الهوان الثقافي و الوهم

يسألونك عن الدستور

بقلم: وليد فرج

 

تصدى العقل البشري بالتحليل و الدراسة ، كل ما مر على ملاحظته ، أو عاشه أو عايشه ، من مسائل كبرى و الظواهر اجتماعية عميقة إلى أصغر السلوكات البسيطة الهامشية ، مما ساعده على ضبط المفاهيم و مرتكزاتها و سبر أغوار الظواهر و الوقوف على أسبابها ، لغرض تهيئة و توفير بيئة تتعايش فيها الأمزجة و الرغبات بتنوعها و تغايرها و اختلافها و تناقضاتها ، بغية تأسيس مجتمع هادئ يسوده العيش الذكي المشترك موفور الكرامة . 

 متى غاب هذا الفضول الفلسفي المعرفي غابت المنطق العقلي النقدي ، و تلاشت عمليته ، وسادت فوضى الأفكار ، و اختلطت المعاني ، و تراجعت ضوابط ترتيب الاختلافات و انعدمت بذلك أدوات تهذيب النقائض ، مما يؤدي إلى الاحتكاك و التصادم .

 

من (يروحو ڤاع) إلى التمسخير الافتراضي :

 

دوما نرفع عقيرتنا ، نشتكي من حيف السلطة ، و ظلم الحاكم ، و نناضل من أجل افتكاك الحقوق ، و تأسيس دولة القانون و الحريات ، و مجتمع يحكمه العدل ، و تسوده مبادئ الفضيلة و المساواة و تكافؤ الفرص ، فالمستمع لخطابنا ، يظننا تلاميذ أفلاطون ، في درس الدولة الفاضلة ، أو أتباع إبن رشد في عقلانيته .

 

إن المتمعن في تراتبية طبقات المجتمع أثناء الأزمة الأم ، التي تعتبر منعرجا حاسما في منحنى الدولة و تشكلها ،  يقف على غياب الطبقة الأولى و الثانية ، أما الأولى فهي التي تتوزع  مهمتها بين توليد الأفكار ، و نقدها ، وبثها بين أفراد الطبقة الثانية التي تتكفل ببسطها و تفسيرها و تأويلها و نسج برامج تطبيقية لها و تمريرها للطبقة الثالثة التي تتولى تنفيذها و تحشيد واستقطاب العوام حولها .

ففي مجتمعنا انفجر الغضب الشعبي عفويا ، رغم بروز إرصاهات خفية له ، كثيرا ما طفت للسطح ، والعارف للعقل الجمعي للمجتمع الجزائري في مثل هذه الظروف ، يدرك جازما ملامح الرفض العميق الذي كان يعيشه ، و التذمر العارم. ، من مآلات  الأوضاع على شتى المناحي. .

إن غياب الطبقة الأولى و الثانية ، داخل المجتمع الجزائري ، ــ بروز بعض الادعاءات التي تحاول الظهور بلبوسها ــ مع هذا الغياب جاء الحراك الشعبي كفورة سلمية غير عقلانية ، تسيده شعار نطقت به عفوية عامي ، صار رمزا له  (يروحو ڤاع) ، في غياب أدوات تصحيح و تحذير من دواعي انتشار مثل هذه الأفكار داخل الحشود ، التي تجر إلى عدمية قد تعرقل استمرار الحياة العمومية و يضطرب لها حال المجتمع ، ومع طغيان هذا الشعار حيث صار كلازمة شعبية ، أوجدنا مخرجا دستوريا لها تمثل في نص المادة 157 من الدستور ، التي أوكلت للمحكمة العليا مهمة حماية الحقوق و الحريات العامة ، فدعونا إلى تأسيس حكومة ما اصطلحنا عليه بحكومة (جيرستوقراط) وبينا الأساس الدستوري لها ،  بصلاحيات محددة  تنتهي مهمتها مع انتخاب برلمان و رئيس ، مع إقالة الحكومة و حل جميع المؤسسات الدستورية (البرلمان بغرفتيه و المجلس الدستوري و وضحنا المرجع القانوني في ذلك) لعدم شرعيتهم و تطبيقا لشعار يروحو قاع ؛ غير أن رؤيتنا كانت كصيحة في واد ، ومن تغشوا ثيابهم السياسة لهذا التخريج ، هاهم اليوم يعانون من استمرار الرفض الشعبي نفسه .  

لعل ذلك الشاب ، و هو يتقدم من تلك الصحفية ، يريد تصحيح قراءة الصورة التي أرادت أن تنقلها ، لم يكن يعلم أن مقولته سوف تصبح شعارا يهتف به الجميع ، و عنوانا واضحا لمشاعر الغضب الشعبي ، من نظام أكل الأخضر و اليابس ، هذا الشعار الذي لفظته العفوية و تلقفه العوام و عجزت عن نسجه نخب منخورة ،  أسست لشعارات هجينة فرضتها من خلال المغالطات ، من قبيل شعار (دولة مدنية ميش عسكرية) . و الذي تصدينا له ، وبينا بوائقه من خلال توضيح أن فكرة الدولة المدنية لم تأتي يوما دافعة للدولة العسكرية ، بل للدولة الدينية ، ووبسطنا المقام في هذا أكثر من مرة و شرحنا فكرة الدولة المدنية منذ ولادتها في المجتمع العربي على يد العلامة رفاعة الطهطاوي إلى الأفغاني إلى تلميذه محمد عبده إلى الكواكبي و بينا تطور هذه الفكرة و ظروفها .   

لا مسألة عن إجماع العامة على فكرة ، بل المهمة تقتصر عند أصحاب العقول على تهذيبها و عقلنتها و ترشيد معانيها ، و تحيين فحواها ، و تحديد مقاصدها ، قبل تجذّرها و تأسيس أفكار فرعية أخرى عنها ، فالعوام إذا اجتمعوا تحكمهم العواطف ، تجرفهم النزوات ، لا يتفحصون العواقب ، يشدهم الانتقام ، و يسيطر على عقلهم الغضب ، فيستمدون قوتهم من التفافهم حول محور واحد ، أما النخب و مغالطتهم ، فتنتفي معهم البراءة ، ففي الغالب يهدفون إلى الوثوب إلى السلطة ، و أدهى خطر إذا كانوا من المستلبة عقولهم لمدارس فكرية غربية، المستعبدة أفكارهم لأمثال السفاح  ماكسيميليانو روبسبير عراب الدم في الثورة الفرنسية ، كأصحاب شعار (دولة مدنية ميش عسكرية) .  

في ظل هذا كيف ستكون الجزائر الجديدة ؟ و ما نفع وثيقة الدستور ولو كان من أجود الدساتير ؟    

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك