المنطلقات العسكرية للثورة الجزائرية 1954-1962

من خلال الفكر العسكري والاستراتيجي الحديث

بقلم الأستاذ: قواسمية عادل، طالب دكتوراه جامعة الأمير عبد القادر قسنطينة.

 

   – الجزء الثاني –

 

تبين قلة من المعلومات أن التفكير في الثورة والتخطيط لها في هذه الفترة لم يكن حكرا على حزب الشعب، فحسب روايات بعض قيادات الكشافة الإسلامية كـ الصادق الفول وصالح بوبريط…التي كانت مقربة من القائد محمد بوراس الذي أعدمته السلطات الكولونيالية يوم 27 ماي 1941 بتهمة تسليم وثائق سرية للألمان، أن هذا الأخير فعل ذلك مقابل الحصول على السلاح، وفي إطار خطة عامة ترمي إلى إعداد الشبيبة الكشافية للكفاح المسلح.

تنقل بعض الروايات عن رئيس جمعية العلماء المسلمين، الشيخ ابن باديس، أنه كان يفكر في استغلال مصاعب فرنسا مع مجموعة من الطلبة في جامعة الجزائر إثر النكبة التي حلت بفرنسا في جوان 1940، وكانوا حوالي 14 طالب منهم شوقي مصطفاوي ومولود بوقرموح وعلي بن عبد المومن، وعبد الرحمان علاق وأحمد سيدي موسى ومولود معمري وعمار برجم… وقرروا بعد سلسلة من الاجتماعات تفجير الثورة في الفاتح أكتوبر 1940، ووضعوا برنامج العمل، لكن اتصالهم بالأمين دباغين فتح أعينهم على الطابع الطوباوي لمشروعهم، فتخلوا عنه وانظم معظمهم إلى حزب الشعب. 

 

  • الحركات العفوية 

 

ويمكن أن ندرج في هذا الإطار أيضا التحاق العديد من الجزائريين سواء كانوا جنودا فروا من الجيش الفرنسي أو عمالا في المهجر بالقوات الألمانية من باب عدو العدو صديق. وسعى بعضهم إلى نقل نشاطه إلى الجزائر، ومن بينهم محمدي السعيد الذي حاول سنة 1944 مع مجموعة كومندوس الدخول إلى الجزائر لإشعال لهيب الثورة ضد الوجود الاستعماري، لكن الأمن الفرنسي تفطن لهم وألقى عليهم القبض في تبسة. وحاول أيضا الجنود الجزائريون الذين كانوا ضمن القوات الألمانية في تونس بعد اندحار تلك القوات تشكيل جيش جزائري يقوم بتحرير البلاد. 

وعلى العموم، فإن المحاولات الثورية في هذه الفترة كانت كثيرة ومتنوعة وهي تعكس مرحلة مخاض ثوري في أوجها غير أن ساعة الميلاد لم تكن قد حانت، وأن تلك المحاولات الثورية تعبر أيضا وتعكس حقيقة العقيدة العسكرية للثوار الجزائريين الذين كانوا يؤمنون بالكفاح المسلح واشعال لهيب ثورة يتم فيها القضاء على الوجود الاستعماري تحت راية جيش التحرير الوطني ومن قبلها جبهة التحرير الوطني.

 

  • استراتيجية عمل المنظمة الخاصة 1947

 

 لقد شرعت قيادة المنظمة الخاصة في معالجة كيفية التحضير للثورة المسلحة مباشرة بعد مؤتمر فيفري 1947 واستمر ذلك حتى اجتماع ديسمبر 1948. وفي هذه المرحلة جرى استعراض التجارب الوطنية السابقة ودراسة نقاط قوتها وضعفها لأخذ العبرة منها كمقاومة الأمير عبد القادر. وانتفاضة الحاج أحمد المقراني 1871 وحوادث ماي 1945… ولم تكتف إطارات المنظمة بدراسة التجارب فحسب بل سعت كذلك إلى الاستفادة من أفضل ما توصل إليه الفكر العسكري والاستراتيجي الحديث كآراء الجنرال الألماني ” فون كاوزوفيتر” (1780-1831) المضمنة في كتاب التحفة ” في الحرب ” وهو ملخص قيم لجميع المعارف المتعلقة بالفن العسكري، ومؤلفات الاستراتيجي الإنجليزي “ليدل مارت” الذي طور “نظرية التقرب غير المباشر” واعتبرها أفضل الاستراتيجيات على الإطلاق وهي تتضمن عدم الاقتراب من العدو إلا بعد إزعاجه ومفاجأته وزعزعة توازنه، إلى جانب الكتابات الشيوعية التي عالجت مواضيع الثورة وأشكالها وفن الانتفاض. وتعليقات لينين على آراء كلوزوفيتز، ومؤلفات ماوتسي- تونغ، زعيم الثورة الصينية الذي يعد أحد أهم منظري حروب التحرير. بالإضافة إلى العديد من الدراسات المعاصرة التي تتناول حروب العصابات والقوات الخاصة والاستعلامات. وحتى الروايات البوليسية وقصص الجوسسة كانت مصدر إلهام استراتيجي للمنظمة الخاصة. ولا تفوتنا الإشارة إلى ما كانت تتحصل عليه المنظمة الخاصة من معلومات خاصة بالعمليات العسكرية عن طريق النائب أحمد مزغنة عضو لجنة الدفاع الوطني في البرلمان الفرنسي. وستسمح دراسة هذه التجارب والنظريات لإطارات المنظمة بتوسيع آفاقها، ومن البديهي أن ينعكس ذلك إيجابا على الاستراتيجية التي سترسمها.

لقد عرف النقاش داخل هيئة الأركان للمنظمة الخاصة خيارات استراتيجية رئيسية مطروحة تعددت واختلفت لاتساع الرؤية والكيفية المناسبة لتنفيذ عمل عسكري ناجح، فمنها ما تعلق بـ : 

الانتفاضة الشعبية: التي تتضمن مجابهة العدو في اختبار مباشر للقوة بحثا عن حل حاسم، وقد جرت نقاشات حادة داخل هيئة الأركان حول هذا الخيار، خاصة في اجتماع ديسمبر 1947 واجتماع جانفي1948. وتم الاتفاق في النهاية على استبعاد هذا الخيار لأسباب أهمها: أن الزمن قد تجاوز مفهوم تفوق الحشد الذي يرتكز عليه هذا الخيار بفعل التطور الكبير الذي عرفه التسليح الحديث. وكذلك لأن فرنسا لن تتردد في استخدام كل الوسائل التي بحوزتها من أجل الاحتفاظ بالجزائر،فموازين القوى غير متكافئ بين الطرفين. 

إرهاب معمم : يعتمد على استهداف الشخصيات التي تمثل النظام الاستعماري الذي دعت إليه العديد من قادة الحزب ومناضليه. وهو ما يعكس الشعور بعدم الثقة في العمل الشرعي الذي استحال إلى مهازل انتخابية تتبعها أعمال قمع متعددة الأشكال، وقد تم استبعاد هذا الخيار لعدم فعاليته وسلبيته حيث يؤدي إلى قمع معمم وعشوائي من طرف الاستعمار، وتبعا لذلك يبعد الشعب عن الحركة الثورية. وتعطي تجربة صيف 1945 مثالا حيا على ذلك، حيث أصدر حزب الشعب أوامر باغتيال المترشحين للانتخابات، فلم تكن نتيجة وضعها حيز التنفيذ في بعض المناطق مثل دلس وبرج منايل سوى تعريضها لقمع وحشي وتحطيم هياكل الحزب بها.

-تشكيل منطقة محررة: ويقتضي هذا الخيار تركيز القوات الثورية في منطقة محددة تتمتع بالحصانة الطبيعية، وتكون قاعدة يقام فيها الحكم الوطني قيل غيرها وينطلق منها لتحرير بقية البلاد. وتسمح هذه المنطقة للقوات الثورية زيادة على الاعتصام بها، بإقامة المنشآت الصغيرة التي تحتاج إليها كالمشافي ومراكز التعليم والتدريب والمخازن ووسائل النشر. ولكن بعد دراسة هذا الخيار اقتنع الجميع بضرورة التخلي عنه وذلك لأنه قرار تنقصه الاستراتيجية للوصول لحرب تحريرية وينقصه دعم لوجستيكي وهذا ما لم يكن متوفرا بالنسبة للمنظمة الخاصة، وعليه فإنشاء منطقة محررة في تلك الظروف لا يخدم القوات الثورية، بقدر ما سيجعلها عرضة لأنواع كثيرة من الانتقام .

-حرب الأنصار: تبنت قيادة المنظمة الخاصة هذا الخيار الذي يعتمد على استراتيجية ” التقرب غير المباشر” لأنه الأكثر ملائمة لظروف البلاد. فمثل هذه الاستراتيجية يعتمد على صراع طويل الأمد يهدف إلى إزعاج العدو وزعزعة توازنه وتفتيت معنوياته من خلال عمليات تقرب غير متوقع وفي اتجاهات متحولة. وأيضا لأن ضعف التشكيلة كان يقتضي أن تبدأ الثورة في شكل حرب صغيرة تقوم بها جماعات قليلة العدد ومزودة بسلاح محدود. زيادة على أن هذا الشكل من الحروب يسمح بتجاوز مشكلة ضعف الوسائل وبدائيتها، باستخدامها لأساليب فعالة في إطار صراع شامل يتصف بطول أمده وضعف حدته. ويكون سعي العدو للقضاء عليه كمحاولة “صيد الذئاب بالبندقية”، ويجبره على بذل جهد أكبر بكثير من أن يستطيع تحمله إلى ما لا نهاية.

لقد كان هدف المنظمة الخاصة هو اسقاط النظام الكولونيالي وإقامة دولة وطنية تتمتع بكل معطيات السيادة، ووسيلتها هي الكفاح المسلح حيث انتهت جميع الوسائل السلمية إلى إفلاس فعلي وثبت أن عنف الاستعمار الزاجر القاهر لا يقضي عليه إلا عنف الشعب المباشر المحرر.

ولتنفيذ هذه الاستراتيجية “حرب الأنصار” وضعت هيئة الأركان عددا من المبادئ كانت بمثابة خطوطها الرئيسة ومنطلقاتها العسكرية لبعث ثورة تحريرية ذات أبعاد وطنية وإقليمية ودولية، وفي نفس الوقت كان لمنابعها التاريخية والفكرية دوره في خلق عقيدة عسكرية لدى مناضلي جيش التحرير الوطني وكان لاقتباسها من تجارب الآخرين مبررات انتقاء لهذه الاستراتيجية ذات الخطوط العريضة، وتتمثل تلك المبادئ في: 

أ‌- الحرب الشعبية: إذ كان ينبغي لكي تنجح ” حرب الأنصار ” أن يقف إلى جانبها الشعب بكل طاقاته لأن ” الشعب بالنسبة لحرب الأنصار كالماء بالنسبة للسمك “. لذا كان لزاما على الشعب مساندة حرب الأنصار وأن تتحول هذه الحرب إلى حرب شعبية حقيقية يشارك فيها الجميع، فقد كتب ” إنجلز ” يقول في هذا الصدد: ” لا وجود لحرب شعبية حقيقية يشارك فيها شعب برمته وبمحض إرادته إلا في الجزائر والقوقاز”. 

ب‌- حرب العصابات: وهي طريقة في القتال تتفادى الدخول في مجابهة مباشرة مع العدو نظرا لتفوقه في العدد والعتاد تفوقا كبيرا. واشتهر هذا النوع من الحروب منذ استخدام اسبانيا لها مطلع القرن 19 ضد نابليون. وحرب العصابات لا تعتمد على نمط واحد حيث تتغير باستمرار، فتارة كمين، وتارة تخريب وأخرى عملية فدائية أو هجوم أو اشتباك أو مناورة…مع تغيير الأمكنة و الأوقات.

ت‌- الدفاع الاستراتيجي: يعتبر الدفاع شكل متفوق من أشكال الحرب، لأنه يسمح بالانتظار المفيد واستثمار أخطاء العدو والموافقة بين الأحداث.

ث‌- معرفة الأرض:التي تعد قاعدة أساسية للحروب وذلك بتقدير الأمكنة الصالحة ووضع الكمائن الناجحة لخوض المعارك بمراوغة سريعة ترهب العدو. 

إن اسقاط النظام الكولونيالي وإقامة دولة وطنية كان ولابد أن يعتمد على دبلوماسية للثورة، الأمر الذي كان يقيم ضرورة الدخول في اتصالات مع حزب الاستقلال المغربي وحزب الدستور التونسي لإقناعهما باعتماد الكفاح المسلح كعمود فقري لمعركة التحرير وإقامة جبهة بينها تتعدى وحدة الأهداف إلى الالتزام بالتنسيق في جميع مراحل المعركة حتى التحرير، وهو ما يعرف بتوحيد كفاح المغرب العربي، كقاعدة انطلاق جديدة لمجابهة العدو المشترك.

إن الحديث عن المنطلقات العسكرية لجبهة التحرير الوطني يجرنا للحديث عن نقل الصراع إلى فرنسا. وذلك بهدف خلق الاضطرابات الداخلية في فرنسا من أجل تحقيق اللااستقرار و اللاأمن و اعتبار فرنسا ولاية سابعة في نظر القادة الثوريين. وهو ما تحقق فعلا بعد مؤتمر الصومام 20 أوت 1956.

تواصلت التطورات السياسية و العسكرية لجبهة التحرير الوطني في وضع قواعد تعتمدها كمنطلقات عسكرية للثورة الجزائرية 1954-1962 داخليا و خارجيا، فمن المقاومات الشعبية المسلحة التي لم تعرف انقطاعا حتى سنة 1921 إلى بداية ظهور بوادر العمل الوطني ثم المشاركة في الحرب العالمية الثانية، ليدخل الشعب الجزائري مرحلة جديدة بعد وعود فرنسا الكاذبة و تنكرها لوعودها بعد أحداث الثامن ماي 1945 وصولا إلى قناعة التحول من فكرة النضال السياسي إلى حتمية الكفاح المسلح، خاصة بعد ظهور نخبة من القادة الذين زاد وعيهم بفرنسا الاستعمارية. هذا إلي حين تأسيس المنظمة الخاصة 1947 لاستطالة المقاومات المسلحة السابقة من حيث الفكرة والمضمون، حتى اندلاع الثورة التحريرية الكبرى. ثم بداية عمل وإستراتيجية جديدة بعد مؤتمر الصومام ونقل الحرب من مجالها المحلي إلى مجالها الإقليمي وبعدها المغاربي، وصولا إلى المحافل الدولية ثم الاستقلال سنة 1962. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك