النهضة والوحدة ردنا على التحديات

الإجابة

بقلم: صالح عوض

 سؤال نكرره هل المؤامرة هي السبب لما نحن فيه أم أنه الخلل الذاتي؟ ثم هل يكمن الخلل الذاتي في نقص المعارف وتخلفنا العلمي؟ أم في تهتك القيم وتقهقر الأخلاق؟ وظل سؤالنا هذا وما يتفرع عنه يتكرر بصورة وأخرى قرونا عديدة نجيب هنا ونعمل هناك، ونحقق نجاحات هنا ونجاحات هناك، ولكن كل ذلك دون مستوى الإنعتاق من الوضع المزري، والانبعاث إلى النهضة من جديد.. فقبل سقوط غرناطة آخر معاقلنا في الأندلس وسقوط الخلافة العباسية في بغداد ونحن نحاول استدراك عالميتنا الحضارية من السقوط، فكان اجتهاد أبي حامد الغزالي في بغداد واجتهاد إبن رشد في الأندلس على التحدي هنا وهناك.. ولكن الإجتهادين قد فشلا في إيقاف الانهيار.. منذ تلك المرحلة ونحن نكرر طرق إجابتنا في مواجهة التحدي المفروض داخليا وخارجيا ونتحرك بعيدا عن نقطة البداية المتكاملة ونجنح ذات اليمين آو ذات اليسار.. ننجح نجاحات جزئية في المواجهات المباشرة التي تتطلب منا شجاعة وروح فداء، ونسقط استراتيجيا في معاركنا الكبيرة التي تتطلب منا مشروعا متكاملا بتخطيط ورؤية استراتيجيين..

 لقد كان سقوط غرناطة بداية اتجاه منحنى عالميتنا الحضارية إلى الأسفل وتواصل سقوطنا إلى مرحلة سقوط القدس في مناخ التجزئة وتبعثر جغرافيا امتنا على أنظمة قطرية وواقع تبعية في السياسة والاقتصاد للغرب و صناعة نخب التغريب الثقافي من بني جلدتنا يعملون بدأب لإخراجنا من صيرورتنا الحضارية ويشوشون على محاولات النهضة ويعطلونها.. فوصلنا الى السقوط الكامل لعالميتنا الحضارية مجللا بسقوط القدس.. فكيف لنا الخروج من المعادلة المتشظية إلى محاولة تركيب معادلة النهضة والبناء على قاعدة متوازنة تحتمل الانبعاث الحضاري بشتى مجالاته المادية والمعنوية.

الموضوعي والذاتي:

ماذا نريد؟ وكيف نحقق ما نريد؟ وهل من دور للأحزاب والنخب الثقافية وأنظمة الحكم في ترتيب إستراتيجية مشاريع التنمية والإعلام والتكوين السياسي للمجتمع؟ 

 بتأمل علمي لطبيعة عالميتنا الإسلامية الأولى يتبين لنا ان بين الموضوعي والذاتي علاقة جدلية إضطرادية لا غنى لأحدهما عن الآخر وأنه بتكاملهما نكون قد أسسنا لنهضة سوية قادرة على المواصلة.. وقد منحنا المنهجُ القرآني قواعد التأسيس لرؤية تكاملية بين الشرطين وبقدر دقيق كي لا تجنح بنا الأفكار والمفاهيم فنتطرف يمينا أو يسارا، ولكي تستمر رحلتنا الرسالية متوازنة رحمة للعالمين.. ففي حين كان القرآن الكريم يتنزَّل على الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بكلمات بيِّنات: “اقرأ” و”قم الليل إلا قليلا” و”اعبدوا ربَ هذا البيت” و في الوقت نفسه يقول : “غُلبت الروم في أدنى الأرض” فيمنحهم الوعيَ السياسي بالواقع الإقليمي والدولي وكان يقول لهم: “ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل” ليزوِّدهم بالوعي التاريخي، وكان يشير إلى الوضع الاجتماعي والاقتصادي بقوله: “لإيلاف قريش إيلافهم.. رحلة الشتاء والصيف”.. ويشنُّ الحرب على العقبات السياسية والاقتصادية الكبيرة التي تتصدى للرسالة “تبت يدا أبي لهب وتب”..و” ويل للمطففين” وهكذا نرى أن القرآن الكريم وهو يصنع الطليعة الأولى في مكة كان يعزز التركيز على الشرط الذاتي من قراءة وطهارة ونبل وصدق وتوحيد وتوجُّه إلى الله وحرية وكرامة في الوقت الذي كان فيه يفتح العقل على الشرط الموضوعي بكل حيثياته الفعالة التي يترتب عليها واقع في حياة الناس في السياسة والاقتصاد والاجتماع والعلوم.

  ولهذا استطاعت الطليعة الأولى ان تنطلق بسرعة فائقة في انجاز أعظم حضارة بشرية استمرت مئات السنين ولازالت تكتنز قوتها الفكرية بحيوية وفتوة.. وسيظل هذا التكامل بينهما هو السبيل للإجابة على التحديات التي تواجه الأمة في هذه المرحلة.

أبوحامد وابن رشد:

استمرت هذه الفوضى في ترتيب الفكرة الاولى للنهضة قرونا عديدة، ولعل آخرها ما انتهى إليه أكبر مفكرين عربيين كبيرين وهما سيد قطب ومالك بن نبي؛ ففي حين اهتم الأول بإيضاح الشرط الذاتي في عملية النهضة وأولاه اهتماما فائقا على حساب الشرط الموضوعي، اتجه الآخر إلى متابعة الشرط الموضوعي بتفصيلات ومتابعات عميقة ودقيقة إلى درجة تبدو معها أهمية الشرط الذاتي لا تحتل حيزا واضحا بمساحة كبيرة في تنظيره.

ولقد كان أبو حامد الغزالي وابن رشد مثالا تأصيلا وتأسيسيا بارزا في هذا الانشطار الذي بلغ مداه بينهما إلى درجة التراشق بكتاباتٍ يتهم فيها كل منهما الآخر بتهافته وخروجه عن المطلوب.. إنها حالة من عدم التوازن النفسي في مواجهة التحدي الذي تواجهه الأمة التي كانت بحاجة ماسة إلى إجابة متوازنة متكاملة لأنه لا يصلح أمرها إلا بما صلح به آمر أولها.

عاش أبو حامد الغزالي في عاصمة الخلافة وفي مرحلة من تراخي أواصرها وسلطانها وتوقف إبداعاتها، فلقد كانت في حالة من التهالك فنهض يقدِّم إجابة على التحدي الذي استشرى في قيم الناس وثقافتهم وسلوكهم لاسيما في الطبقة الحاكمة أو المثقفة فكانت جهوده الكبيرة منصبَّة على تزكية النفس وتربيتها الروحية والمسلكية ولجأ في هذا إلى سوق كل ما رآه مؤيدا من أدلة وبراهين إلا أن كل ما كتبه أبو حامد كان منصبًّا على مسألة الآداب والأخلاق الفردية وبلا شك هذا في غاية الأهمية والحاجة المُلحَّة.

وعاش ابن رشد في الجيب الحضاري المتميز -الأندلس- حيث المواجهة المباشرة مع الغرب الذي بدأ يتحسس طريق الخروج من ظلماته وقرونه الوسطى.. ففي الأندلس كان المطلوب تجدُّد الإجابات الثقافية والحضارية التي تواجه هذا العالم الغربي المتاخم لبلاد الاندلس التي وصلت إلى حد التخمة الحضارية ولقد أصبحت منارة ثقافية لطبقة النخبة الأوربية.. فانشغل ابن رشد بتقديم تفسيراته للكتابات الفلسفية الكبيرة للعظماء كأرسطو.. فقام بالإشراف على ترجمة كتاب أرسطو “ما بعد الطبيعة” وقدم له تفسيرا شاملا.. وتواصلت كتاباته الفلسفية على هوامش الكتب التي ترجمها عن لغاتها القديمة قبل أن يتفرَّد بوضع مؤلفات خاصة به.. لقد كان ابن رشد قاضي القضاة وكتب في الفقه وسوا ذلك لكنه كان مكرِّسا لمجادلة الفلسفات الغربية القديمة، ومصحِّحا وناقدا، ووضع إجابات على أسئلتها فكان بذلك باعثا للوعي والثقافة في المجتمع الغربي، وكانت أفكاره بمثابة النور الذي كشف الطريق أمام النهضة الغربية ولم يكن لجهوده الفكرية العظيمة مردودٌ على حركة الثقافة في المجتمع الإسلامي عموما والمجتمع الأندلسي خصوصا، إذ بقي علما بلا محركات ذاتية نفسية فبقي على هامش حركته الثقافية والعلمية.

بين الرجلين مسافة كبيرة على صعيد الموقع الجغرافي ومتطلباته فللمكان سلطانه على المثقف والمفكر بحيث يُدفع دفعا للانهماك في قضايا واقعه على حساب الرؤية الكلية أحيانا كثيرة.. ولذا كانت المسافة المنهجية بين الرجلين كبيرة من التباين بحيث اتجه كل منهما للانشغال بأحد شرطيْ الإجابة مغفِلا إلى حد كبير أهمية الشرط الآخر.. وكم كان مفيدا لو اجتمعا في مشروع يتكامل ببعديه الكبيرين الفلسفي والأخلاقي فلقد كانت بغداد بحاجة إلى أفكار لتخرج من العبث وكانت الأندلس والغرب بحاجة إلى أخلاق وقيم لتستقيم أفكارُها..

حصل الانشطار داخل المنظومة الثقافية الإسلامية فما الذي حصل نتيجة ذلك..؟ تقدَّم الغزالي بعمق في لب الثقافة الإسلامية السائدة يوم ذاك كردة فعل نفسية يعيشها المجتمع عندما يستشري فيه الفساد فتصبح ميكانزمات الدفاع النفسي منخرطة في البحث عن الأخلاق وتزكية النفوس.. وخرج ابن رشد إلى مناقشة مكتسب الثقافة الإسلامية من تراكم الوعي والفهم، ليردُّ عليه تأييدا أو نقدا، نخبةُ النخبة في عملية ترفية لم تنعكس على حركية المجتمع الإسلامي، لأنه اعتمد قاعدة فلسفية تحتاج إلى إعمال العقل والتجرد من العواطف ونهج سبيل الفهم للوصول إلى الحقائق الكبرى في فهم الآيات والسنن.. دون ربط ذلك بسلطان الجانب الخلقي الروحي.

إن أبا حامد ذهب إلى الأسلوب الأسهل في مواجهة التحدي فخاطب الناس بحاجتهم الذاتية إلى الإصلاح الفردي في حين اعتمد ابن رشد الأسلوب الأكثر عمقا وجدية ورصانة وإثارة لمعارضة الأوضاع الساكنة المتكدسة وهو بهذا عجل في إصدار الحكم على مشروعه التنويري بحكم نطق به أبو حامد “تهافت الفلاسفة” والذي كان لسان حال علماء الدين وعامة المثقفين والعوام حينذاك.

إن التمثل الأخلاقي الذي جسدته رسائل أبو حامد إنجاز في غاية الأهمية والجمال إلا أنه يفتقد التركيز والتبيين لفلسفة الوجود ورؤية عقلية عميقة نحو الحياة المتجددة والكون المتكشف باستمرار وكذلك بحضور روح التسليم مكرَّسا.. وهذا كله بسط له ابن رشد نقدا وتصويبا وتركيزا على أهمية ارتقاء الإنسان بعلمه وعقله لفهم المعجزات والآيات الكبرى، فالعقل مفتاح المعرفة فكان مشروعه قائما على العقل والإدراك والمنطق.

  أبو حامد المفكر و”الفيلسوف” بدل موقعه و ابن رشد الفقيه والمجتهد بدل دوره وأصبح كل منهما مدافعا عن شطر من المعادلة.. وفي الحقيقة ان كلا منهما خضع للضغوط المكانية والزمانية ففقد التوازن الضروري للإجابة على التحدي الذي يواجه الحضارة الإسلامية.. ولم ينجح أي منهما في مكانه وزمانه فلئن نجحت أطروحة الغزالي في المغرب العربي بعيدا عن عاصمة الخلافة فقد نجحت أطروحة ابن رشد في بعث نهضة الغرب بعيدا عن عواصم الأندلس.. ومع هذا لا بدَّ من إعادة الاعتبار إلى المنهجين الكبيرين وقراءة أحدهما في ضوء الآخر ومحاولة تركيب مبدع بين المنهجين برؤية أكثر واقعية وعلمية وإستراتيجية مع الأخذ بعين الأهمية التطورات الحاصلة على المسيرة البشرية وواقع الأمة.. فلقد حرمنا للأسف من الاستفادة من أفكار ابن رشد ومشروعه التنويري وذلك لخلل في عرضه وطريقة إخراجه وعدم مراعاته لأهمية التوازن، كما إننا حوصرنا في أفضل حالاتنا بسكونية وتسليم مشروع أبي حامد الذي انكب على البعد الذاتي وهو في النهاية لم يحصن بغداد ولا يحصن الفرد والمجتمع في مواجهة التحديات الثقافية أو الأخلاقية..

ها نحن نكتشف أن التركيز على الشرط الذاتي لم يحم مسيرتنا من الانهيار.. كما أن العملية الفكرية العميقة لم تساهم في صمود مجتمعاتنا وتقدمها.. ومع الزمن أصبحت عمليات التلفيق سمة لكثير من الذين يتصدُّون لموضوع النهضة؛ فلقد تضاءل منهج الغزالي وتم اختصارُه واضمحل منهج ابن رشد وتم الإقلاع عنه إلا في قاعات الدراسات المتخصصة.

إن طلائع البعث الحضاري المعاصرة وقعت تحت ضغط الواقع فأعطت إجابات هشة سطحية مصلحية تتلون أحيانا بشعارات إسلامية للسيطرة على مشاعر العامة، وهي بهذا تُعمِّق الأزمة وتُبعدنا عن باب الخروج منها.. وفي ظل هذه الفوضى تقدمت نماذج مشوَّهة تعيث خرابا في عقول النشء وحياتنا.

أما شأن كثير من العاملين اليوم في مشروع النهضة فنكاد لا نرى فيهم إلا القليل من تمثُّلِ منهج الغزالي ولا نجد فيهم شيئا من منهج ابن رشد، إننا نرى فيهم سطحية وتكلفا.. الأمر يعني أننا بحاجة عميقة إلى العودة إلى منهج التوحيد بين الشرط الذاتي والموضوعي بطريقة متداخلة متكاملة يُقرأ كل جانب في ضوء الجانب الآخر.. 

نتيجة الانفصام:

 والغريب أننا حتى هذه اللحظة نهرع إلى الإجابات التقليدية على التحدي المتجدد بأشكال مختلفة فننقسم الى تيارين احدهما يغرق في الحديث عن سبب الانهيار كونه تضعضع عقائدي وانهيار أخلاقي  وحول هذه الفكرة تكونت جمعيات وأحزاب وبرز مفكرون ومنظرون اجتهدوا كثيرا في البحث عن تأكيد قولهم بان الانهيار على صعيد الجانب الشرعي في سلوك الأشخاص او الحكام هو سبب انهيار الأمة.. والتيار الآخر اتجه إلى التأكيد على أن السبب إنما هو تخلفنا الناتج عن تمسكنا بالتراث وتحكمه في سلوكنا ونظرتنا وأصبح الأمر لديه انه لابد من الأخذ بقوانين الحضارة الغربية وسلوكها وما رافق ذلك من قيم وأخلاق صنعت في الغرب حضارة مادية جبارة وما كان لها ذلك إلا بتحررها من الكنيسة وسلطة الدين على العقل والثقافة.. ولقد وجد هذان التياران تأصيلا في تاريخنا الإسلامي ولقد أثبتت التجربة فشل التيار الأول وجموده وعدم قدرته على استيعاب المتغيرات العميقة والتحديات المعاصرة وانه يجتر منظومة من التعبئة بشكل مخل فانتهى إلى عجلة تعطيل، وأحيانا تخريب لاحتمالات النهضة اما التيار الثاني والذي وجد فرصته في الوصول الى الحكم بدعم غربي فكان كمن يحرث في البحر ويتحول شيئا فشيئا الى نماذج فاشلة فاسدة تكرس أسباب التخلف والهزيمة الحضارية.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك