الهجومات على المركز العسكري الفرنسي بالشريعة

من تاريخ ثورة التحرير بتبسة

 

بقلم الأستاذ فرحاني طارق عزيز

تعد الهجومات الحربية المباغتة وسيلة بارزة لتحقيق الانتصارات العسكرية على القوات المعادية المتفوقة في العدة والعتاد، وقد اعتمد جيش التحرير الوطني على هذا النوع من العمليات القتالية إبان الثورة التحريرية لأجل إحزار مجموعة من الأهداف العملياتية والتكتيكية، وبحسب الشهادات الحية لمجاهدي منطقة تبسة فإن قيادة جيش التحرير الوطني كانت بين الفترة والأخرى تكلف بعض قادة الفصائل المقاتلة المنتشرة في الميدان بمهام مهاجمة أقامته قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي بالشريعة، حيث تميزت بالسرعة في التنفيذ، مع الاعتماد على الشق الدفاعي خلال بداية الهجوم لتأمين حياة المجاهدين المشاركين فيه، باعتبارهم الجانب المبادر بالهجوم والذي يُنفَّذ عادة بشكل أساسي كوسيلة ضغط على الوحدات العسكرية الفرنسية، التابعة للقطاع الفرعي الشريعة الذي كان يتولى قيادته الرائد بريير قائد المجموعة السادسة للمدرعات. 

وتمثلت الأهداف التي سُطرت لهذه الهجومات الحط من معنويات الجنود الفرنسيين المقحمين في مختلف الأعمال القتالية التي كانت تقوم بها وحدات الجيش الاستعماري الفرنسي بإقليم المنطقة السادسة تبسة، ومن جهة أخرى التوغل في عمق الدفاعات الفرنسية وإثبات وجود جيش التحرير الوطني كقوة قتالية تمتلك أفرادًا مؤهلين لتنفيذ مختلف المهام التي يكلفون بها، وتفنيد الدعاية الفرنسية التي كانت تقول بأن جيش التحرير الوطني لا يمتلك القدرة على مهاجمة مراكزها العسكرية باعتبار أنها محصنة ومجهزة بترسانة من أحدث الأسلحة والمعدات الحربية وتمتلك مقاتلين ذوي خبرة ومتمرسين في فنون الحرب، لكن الهجومات التي سنستعرضها الأن ستثبت أن المجاهدين تمرسوا في فنون القتال وابتكروا من جانبهم أسلوبا قتاليا ناجع ومغاير تماما من حيث الفعالية للأسلوب المعتمد من طرف قيادة الجيش الاستعماري الفرنسي التي كانت تبادر في بداية الثورة إلى شن هجومات كبيرة بهدف ملاحقة أفواج جيش التحرير الوطني. 

التعريف بالمركز العسكري الفرنسي بالشريعة: 

 

أنشئت السلطات الاستعمارية الفرنسية عدد من المركز العسكرية بتبسة وكان من بينها المركز رقم 05 بهدف مراقبة المناطق الريفية لمشاتي عبلة ومشنتل وبئر الطويل وأولاد ذياب والكراع وبئر الدواميس وقصر العطش، وحسب خريطة منجزة من طرف الملازم أونفري تؤكد بأن هذا المركز أصبح يتوفر على وحدة للشرطة الريفية المتنقلة والدرك والفوج 105 والكتيبة السادسة مشاة. 

وبحسب التقارير العسكرية الفرنسية التي أوردها الدكتور فريد نصر الله، والتي تؤرخ للفترة الممتدة ما بين شهري جانفي وديسمبر 1955م، فإن أفواج جيش التحرير الوطني بتبسة، تمكنت من تنفيذ مجموعة من الأعمال القتالية ضد الأهداف الفرنسية، توزعت على 07 هجومات على المناطق الحضرية، 13 كمين منظم، و05 هجومات على المراكز، و43 تحرش، إضافة إلى 127 عملية إطلاق رصاص على السيارات العسكرية. 

وبالرجوع أيضا إلى ما كتبه الأستاذ الدكتور حفظ الله بوبكر في كتابه التطورات العسكرية بمنطقة تبسة، فإن التقارير الفرنسية تشير إلى قيام جيش التحرير الوطني بتبسة بنشاط كبير خلال شهر أوت 1956م وتؤكد ذات التقارير بأنه في 08 أوت تم إسقاط طائرة فرنسية بجبل الزورة، كما تم قتل جنديان فرنسيان في جبل السيف بنفس التاريخ، كما شهدت بلدية تبسة في نفس التاريخ هجوما ليلا بالقرب من محطة البنزين على الساعة العاشرة استمرت في تبادل اطلاق النار بين المجاهدين والجنود الفرنسيين إلى غاية الساعة الثانية وخمس وأربعين دقيقة، وتم قطع الطريق غير المعبدة بين قنتيس والجرف، وفي يوم 15 أوت 1956م عرفت تبسة عمليات إطلاق نار وتصفية لبعض المتعاونين مع السلطات الفرنسية، وفي يوم 17 أوت تم إسقاط طائرة فرنسية بشقاقة ليهودي بجبل أرقو، كما شهدت تبسة كذلك عمليات تخريب قام بها جنود جيش التحرير الوطني ضد ممتلكات العدو يومي 17 و18 أوت 1956م. 

وتؤكد الشهادات الحية لمجاهدي جيش التحرير الوطني على غرار شهادة الضابط الحمزة عثمان بن لعجال على أن فصائل جيش التحرير الوطني نفذت سلسلة من الهجومات الحربية على المركز الفرنسي بالشريعة، ولعل أشهرها نذكر: 

 

1-هجوم 01 أكتوبر 1956م: 

 

في ليلة الفاتح أكتوبر 1956م شنت فصيلة من المجاهدين يقودها الشهيد جفافلية علي بن الزين هجوما على مركز الشريعة، حيث تقدم المجاهدون البالغ عددهم مجاهدا 38 في حدود الساعة التاسعة ليلا من الشريعة على الجهة الجنوبية وتمركزوا في مواقع متقاربة. وبعد ذلك أعطى الشهيد جفافلية علي بن الزين إشارة بدء إطلاق النار باتجاه المركز، واستمر إطلاق النار بين المجاهدين والجنود الفرنسيين من التاسعة إلى العاشرة ونصف، لجأت على إثرها قيادة المركز الفرنسي إلى استخدام الأضواء الكاشفة والدبابات لصد هجوم المجاهدين، الذين انسحبوا وعادوا إلى مقر قيادة جيش التحرير الوطني بعدما أصيبا المجاهدان شرفي أحمد وجويني عمار.

وحسب المعلومات الواردة إلى قيادة جيش التحرير الوطني بعد ذلك من طرف اللجان الشعبية، والتي تفيد بمقتل تسعة جنود فرنسيين وإصابة عدد آخر بجراح متفاوتة الخطورة. ومن بين المجاهدين الذين شاركوا في الهجوم نذكر: ظرايفية العيد، محي الدين صالح، محي الدين حسين. 

 

2-هجوم 10 فيفري 1957م: 

 

في ليلة 10 فيفري 1957م، شنت فصيلة جيش التحرير الوطني هجوما على مركز الشريعة تحت قيادة جلالي عثمان، وبدأ الهجوم على الساعة العاشرة ليلا، واستمر إلى الحادية عشر ونصف، انطلق إطلاق النار على المركز من الجهة الجنوبية وأسفر على مقتل عشرة جنود فرنسيين وجرح عدد آخر. وأنسحب المجاهدون بعد ذلك دون إصابات في صفوفهم، ومن بين المشاركين في الهجوم: بلغيث أحمد، عبدي عامر، هبهوب عبد الرحمان، شرفي أحمد بن المبارك، محي الدين بوجمعة، الحمزة عثمان، عبد المالك العربي. 

 

3-هجوم فيفري 1957م: 

 

حسب شهادة المجاهد عبد المالك العربي فقد شنت فصيلة بقيادة عباد الحبيب هجوما على المركز العسكري بالشريعة، حيث تمركز المجاهدون على مقربة من الشريعة، والساعة تشير إلى العاشرة ليلا، وأعطيت إشارة إطلاق النار فانطلق وابل من الرصاص على المركز العسكري الفرنسي. 

واستمر تبادل إطلاق النار بين المجاهدين والجنود الفرنسيين لمدة ساعة ونصف، وتحت إطلاق الرصاص المكثف من طرف المجاهدين لم يقع رد فعل من طرف الجنود الفرنسيين، الذين أصبحوا في موقف المدافع عن النفس، ولم تصدر لهم الأوامر للخروج بعيدا عن المركز، بل اكتفوا بأن يردوا من مشارف الثكنة ونقاط المراقبة، وفي حدود الساعة الحادية عشر ونصف انسحب المجاهدون سالمة دون وقوع خسائر في الصفوف. وبحسب مصادر جيش التحرير الوطني فإن الهجوم أسفر عن مقتل خمسة جنود فرنسيين، وجرح ثلاثة آخرين. 

 

4-هجوم فيفري 1957م: 

 

في شهر فيفري 1957م شنت فصيلة مكونة من 25 مجاهد يقودهم الشهيد عبد المالك العلواني هجوما شرسا ضد المركز العسكري الفرنسي بالشريعة، انطلاق من الجهة الغربية للمركز وتواصل تبادل إطلاق الرصاص بين المجاهدين والجنود الفرنسيين لمدة 30 دقيقة كاملة، ولأجل صد الهجوم قامت القيادة الاستعمارية الفرنسية بإخراج المدرعات بعد فشل جنودها في رد المجاهدين الذين كانوا يطلقون النيران بكثافة على المركز الفرنسي، وقد انسحب المجاهدون بعد ذلك وعادوا إلى مراكز قيادة جيش التحرير الوطني، ومن بين المجاهدين الذين شاركوا في الهجوم نذكر: عبدي لزهر بن شعبان، الحمزة عثمان بن لعجال، بلغيث أحمد، عبدي عامر، محي الدين بوجمعة، عبد المالك العربي، عكرمي عبد الله، عون الله بوساحة، بوزيدة رابح، الحمزة ميلود بن أحمد، سالمة لزهر، مراح لزهر، الحمزة أحمد بن الزين. 

 

5-هجوم سبتمبر 1957م: 

 

في شهر سبتمبر 1957م شنت فصيلة من جيش التحرير الوطني، يقودها الشهيد عبدي لزهر بن شعبان هجوما على المركز العسكري الفرنسي بالشريعة، وبدأ الهجوم على الساعة التاسعة ليلا بإطلاق النار على المركز من الناحية الجنوبية، وتواصل إطلاق الرصاص لمدة 30 دقيقة، وأسفر عن إصابة عدد من الجنود الفرنسيين بجراح متفاوتة الخطورة. وإصابة مجاهد بكسر في ساقه وتم إسعافه من طرف المجاهدين الذين انسحبوا بعد ذلك، ومن بين الذين شاركوا في الهجوم نذكر: الحمزة عثمان بن لعجال، سالمة لزهر، الحمزة أحمد بن الزين، بوزيدة رابح بن محمد، الحمزة ميلود بن أحمد، عبد المالك العربي بن محمد، عكرمي عبد الله، حارث الباهي، نابتي السبتي بن عبد الحفيظ، عون الله بوساحة. 

 

6-هجوم 25 ديسمبر 1957م: 

 

حسب شهادة المجاهد الحمزة عثمان بن لعجال فإنه قاد هجوما على المركز العسكري الفرنسي بالشريعة شاركت فيه فصيلة يقودها من مجاهدي جيش التحرير الوطني، وأسفر الهجوم عن مقتل خمسة جنود فرنسيين ومقتل كلب بوليسي وتحطيم دبابة وإشعال النيران في مركز لصاص، واستمر الهجوم قرابة الساعتين، وانسحب المجاهدون بعد ذلك، ومن بين المجاهدين المشاركين في الهجوم نذكر: مراح لزهر، فارح رمضان، فارح بلخير، عبد لزهر، عسال العربي، شرفي معمر، محي الدين عبد المجيد، الحمزة أحمد بن الزين، بوزيدة رابح بن محمد، الحمزة ميلود بن أحمد، عبد المالك العربي بن محمد، عكرمي عبد الله، حارث الباهي، نابتي السبتي بن عبد الحفيظ، عون الله بوساحة. 

لقد تعددت الهجومات التي كانت تقوم بها فصائل جيش التحرير الوطني، وسمحت بتخفيف الضغط الفرنسي على مراكز القيادة المجاهدين المتواجدة بسلسلة جبال النمامشة، وساهمت بفعالية في تقديم الإضافة المطلوبة للعمل العسكري للثورة الجزائرية. 

 

 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك