المنطلقات العسكرية للثورة الجزائرية 1954-1962.

دراسات تاريخية

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، طالب دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

 

إن انطلاق العمل المسلح ليلة الفاتح من نوفمبر 1954 يمثل أهم حدث على الاطلاق في تاريخ الجزائر المعاصرة، وللإحاطة بالحيثيات المؤسسة للحدث والوصول إلى الجذور القريبة لما جرى في تلك الليلة. ساهمت جبهة التحرير الوطني في وضع قواعد تعتمدها كمنطلقات عسكرية للثورة الجزائرية 1954-1962 داخليا وخارجيا.

فمن المقاومات الشعبية المسلحة التي لم تعرف انقطاعا حتى سنة 1921 إلى بداية ظهور بوادر العمل الوطني، ثم أحداث الثامن ماي 1945 التي رسخت قناعة التحول من فكرة النضال السياسي إلى حتمية الكفاح المسلح، فعمل نخبة من القادة إلى تأسيس المنظمة الخاصة 1947 تحضيرا للثورة المسلحة، ثم بداية عمل واستراتيجية جديدة بعد مؤتمر الصومام ونقل الحرب من مجالها المحلي إلى مجالها الإقليمي وبعدها المغاربي، وصولا إلى المحافل الدولية ثم الاستقلال سنة 1962.

 

المناخ السياسي الجديد 

 

إن عقيدة المقاومة العسكرية لجيش التحرير الوطني تشكلت منذ الساعات الأولى للغزو الاستعماري، وقد تبنى الشعب الجزائري خيار المقاومة الشعبية المسلحة باعتباره الأسلوب الاستراتيجي الوحيد المتاح في تلك الفترة – بدايات الاحتلال – للتعبير عن رد فعله العنيف وموقفه الرافض تماما للاحتلال. غير أن ظروفا تاريخية معينة اضطرتها مع بداية مطلع القرن العشرين لتخط طريقها نحو فكرة العمل السياسي والتعامل مع الادارة الفرنسية ثم المديرية العامة للشؤون الأهلية (بعد النظام العسكري، مرحلة النظام المدني 1871).

ولم تعرف تلك المقاومات الشعبية المسلحة انقطاعا في رفضها للوجود الاستعماري منذ سنة 1830 إلى سنة 1921. وذلك لازدياد هجرة الأوربيين إلى الجزائر للاستيطان والاستلاء على الأراضي الفلاحية الخصبة وإبعاد الجزائريين السكان الأصليين إلى المناطق الصحراوية.  

ثم وجدت السياق الملائم لتنبجس من جديد بعد ح.ع.2، في صورة المنظمة الخاصة، التي كانت تمثل رؤية استراتيجية واضحة ترمي إلى تفجير الثورة، بعدما ولدت من رحم حزب الشعب الجزائري الذي كان يسعى منذ نشأته إلى تحقيق الاستقلال كما جاء في منشور جوان 1927 الصادر عن نجم شمال افريقيا “… إلى إخواننا في الجزائر والمغرب وتونس…ناضلوا كي تحصلوا على حريتكم السياسية وعلى تحسين أوضاعكم…”. وهو ما يعكس فعلا تصور نجم شمال إفريقيا للتحضير الفعلي الثوري وأن قاعدة عسكرية تنظم في الأفق.

و في هذا الصدد جاء تأكيد مصالي الحاج لفرحات عباس ” أنا لا أثق بتاتا في فرنسا، فرنسا لن تعطيك شيئا، هي لا تنقاد إلا للقوة، ولن تعطي إلا ما تنتزعه منها “، وفي هذا إشارة صريحة إلى بداية تأسيس فكرة المقاومة المسلحة ضد الوجود الاستعماري بدل المقاومة السياسية ومن ثمت وجب العمل على التنظيم ووضع استراتيجية لاستطالة المقاومات الشعبية السابقة من حيث الفكرة والمضمون، فقد مثلت المنظمة الخاصة 1947 منعطفا حاسما من حيث الإطار التنظيمي والخطة الاستراتيجية، وذلك بمقدار ما عانت من تحولات عميقة بحكم الثقل الاستعماري وتماطل السياسة الفرنسية وما اغتنت به من خبرات جديدة بفضل تجربة النضال السياسي.

إن تأسيس منطلق عسكري للثورة الجزائرية 1954 لم يكن بالأمــر الهيـــن لما يحمله هذا النشاط من سرية تامة، ومناوأة المحيط الخارجي الذي كان الاستعمار ينوء عليه لإفشال أي مخططات تضعف فرنسا بالجزائر.

ويمكن إيجاز التطورات السياسية الفرنسية في الجزائر (1945-1954) من خــــــلال: 

 

قانون الجزائر الأساسي 1947م 

 

بعد قيام الجمهورية الفرنسية الرابعة  (1947-1954)، أدركت الادارة الفرنسية ضرورة القيام ببعض الإصلاحات في الجزائر، خاصة بعد ما قدمت التشكيلات السياسية (الاتحاد الديمقراطي، الحزب الشيوعي والحزب الاشتراكي) مشاريعها الخاصة قصد الخروج بدستور نهائي خاص بالجزائر، وبعد إدراك السلطات الفرنسية أن محتوى هذه المشاريع يشكل خطرا كبيرا على مستقبلها السياسي ومصالحها القومية، إذ دعت أغلب هذه المشاريع إلى الإدماج الكامل والمساواة التامة بين الجزائريين و الفرنسيين، عكفت فرنسا على إصدار قانون خاص بالجزائر في 20 سبتمبر 1947 .

لقد أوجدت الحكومة الفرنسية ” قانون الجزائــر” وجعلت المجلس الوطني يصـادق عليه يوم 20 سبتمبر1947، ومن حيث المضمون فإن هذا القانون لم يأتي بجديد، بقدر ما كان جامعا وملخصا لمحتويات المراسيم والقوانين والأوامر الاستعمارية التي عرفتها البلاد منذ السنوات الأولى من الغزو مثل قانون سنة 1833 وأمر 1934 ومرسوم 1898 وقانون 1900 والأمر الصادر بتاريخ 15 ديسمبر 1945 والقاضي بإنشاء مجلس مالي للجزائر، كمحاولة إصلاحات تقدمها فرنسا لتحكم السيطرة على الجزائريين.

ولاستمرارية المناورات الفرنسية في الجزائر جاءت انتخابات المجالس البلدية في 17أكتوبر 1947 في أقل من شهر من امضاء مشروع القانون الأساسي للجزائر ثم انتخابات 15 جانفي 1948 التي جاءت قصد انتخاب المجلس الجزائري وتأخرت هذه الانتخابات إلى 4 أفريل 1948 وهذا لتعيين “تاجيلان” حاكم عام جديد في الجزائر في 11 جانفي 1948. 

ومهما يكن من أمر فقد قامت السلطات الاستعمارية بالتزوير الفاضح في تلك الانتخابات و هو ما جاء على لسان الدكتور يحي بوعزيز، حيث يذكر رسالة للنائب الفرنسي ” جاك فونلوب اسبرابير ” (J-Fanlupt Esprobere) إلى وزير الداخلية يوم 14 أفريل 1949 “.. لم يكن الناخبون هم اللذين انتخبوا نائبهم، بل كانت الإدارة هي التي عينتهم، و ليس هذا أمر لا شك فيه فحسب، بل إنه أمر اعترف به الجميع، فليس في الجزائر كلها موظف واحد سألته فلم يقل أن الإدارة هي التي تدخلت في تعيين النواب..”.

و قد ذكر فرحات عباس النتائج في المجلس الجزائري على النحو التالي: 

  • 41 مقعدا للمستقلين الذين رشحتهم الإدارة الديمقراطية .
  • 9 مقاعد لحركة انتصار الحريات الديمقراطية
  • 8 مقاعد للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري .
  • مقعدان للمستقلين الاشتراكيين . 

 

التنظيمات الثورية 

 

و في نفس السياق، ظهرت العديد من المنظمات التي سعت إلى نقل النضال الوطني إلى مرحلة الكفاح المسلح، ولعل أولها ظهورا : ” لجنة العمل الثوري لشمال افريقيا ” CARNA التي أسسها بعض قياديي حزب الشعب ( بلقاسم راجف، ياسين عبد الرحمان، محمد طالب، وعمارة رشيد، محمود عبدون، حمزة عمر…) إثر اتصالات جرت مع الألمان في أواخر 1938. وكان هدفها الحصول على مساعدات من دول المحور قصد تفجير الثورة عند قيام الحرب العالمية الثانية التي كانت تلوح في الأفق. 

لكن معارضة مصالي الحاج لهذه الجماعة، كما يتبين من خلال قرار فصل جميع عناصرها من الحزب، وعدم جدية الألمان في التعاون معها، جعل هذا التنظيم يستنفذ أغراضه ويدخل في بيات شتوي حتى نوفمبر 1942، حيث بعث الإنزال الأنجلو- أمريكي الحيوية في بقاياه، فكونت منظمة جديدة، و كان حي القصبة بمدينة الجزائر مركز نفوذها، و قامت بعدة أعمال كجمع السلاح، والدعاية المضادة للتجنيد، وتوزيع بيان الشعب الجزائري، وإصدار جريدة “العمل الجزائري”.

و في نفس الفترة (1942) في حي بلكور، قامت مجموعة من الشباب المناضل في حزب الشعب ( محمد بلوزداد، أحمد محساس، أحمد يوسفي، محمد تازير باشا…) بتأسيس تنظيم شباني حمل اسم ” لجنة شباب بلكور ” CJB، واضطلع إلى جانب النشاطات السياسية كتوزيع المناشير، ومقاومة التجنيد الاجباري والدعوة للاستقلال… بالنشاطات شبه العسكرية، تمثلت خصوصا في سرقة الأسلحة من المعسكرات الأمريكية والإنكليزية الموجودة في سهل متيجة .

وفي عام 1944، بعد إدماج هاتين المنظمتين في منظمة واحدة، قامت إدارة حزب الشعب بانتقاء 20 مناضلا ( محمد بلوزداد، مصطفى عبد الحميد، والي بناي، يوسف حداد، مصطفى دحمون، أحمد حدانو، عبد القادر بودة، محمد هني، عبد القادر تاقليت، رابح زعاف… ) وكونت منهم مجموعة مسلحة تتولى حماية اجتماعات الحزب وإطاراته وتأديب الخونة وغلاة الشرطة الاستعمارية وأسندت قيادتها إلى محمد بلوزداد .

لم يكن التحضير للكفاح الوطني يجري داخل التنظيمات الوطنية فحسب بل كان يتم في قلب الجيش الاستعماري أيضا، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها محاولة الرقيب أوعمران الذي كون شبكة وطنية بمدرسة مختلف الأسلحة بشرشال، ضمت أكثر من 40 جنديا وضابط صف من الجزائريين (معسكري قدور، علي راسم، شريفي محمد، بن مقدم، سعدون، دزيري،…) وخططت للاستلاء على مخازن الأسلحة والذخيرة ثم الالتحاق بالجبل، إلا أن وشاية أحد أعضائها إثر حوادث ماي 1945 أدى إلى كشفها و تفكيكها. ولم تكن هذه الشبكة وحدها بل كانت مدعومة بشبكات أخرى في ثكنات الجزائر والبليدة وقسنطينة، لكن المصادر المتوفرة لا تعطينا معلومات عنها باستثناء بعض النتف المقطوعة عن سياقها… فمثلا لا ندري إن كانت شبكة المناضل صالح بوذراع في قسنطينة التي ورد ذكرها في بعض المراجع، والتي تولت تهريب الأسلحة من ثكنة القصبة بالمدينة إحدى تلك الشبكات أم لا ؟ 

كل ما سبق الإشارة إليه من دراسة للمقاومات الشعبية والتجارب العالمية وما تعرض إليه أعضاء المنظمة من إطلاع معمق حول كيفيات العمل العسكري محليا وإقليميا ودوليا والتعرف على حرب العصابات والجوسسة البوليسية والاستعلامات، دليل قاطع على اهتمام أعضاء المنظمة بكيفية تحقيق أهداف العمليات العسكرية وكذلك دليل آخر على عمق العقيدة العسكرية وتطوراتها لجبهة التحرير الوطني الممثل الشرعي والوحيد للشعب الجزائري. بل إن دراسة الموضوع بشكل أكثر عمق يدفعنا لكثير من التساؤلات التي وجب أن توضح في محطات مختلفة من هذه السلسة التي نعمل على نشرها. وخاصة ما تعلق بالمنابع الفكرية والتاريخية التي كان لها الدور الفعال في خلق عقيدة عسكرية لجيش التحرير الوطني تدفع به حتى الاستقلال رغم ما وجدته من معارضة داخلية شرسة…. يتبع.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك