النجاة! البشرية تواجه تهديدات خطيرة.. من ينقذها!!؟

 بقلم : صالح عوض

من كوريا الشمالية والصين وروسيا إلى الولايات المتحدة وفرنسا تسابق جنوني لتطوير سلاح نووي يكفي لإبادة البشرية مرات عديدة، بالصواريخ العابرة للقارات، والغواصات المنتشرة في البحار والمحيطات، والقواعد العسكرية الموزعة وحاملات الطائرات..

إنه التحدي أمام المسيرة البشرية والذي يضع كل تقدمها العلمي والإنساني على كف عفريت، تتضاءل بجواره كل التحديات الأخرى من نهب الثروات وانعدام الحريات السياسية وحتى الاستعمار والميز العنصري.

من هو المتحكم في السيطرة على أزراره الخطرة، و من يمتلك كلمة السر؟ أم أن الموضوع يقع في دائرة التحكممن خلال التخويفبالمسيرة البشرية، لتوجيه شعوبها وحكوماتها بأوامر قادة الحكومة السرية؟

الحرب العالمية الثالثة: 

يكثر الحديث في الآونة الأخيرة عن حرب عالمية ثالثة ولقد أدلى في هذه التوقعات خبراء إستراتيجيون وعلماء تاريخ وسياسة لهم دورهم في صنع القرار الدولي كوزير الخارجية الأمريكية الأسبق هنري كيسنجر، الذي عبر عن وجود بوادر حرب عالمية على الأبواب، مبديا قلقه من احتمال نشوب نزاع مسلح بين أمريكا والصين.. وهذان البلدان يملكان أقوى إقتصادين في العالم، ومسلحتان بترسانة نووية مرعبة.

في كل حين ومنذ ألقت الولايات المتحدة الأمريكية قنابلها النووية على اليابان تلمع خطورة التهديد النووي وتزيده ضراوة ما يصدر عن مراكز بحثية او رسمية عن التصعيد في التسلح النووي فلقد ذكر تقرير صدر عن معهد ستوكهولم لأبحاث السلام أن الإنفاق العسكري العالمي في العام الفائت بلغ أعلى مستوياته رغم مغادرة الحرب الباردة منذ ثلاثة عقود.. الأمر الذي يكشف أن هناك أسبابا أخرى لصناعة الأسلحة.

في الحرب الباردة بين الكتلة الاشتراكية والعالم الرأسمالي بقيادة أمريكا كانت الاختلافات الأيديولوجية واسعة بين الطرفين وبدا للبعض أن الأسلحة التقليدية والنووية على أهبة الاستعداد.. لكن في حقيقة الأمر لم يكن ذلك ممكنا لأنه تدمير للعالم وهذا مالا يمكن ان يقرره المستفيدون من المتقاسمين للهيمنة فخاضت الإدارات الأمريكية لعبة التعمية والخديعة لجر الاتحاد السوفيتي إلى هزائمه بدون الحرب النووية بدء بدفعه لسباق التسلح وافتعال صراعات أيديولوجية معه ودفعه للإنسياح في أوربا الشرقية وما مثلته من عبء اقتصادي أنهكه ثم بجره الى مستنقع أفغانستان حيث أوصلته إلى حافة الهاوية التي اندفع إليها بمجرد تفكيره في إعادة هيكلته.

أما الآن فنحن إزاء وضع مختلف تماما وظروف مختلفة تماما وهذا يعني أن الحرب العالمية الثالثة لن تكون كما يتصورها كثيرون بل لعل مجرد الحديث عنها يسير ضمن مقصود امبريالي لتحقيق الغرض من الحديث عنها بالتخويف وردع الآخرين ودفعهم للتخلي عن طموحهم.

صناعة الخوف:

لقد كشف التعامل مع جائحة كورونا الكيدية بين الدول وتراشقها بالتهم كما حصل بين أمريكا والصين و انهيار جدوى التكتلات الدولية وما حصل بين ايطاليا والاتحاد الأوربي مثالا عليها.. كما أن الأوضاع الدولية التي تزداد تأزما بالحروب الاقتصادية تجعل من الصعب تصور اجتماع قادة العالم لمناقشة قضية المخاطر النووية.. وفي الوقت نفسه فإن القوى النووية التسع منهمكة الآن في تطوير ترسانتها النووية وليست في وارد التفاهم لتقليصها.. فمثلا لقد أجرت فرنسا مؤخرا تجربة لصاروخ نووي من إحدى غواصاتها، يسير بسرعة أكثر من سرعة الصوت بعشرين مرة.. وقد طورت كوريا الشمالية صاروخها المسمى “الوحش”، بمواصفاته المتطورة، كما تحاول الدول الأخرى وبخاصة الصين تعزيز ترساناتها النووية بأسرع ما يمكن.. هذا وقد تم إلغاء اتفاقية حظر الصواريخ النووية قصيرة ومتوسطة المدى التي كانت قائمة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق والمعروفة باسم «نيو ستارت» والتي انتهى العمل بها لإصرار الولايات المتحدة على انضمام الصين إليها كما أبلغ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، نظيره الروسي سيرغي لافروف.

وعلى عكس الولايات المتحدة وروسيا والدول الأخرى التي وضعت صواريخ باليستية عابرة للقارات في صوامع معززة، فإن هذا الخيار أقل جاذبية لكوريا الشمالية؛ لأن تلك المواقع الثابتة يمكن قصفها بسهولة، الأمر الذي سيجعل احتمالية انطلاقها في لحظات توتر أو سوء تقدير أمرا كارثيا وهذا يمنحها ميزة التخويف.. هذا وتخوض 5 دول أسيوية سباق تسلح صاروخي، لكن أنظار العالم لا تنصب إلا على كوريا الشمالية التي تطور صواريخ باليستية وبرامج نووية تعتبرها الولايات المتحدة الأمريكية تهديدا لأمنها القومي.. فسباق التسلح الصاروخي يمتد الى الصين، وتايوان، واليابان، وكوريا الشمالية، وكوريا الجنوبية ويتم تركيزه في تطوير صواريخ وشرائها يصل مداها إلى آلاف الكيلومترات، كما ذكرت مجلةبوبيلر ميكانيكزالأمريكية.

وسباق التسلح الذي تقوده الولايات المتحدة يتجه إلى اختراع أسلحة أكثر تدميرا، وإنتاجها.. ويرافق ذلك ضخ إعلامي لتكتمل عملية الترهيب لتحقيق جملة أهداف اقتصادية وسياسية فلقد حققت الولايات المتحدة أهدافها من خلال التخويف ولم تحقق هدفا من خلال الحروب.. إن هذا يكشف لنا حقيقة وظيفة المجمعات العسكرية الصناعية وعدم قبول الأمريكان أي تخفيض في إنتاجها للأسلحة، وفي الولايات المتحدة تحارب الأفكار التي تروج لنزع السلاح النووي وغيره، وكذلك فقد أصبح لدى بعض القوى العظمى ما يكفي لتدمير البشرية مرات عديدة وليس هناك ما يفسر هذا التسابق المحموم إلا جنون البحث عن عناصر اقتصادية وسياسية ونفسية أيضا ففي حين يشكل المركب الصناعي العسكري الأمريكي مصدرا لزيادة الأرباح، فهو كذلك يكرس الإرادة الأمريكية على الدول الأخرى. وهنا يبرز هدف استراتيجي انه التخويف الذي تجيد الإدارة الأمريكية اللعب به وهي تمتلك قدرات دعائية هائلة توظفها في تغذية التوترات الدولية، والتأثير في صناعة القرارات، ورسم السياسات الدفاعية للدول كما يحصل لدول الخليج العربي  فلقد بلغ حجم مبيعات هذه المؤسسات والمصانع آلاف مليارات الدولارات سنويا.. وفي المقابل يندفع الآخرون الى تبديد ثرواتهم كما فعل الاتحاد السوفيتي في تطوير أسلحته سابقا وكما تفعل السعودية حاليا ذلك لأنها تنفق في ميادين خاسرة لاطائل منها.

حقيقة الصراع:

أعادت التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة من جهة، والصين من جهة أخرى، إلى الأذهان ذكريات عن حقبة الحرب الباردة.. إلا أن الصراع الحالي يتجه الى العمق بعيدا عن الصراع الإيديولوجي الفج حيث أصبح صراع المشروعين الاقتصاديين الضخمين يستدعي صراعات أخرى بعد ان تبلور في الواقع مشروع الصين الاقتصادي والذي يجتاح قارات الأرض من أسيا إلى إفريقيا إلى أوربا وإدخال اقتصادات كثير من الدول في منظومة اقتصادية جديدة بما يسمى طريق الحرير ويعتمد هذا المشروع الضخم على تحالفات كبيرة وعميقة بدول مهمة كروسيا وباكستان وايران..

وهنا تتضح خطورة الحرب الاقتصادية التي تعمل الصين وروسيا وايران على بلورة عناصرها وأهمها على الإطلاق استبدال الدولار بعملات محلية الأمر الذي قد يوجه للاقتصاد الأمريكي ضربة قاصمة.. وبالفعل وقعت الصين مع روسيا، كما وقعت كذلك مع إيران اتفاقيات للتبادل التجاري بعملات محلية، الأمر الذي قد يفتح الباب واسعا أمام دول العالم للتوجه نحو الصين هروبا من العقاب والتضييق الأمريكي.

يأتي تدفق المشروع الصيني في مرحلة يئن الاقتصاد الأمريكي من مديونية تتراكم عليه نتيجة سياسات وحروب في العقدين السابقين كادا يعلنان عن الكساد العظيم فيه.. ومن هنا تحاول الولايات المتحدة استعراض قوتها العسكرية لثني الصين عن التمدد ولكنها تدرك ان هذا وحده لا يكفي فالصين تتحرك في المواقع التي تقتحمها بسياسات أخرى.. فأسرعت الى اتخاذ إجراءات متصاعدة عقابية في الضرائب والتشديد على المنتوجات الصينية ولم يجد ذلك نفعا فاتجهت إلى قطع الطريق على مشروع الصين بإثارة قلاقل أمامه كما حصل مؤخرا في سوقطرة وعدن حيث تقوم الإمارات المتحدة بالوكالة للتخريب على ميناء جاور الباكستاني وإيقاف تدفق طريق الحرير من باب المندب..

وفي الحالة التي نحن بصددها يتضح عدم جدوى التهديد بالنووي الذي كان يستخدم على مدار سبعين عاما للترهيب والتخويف ودفع الدول لمسارات محددة تحقق مصالح التسيد الأمريكي.. ففي حالة التقدم الاقتصادي الصيني تقف الترسانة الأمريكية مشلولة لان تحالفات الصين مع كوريا الشمالية يلوح بالرد من خلال قيادة كورية يبدو عليها التهور و عدم  قبول منطق التخويف الأمر الذي أفقد الأمريكان القدرة على المناورة إلى حد كبير في هذا الباب..

ولكن غياب التهديد النووي لا يعني إلغاء احتمال الاشتباك المسلح الجزئي بالأصالة أو بالوكالة في مناطق عدة بدءا من بحر الصين إلى مناطق تنتشر فيها الآن القوات الصينية والمصالح الصينية أو في مناطق تتواجد فيها حركات انفصالية.. وذلك بهدف محدد إلا وهو إعاقة التحرك الصيني في طريق الحرير واستنزاف الاقتصاد الصيني ماديا.

من الواضح في الحرب الباردة والتي كانت حرب النجوم وسباق التسلح وحرب التلويح بالنووي محركها الأساسي ليست سوى سبيلا للتخويف والترهيب وهي تبدو الآن قد فقدت عنصر قوتها وذلك بعد ان أصبح التنافس ليس فقط على ولاء الدول ومجالها الحيوي إنما في بناء اقتصاد يسود في العالم.

تدرك أمريكا والصين والدول الكبرى أن ليس هناك حرب نووية ولا يوجد من يغامر بها فهي قد حدثت مرة فقط ضد اليابان وذلك لأن دول المحور لم تمتلك قنبلة ذرية.. أما في عالم يعج بالترسانات النووية فإن أي مغامرة من أحد الأطراف تعني الدمار الواسع الذي لن ينجو منه أحد وهذا مالا يمكن أن يكون في مخطط صناع القرار الدولي وأعضاء الحكومة السرية..

صحيح أن أمريكا استخدمت قنابل ذكية في عدوانها على العراق ولكن لم يكن لها أن تستخدم ذلك إلا عندما كان العراق لا نووي لديه معزولا وقد تخلى عنه الروس و فقد النصير والحليف.. وبالتأكيد هذا ليس حال الصين.

إن الحرب بين الصين وأمريكا ستكون عنيفة في المجالات كلها الأمنية والاقتصادية والدعائية وقد تكون هناك اشتباكات مسلحة جزئية ولكنها لن تصل إلى زاوية السلاح النووي بأي شكل من الأشكال.

وفي هذا المناخ سيتقدم الصينيون بمقدار تخلصهم من العوائق نحو فرض واقع اقتصادي عالمي يحقق لهم وضعا إمبراطوريا ضخما تلجأ الولايات المتحدة معه إلى المفاوضات التي تحاول تقاسم الكون والتسيد على العالم لتعيد مرة أخرى ثنائية القطبية ولكن بعناوين جديدة.

من ينقذ البشرية:

كما هو واضح فان الصراع الدائر اليوم والمتشعب يتبلور في محورين محور طريق الحرير بقيادة الصين ومحور الاقتصاد الامبريالي بقيادة الولايات المتحدة.. ولعل الامبريالية وما فرخت لنا من استعمار لا زالت جروحنا لم تندمل مما فعله بنا إلا أننا بنفس الوعي التاريخي وبوعي طبيعة تكون الإمبراطوريات وأهدافها يجب أن يكون ماثلا أمامنا ان التحالفات دوما تتجه لصالح الحليف الأقوى ولا مجال للتحالف الصحي إلا عندما يكون بين قوى متكافئة.. وهذا يعني انه من العبث ان تسرع دولنا في طريق الحرير ولعل بعضها كما باكستان أغراها إغداق الصين عليها بالأموال في بناء ميناء جوادر الاستراتيجي ولكنها لن تستطع تحرير مينائها قبل أربعين عاما.. ستلقي الصين بفتات الأموال في مقابل تكبيل اقتصاد الدول وموانئها وثرواتها في خطة طريق الحرير وبالضبط كما فعلت الإمبراطوريات السابقة..

لن تكون الصين بديلا حضاريا عن الأمريكان والإدارات الرأسمالية.. بل لعل تراجع قيمة الإنسان وحقوقه في الصين تكشف عن طبيعة نظام ديكتاتوري بوليسي مغلق شمولي قمعي لا تؤهله قيمه إلى قيادة البشرية.. من هنا تصبح دولنا في دخولهاوهي فيما هي عليه من تخلف إداري وغياب رؤية وتهميش للتكنولوجيامحور طريق الحرير إنما هي في الحقيقة تعلن عن تنازلها عن ما حققته مع قلته على صعيد الحريات ومحاولات بناء تجارب تنموية مهما بلغ تعثرها.

بتركيز شديد لا يوجد اليوم إلا القارة المتوسطة الممتدة من طنجة إلى جاكرتا للتقدم فارضة رؤيتها الإنسانية بجعل الاقتصاد والربح وسيلة وليس هدفا.. والدفع بالقيم الإنسانية لتكون حاكمة في العلاقات السياسية وللعلاقة بمناشط الحياة الاقتصادية..

كل إمكانات النهضة موجودة لدى أمتنا من سلاح نووي وبترول وقطاعات متعلمين ورؤية إنسانية ومنهج حضاري و الأمر لا يحتاج قيام كل المحور فيكفي في البداية  تعاون بضع دول عربية وإسلاميةإيران وتركيا والعراق والجزائر ومصر وباكستان وماليزيا وأندونيسيا وسواهاويقام بينها محور اقتصادي بعملة واحدة وسوق مفتوحة مشتركة واستثمارات متكاملة و تكون الصناعة والخدمات التكنولوجية عصب نهضتها تقود العالم الإسلامي بسوق تشمله جميعا، وعندما تتضح معالم هذا المحور وقدراته تأتي تفاعلاته طبيعية مع المحاور الدولية بروح الندية والتعامل بالمثل دون ميل لهذا المحور او ذاك في التنافع مع فتح المجال واسعا للإسهام في المسيرة البشرية بتفعيل المنظمات الدولية في شتى المجالات وتصويبها خدمة للشعوب.. والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك