النظام القضائي الإستعماري والفلسطينيون

بقلم/ المحامية : فدوى البرغوثى

 

منذ بداية الإستعمار للأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 قررت الحكومة الإستعمارية تطبيق الحكم العسكري على الضفة والقطاع بعد ان أعلن عن ضم مدينة القدس الشرقية واعتبرت الحكومة الإستعمارية بتغطية من المستشار القضائي والمحكمة الصهيونية العليا ان الأراضي الفلسطينية ليست مناطق محتلة بل مناطق مدارة ومتنازع عليها، ورفضت هذه المحكمة من خلال قراراتها العديدة تطبيق إتفاقيات جنيف على الأراضي الفلسطينية مدعية انها ستوصي بتطبيق بعض الجوانب الإنسانية على السكان.

ويتناول هذا المقال دور النظام القضائي الإستعماري في تشريع الإستعمار والانتهاكات والجرائم والاستيطان والاعتقال والاغتيالات والإبعاد والنفي وتدمير البيوت، ويشكل قبول الفلسطينين التعامل معه والتوجه للقضاء الإسرائيلي المدني والعسكري مثالاً واضحاً على غياب إستراتيجية فلسطينية في الصراع مع الاستعمار بكل أشكاله ومجالاته، وقد ألحق التعامل مع النظام القضائي الإستعماري ضرراً شديداً بالشعب الفلسطيني ونضاله العادل والمشروع، وتجدر الإشارة ان القضاء المدني والعسكري الإسرائيلي يستند الى ترسانة من الإرث التشريعي والقانوني العثماني والبريطاني وقوانين الطواريء الإسرائيلية والتي توظف لخدمة الاستعمار الصهيوني للأراضي الفلسطينية. وبعد عدوان 2002 والاجتياح أعادت الحكومة تطبيق كامل القوانين والأوامر العسكرية ملغية الولاية القانونية والقضائية للسلطة في الضفة والقطاع مع الإبقاء على وظائف السلطة التي لا تتعارض مع سياسة الإستعمار بل تخدمها أحياناً، وللتذكير فان نقابة المحامين الفلسطينيين أتخذت عام 1967 قرار بمقاطعة القضاء الإستعماري بكل الأشكال إلا أن هذا الموقف تم كسره من قبل عدد من المحامين مما أضعف هذه المقاطعة الى ان تلاشت تقريباً، والمحصلة ان التوجه للمحكمة الصهيونية العليا منحها ولاية قضائية على الأراضي المحتلة عام 1967 لا تملكها وفقا لإتفاقية جنيف والقانون الدولي، والآن وبعد مرور 53 عاماً من التوجه للنظام القضائي الإستعماري المدني والعسكري بما في ذلك المحكمة الصهيونية العليا بطرح السؤال ما الذي استفاده الفلسطينيون؟ وكيف انعكس على نضالهم وحقوقهم؟

الم يحن الوقت لمراجعة هذه السياسة الكارثية؟ ولماذا الإستمرار في التعامل مع هذه المحاكم؟ ومن الذي يتحمل المسؤولية ؟ ومن المطالب باتخاذ قرار وطني ملزم؟ الا يكفي ما يزيد عن خمسة عقود من التجربة المريرة والكارثية لمراجعة هذا السلوك الفلسطيني؟ ونقول بكل أسف ومرارة لا شيء تقريباً، وما سلوك النظام السياسي الفلسطيني سوى ردود فعل ضعيفة وإرتجالية لم ترتق أبداً الى مستوى إستراتيجية شاملة في مراجعة الغزو الإستعماري الشامل، وحتى بعد قيام السلطة الفلسطينية فانه لم يتم مناقشة هذا الأمر وكأنه لا يعني سوى ضحايا هذا الإستعمار وهم الشعب الفلسطيني بكل فئاته، ولن نجد في أرشيف (م.ت.ف) أو الفصائل كافة أو الحكومة أو المؤسسات ذات العلاقة بالأسرى من عام 1967 – 2020 ما يشير أنه تم مناقشة هذا الأمر الخطير وإتخاذ قرار بشأنه، ويبدو ان البعض يتجاهل ويتعامى عن حقيقة ان النظام القضائي الإستعماري هو جزء لا يتجزأ من منظومة الإستعمار وهو في خدمة المشروع الاستعماري الصهيوني ويمنحه الغطاء القانوني، وبمراجعة سريعة نسجل عقود من التعامل مع النظام القضائي الإستعماري يتضح ان هذا النظام وما يسمى بالمحكمة الصهيونية العليا تشرع الإستعمار بكل سياسات الإحتلال والإستيطان والإغتيالات والإعتقالات والتعذيب ومصادرة الأراضي والتهويد والتدمير، وكيف ان النظام القضائي الإستعماري ومحاكمه المدنية والعسكرية لا يقل خطورة عن الأذرع الأخرى الإستعمارية والحالات النادرة التي رفضتها المحكمة الصهيونية العليا لم تؤثر بتاتا على سياسات الإستعمار مطلقاً، اما منظومة القضاء العسكري فإنه يخضع بشكل مطلق لخدمة المشروع الصهيوني وما يسمى الإعتبارات الأمنية وهي منظومة تستند في التشريع الى قوانين الطواريء والأوامر العسكرية التي يصدرها ما يسمى قائد المنطقة بصفته مصدر التشريع، وهذه الأوامر تتناقض مع إتفاقيات جنيف، وتخالف قواعد القانون الدولي والمحاكم العسكرية هي إداة إستعمارية تفتقد لأدنى معايير وقواعد المحاكمات العادلة، وتخضع أحكامها بشكل مطلق لتحقيقات وإفادات تنتزع باغلبيتها الساحقة تحت التعذيب الجسدي والنفسي والتهديد بالأحاييل والألاعيب كما ان المحاكمات فيها لا تخضع لمرافعات بل أغلبها صفقات وأحكام ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الفلسطينيين والذين قضوا وما زالوا زهرة شبابهم وأعمارهم في غياهب السجون والزنازين ومعسكرات الإستعمار، وأزاء هذه الحقائق المأساوية ما زال هناك من يعتقد بإستمرار التعامل مع هذا النظام القضائي الإستعماري، والسؤال الأهم هل تدرك القيادة الفلسطينية خطورة إستمرار هذه الكارثة؟ وما دور الفصائل ومؤسسات الأسرى حيال هذه المسألة الهامة جداً؟

ونشير الى ان القائد الوطني مروان البرغوثي أتخذ قرار فور اختطافه عام 2002 برفض التعامل والتعاطي والاعتراف بهذا القضاء الإستعماري، وقرر مقاطعة المحكمة دافعاً ثمناً باهضاً وسنوات عمره تزيد عن الربع قرن في السجون مصراً على دعوة الفلسطينيين لمقاطعة النظام القضائي الإستعماري ولحق به عشرات الأسرى المناضلين، غير ان الفصائل سواء في السجون أو خارجها والقيادة الفلسطينية لم تتخذ قرار وطني بالمقاطعة. وان المطلوب وعلى وجه السرعة هو التوقف عن حالة اللامبالاة والإهمال والتقصير على مستوى القيادات الفلسطينية والفصائل والمؤسسات ذات العلاقة، وعقد لقاء وطني سياسي وحقوقي فوري لدراسة الخطوات الواجب اتخاذها حيال النظام القضائي الإستعماري وما يترتب على ذلك من نتائج وآثار، واعتبار ذلك جزء من معركة التحرر الوطني وأحد أعمدة المقاومة الشاملة للإستعمار، خاصة ان النضال والكفاح من أجل الحرية والعودة والإستقلال مستمر ومتواصل وطويل وشاق ويحتاج الى مراجعة شاملة وشجاعة لكثير من المواقف والسلوك، وإننا في الحملة الشعبية لإطلاق سراح القائد الوطني مروان البرغوثي وكافة الأسرى والتي نجحت في نقل قضية الأسرى نسبياً الى المستوى الإقليمي والعربي والدولي الى جانب جهود كافة المؤسسات ذات العلاقة بقضية الأسرى ندعو وبالتعاون مع كافة المؤسسات والشخصيات لتنظيم ورشة عمل كمقدمة لمؤتمر وطني لرسم رؤية وطنية إستراتيجية شاملة لمقاطعة النظام القضائي الإستعماري.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك