الاجتماعية المختلفة في المجتمع وطرح أسباب هذه الظواهر وكيف نتغلب عليها أفرادا ومؤسسات.

– دور الأسرة كجماعة أولية مهمة يأخذ منها الفرد الأدوات الأولى للاحتكاك بالعالم الخارجي، ويتشرب فيها المبادئ الأولية سواء كانت ايجابية أو سلبية ولذلك دور الأسرة مهم جدا في تعزيز قيمة الوعي أو في فقدانها، وبالتالي على الوالدين في الأسرة التنبه عميقا لهذا الدور الذي لا ينبغي إغفاله بأي حال من الأحوال.

– دور المناهج التربوية والتعليمية في إرساء ثقافة الوعي الفردي والمجتمعي لأن السنوات الأولى من التكوين الدراسي لها التأثير البليغ والمهم والحساس أيضا في تعزيز هذه القيمة التي سترافق التلميذ والذي هو مواطن المستقبل في مساره الحياتي والموجه الرئيسي لأغلب قراراته وسلوكياته النفسية والاجتماعية مستقبلا.

– دور المؤسسات الدينية كالمساجد والزوايا والمدارس القرآنية في تعزيز الوعي كقيمة حث علينا ديننا الحنيف في عديد المواضع والآيات والأحاديث، يجب أن يواكب الخطاب المسجدي مثلا كأهم تمثلات وأدوار المؤسسة الدينية وجب أن يواكب الواقع وتحدياته وإكراهاته وتقلباته ولا يبقى حبيس الوعظ فقط أو سجين المواضيع التي لا ينبني عليه عمل أو حضارة أو بناء أو إنتاج مادي أو معنوي ذو قيمة مجتمعية مفيدة وخلاقة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك