النبي الخالد.. ورفعنا لك ذكرك

د. بن عجمية بوعبد الله

أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

تحتفل الأمة الإسلامية قاطبة في كل أنحاء المعمورة بذكرى مولد المصطفى عليه الصلاة والسلام من كل سنة فيما يعرف: بالمولد النبوي الشريف والذي تتخلله عديد الأنشطة الدينية والثقافية والفنية التي تخلد ذكره وتتوارث حبه وتقديره لدى الأجيال المتعاقبة مصداقا لقول الله تعالى في محكم تنزيله: “ورفعنا لك ذكرك” رفع ذكر النبي محمد عليه السلام في قلوب المؤمنين عبر مختلف العصور والدهور بمختلف اشكال الذكر والتبجيل والتقدير والاحترام.

تأتي الاحتفالات بالمولد النبوي الشريف هذه السنة متميزة شيئا ما على اعتبار أنها جاءت وسط معركة شرسة ضد الإسلام والمسلمين افتتحتها كالعادة فرنسا على لسان رئيسها “إيمانويل ماكرون” في مناسبتين مختلفين: الأولى اعتداؤه على الإسلام الذي وصفه بأنه يعيش أزمة في كل البلاد الإسلامية في إشارة منه واستصغار لواحد من أكبر الديانات السماوية على وجه الكرة الأرضية والذي يمثل ثاني أكبر ديانة في أوروبا وفي فرنسا تحديدا يشكل المسلمون كتلة كبيرة من النسيج الاجتماعي الفرنسي الذين لا يمكن تجاوزهم أو إلغاء وجودهم بالسهولة التي يمكن أن يتصورها أي حاقد على الإسلام والمسلمين. أما المناسبة الثانية فعودته مجددا للاعتداء على النبي محمد عليه الصلاة والسلام وطلبه إعادة نشر الرسوم المسيئة له على اعتبار أنها حرية رأي وتعبير بعد قتل المجرس الفرنسي الذي أعطى طلابه درسا في التاريخ برسوم مسيئة للنبي محمد عليه الصلاة والسلام.

طبعا الهجمات على الإسلام وعلى نبيه والمسلمين جميعا أصبحت ظاهرة متجددة بمناسبة أو من دونها من قبل اليمين المتطرف الذي تبنت الدول رسميا خطابه وهو الأمر الذي حدث مع فرنسا مؤخرا، ينضاف إليها تصريحات وزير الداخلية الفرنسي الذي قال بأنه لم يعد مقبولا في فرنسا بيع الأكل الحلال الخاص بالمسلمين في تدخل صارخ في الحريات الفردية التي من المفروض أنها مقدسة ومحمية وفق الدستور الفرنسي والقوانين السارية المفعول، مما خلف موجة غضب عارمة لدى المسلمين تجسدت في المظاهرات والتنديدات وكذلك الدعوة إلى مقاطعة المنتجات الفرنسية في أغلب الدول الإسلامية وهي المقاطعة التي أتت أكلها لدرجة أن الخارجية الفرنسية نددت في بيان رسمي بضرورة إيقاف هذه المقاطعات والتي كبدت الاقتصاد الفرنسي ملايير اليوروهات.

عنما تتأمل ردة الفعل الغاضبة للمسلمين وكيف يرتب الله سبحانه وتعالى الأحداث تكتشف عمق وصدق الآية التي بدأت بها هذا المقال وهي: “ورفعنا لك ذكرك” وفي أية أخرى: إنا كفيناك المستهزئين” كما أنك تصل كذلك إلى خلاصة مفادها أنه دين محفوظ ونبي مصان وأتباع لهم من المكانة بقدر تمسكهم بدينهم وبنبيهم، وهنا تجدر الإشارة إلى الأمور المهمة التالية في هذه الهجمة الشرسة على الإسلام والمسلمين:

على المنظومة الغربية الحاقدة على الإسلام والمسلمين أن تدرك بأن تمسك المسلمين بدينهم ونبيهم ليست موضة أو مزاج أو أمر طارئ في حياتهم أو توجهاتهم إنما يعتبر الإسلام منهج حياة ونمط عيش يتعلق بجوانب الحياة جميعا النفسية والاجتماعية والمالية والسياسية والثقافية والحضارية، وأن الاعتداء عليه إنما هو اعتداء على منظومة بأكملها وليس هوامش بسيطة يمكن التخلي عنها أو المساومة فيها أو التفاوض حولها. في اعتقادي أن المنظومة الغربية لا تزال قاصرة في فهم هذا البعد المهم جدا عند المسلمين في تعاملهم مع دينهم ونبيهم وموروثهم المرتبط بذلك.

وجب التنبيه أننا عندما نتحدث على المنظومة الغربية الحاقدة على الإسلام فإننا لا نعمم الحكم على الجميع بل هناك الكثير من النخب الغربية والأحزاب والتنظيمات والمثقفين والإعلاميين وكذلك من الشعوب المنصفين والموضوعيين الذي يدافعون على المسلمين المقيمين معهم وضرورة حماية حقوقهم شانهم في ذلك شأن الجميع على أساس المواطنة والمساواة المطلقة في الحقوق والواجبات بين الجميع وبفضل هؤلاء ما يزال الإسلام محفوظا في تلك البلاد بفضل دفاعهم الدائم وإعلانه الدعم كذلك.

مسألة مهمة جدا تدعو على الدهشة والاستغراب وهو أنه كلما حاولوا التضييق على الدين الإسلامي وأتباعه كلما التف الناس حوله من غير المسلمين في محاولة فهمه ومعرفة الأسباب التي تدعو إلى محاربته أو التضييق عليه، فكلما تزداد الهجمات تزداد أعداد الذين يدافعون عنه أو يتبنونه وهذا دليل على أنه دين محفوظ من الله تعالى ويجعل له في كل ضيق أو منعرج أو تضييق مخارج عديدة قد يعجز الانسان على استيعابها في وقت حصولها.

ما يجهله الغرب على الإسلام أنه دين يختلف جذريا على تاريخهم الدامي مع الكنيسة التي كانت تحارب العلم والعلماء وكل ما يتعلق بالحياة التي كان الرهبان يسيطرون عليها بكل قسوة وسلب ونهب للاتباع على خلاف الإسلام الذي يعتبر دين حضارة ودين علم ودين حب ودين بناء ودين علم ودين افتتاح ولا يتعارض لا مع الفطرة البشرية ولا مع الحياة بمختلف جوانبها بل ومتكامل مع كل الرغبات الإنسانية وبالتالي محاولة مساواة الإسلام بالكنيسة والمسيحية فهذا اجحاف وظلم كبيرين ومقارنة لا يصدقها التاريخ تماما على اعتبار الهوة الكبيرة بين الدين الإسلامي وبين المسيحية المحرفة التي تبنتها الكنيسة وحكمت بالظلامية والتخلف ما ادرى إلى الانقلاب عليها وتحييدها عن السياسة بل عن الحياة تماما وأي دارس موضوعي ومنصف للتاريخ سيدرك هذه الحقيقة.

ليس من الانصاف ولا من العدل أن نعمم العنف والإرهاب على تصرفات فردية وإلصاقها بالإسلام عامة وبالمسلمين جميعهم فكما هناك مسلم قد يقوم بأعمال مرفوضة أو متطرفة يقوم بنفس الأعمال المسيحي واليهودي والبوذي وبالتالي تصر المنظومة الغربية على التسويق لمفهوم “الإرهاب الإسلامي” لكن في المقابل لا تتحدث عن الإرهاب اليهودي مثلا أو الإرهاب المسيحي وهذا فقدان لبوصلة الانصاف والموضوعية.

أخيرا وكنصيحة للمسلمين لا ينبغي أن يستجيبوا للاستفزازات أو للعنف لأن المنظومة الغربية دائما ما تحاول أن تلصق تهمة العنف والإرهاب والتخلف للمسلمين ولذلك يجب أن يثبت المسلمون دوما تحضرهم ووعيهم وإبراز حضارة دينهم وتاريخهم المشرق الذي أنار للإنسانية دربها وأنار طريقها في قرون استثنائية من حكمه وحضارته التي أقامها وألا يكتفوا فقط بالتنديد أو الرفض بالشعارات والمظاهرات بل ببناء حضارة تنافس على المسرح العالمي الذي لم يعد يعترف بالضعيف.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك