الممارسة الديمقراطية بين الاكتساب والممارسة

تقدير حالة

د. بن عجمية بوعبد الله

أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

أعترف في البداية أنني كلما أكتب عن موضوع الديمقراطية ينتابني شعور من الحماس والأمل والتفاؤل بأن منطقتنا العربية ليست استثناء في هذا العالم ،ولن تكتب عصورها في تأريخ الاستبداد فقط، بل يمكن أن نحقق تجارب ديمقراطية ناجحة كالتي هي في البلدان الديمقراطية العريقة، وربما أحسن وأجود ،ومع وجود هذا الأمل ،والتفاؤل أكيد سنصل في يوم من الأيام إلى هذا المراد والمبتغى.

لقد عاشت أوروبا مثلا عصورا مظلمة كثيرة من الإحتراب والاقتتال وسيطرة الكنيسة والحكام المستبدين الذي حاربوا العلم وقتلوا وسجنوا المفكرين والأدباء والفلاسفة، لكن أحلام المناضلين في ذلك الزمان الذين تصدوا للحاكم المستبد كللت كلها بالنجاح وهم في عالم اليوم يسودون ويسيرون ويتحكمون.

قلت عن دولنا أنها أحلام وأحاسيس من التفاؤل، ولكن السؤال المطروح كيف أكون ديمقراطيا؟ هل بالأماني فقط؟ هل بالشعارات فقط؟ هل بالادعاء والتمثيل فقط؟ أم أن الأمر يحتاج إلى بناء فكري وسياسي ونفسي واجتماعي صلب يبدأ من الجماعات الأولية ومنذ الصغر؟

تجدر الإشارة وقبل الإجابة على هذا التساؤل الفلسفي المهم أن التحلي بالسلوك الديمقراطي هو أمر مكتسب كالعديد من القناعات والممارسات السياسية والاجتماعية وبالتالي لا يستطيع أن يدعي أي منا عجزه وتقصيره على أنه لم يستطع أن يكون ديمقراطيا أو أن يعيش في مجتمع حر ومناخ ديمقراطي، وبالتالي مادام الأمر خاضعا للاكتساب والتعلم والتطوير فلا حجة لأحد أن يكون مستبدا أو متسلطا أو محتكرا أو عدوانيا أو رافضا للرأي الأخر أو مهمشا أو مستدعيا لكل راي أو قناعة تخالف ميوله ورغباته.

إن السلوك الديمقراطي أو الممارسة الديمقراطية مثل الطفل الصغير الذي وجب أن ينمو وفي سن مبكرة بخضوعه للتربية والتنمية والتكوين والتأطير في تسلسل مرحلي وعمري إلى غاية مرحلة البلوغ والنضج والانطلاق في الحياة، فالديمقراطية لا يمكن أن نتعلمها في الكبر وإنما هي سلوكيات منبثقة عن ثقافة وجب تعلمها في البيت أولا وفي المدرسة وفي المسجد والشارع والجامعة والحزب والجمعية والمنظمة والدولة وهكذا، فمن عاش مستبدا في أسرته مثلا لا يمكن أن يكون ديمقراطيا في الحزب مستقبلا أو عند وصوله لمراتب متقدمة في مؤسسته أو في الحكومة مثلا ومختلف مؤسسات تسيير الشأن العام، ولذلك نجد أنفسنا نصدم كثيرا في عديد الشخصيات العامة التي كانت تمثل لنا القدوة والنموذج ولكن في أول امتحان لتسيير الشأن العام بدأت بواعثه النفسية التي تربى عليها تظهر من استبداد وتسلط وقمع للرأي الآخر وتصفية لكل من يخالفه القناعات والتوجهات، فتدرك بأن هذا المستبد ورث الاستبداد من الجماعات الأولية وهي الأسرة والشارع والأمكنة والفضاءات التي قضى فيها سنواته الأولى في الحياة والعكس صحيح بالنسبة للشخص الدمقراطي والمنفتح على الآخرين فكرا ورأيا وسلوكا وصداقة واحتكاكا ونقاشا وقبولا للتعدد والاختلاف.

كن ديمقراطيا في أسرتك: تعتبر الأسرة المحضن الأول الذي نتعلم فيه كل شيء الصدق والكذب، الحب والبغض، العلم والجهل، الوعي والتخلف، الكرم والبخل، الالتزام والانحراف، الديمقراطية والاستبداد، من الأسرة نتعلم الاختلاف واحترام المواقع والترتيب الأسري، في الأسرة نتعلم قبول الآراء الأخرى المتعددة والمتنوعة ممن يقاسموننا نفس الفضاء لكن لا يقاسموننا نفس التوجهات والميول، فكما لا نحب في الأسرة نفس الأطعمة وليس لدينا نفس الاذواق اللباس ونفس الميول في المواهب والتخصصات العلمية أيضا نختلف في الأفكار والآراء وتقييمنا للأحداث التي تمر علينا. إن الأسرة هي الفضاء الرئيسي الذي نختبر فيها قدرتها على أن نكون ديمقراطيين أو مستبدين.

كن ديمقراطيا في الفضاء العمومي: ونقصد بالفضاء العمومي كل فضاء خارج الأسرة ويشترك فيه معك أناس آخرون كالمدرسة والشارع والمسجد والأصدقاء، حيث التناقضات والاختلافات الكبيرة والمتعددة وفي كل شيء وهو الاخر اختبار كبير لمدى قبولك لفكرة التعايش والتكيف والتأقلم مع فضاء فيه الكثير مما لا يعجبك أو لا توافق عليه، ولذلك نلاحظ ونحن صغار أن أناسا كانوا يمارسون في المدرسة وفي الملعب وفي الشارع الاستبداد على اقرانهم وممارسة العنف عليهم وهكذا كبروا، فيستحيل على هؤلاء أن يتحولوا في الكبر إلى ديمقراطيين ومنفتحين والعكس صحيح كذلك.

كن ديمقراطيا في منظمتك أو حزبك أو نقابتك: وهنا كذلك اختبار حقيقي لمدى قدرتك على أن تكون ديمقراطيا خاصة في هذه الهيئات والمنظمات التي لها خصوصية التعامل مع الشأن العام والتي تجمع في العادة أناسا من مشارب جغرافية وفكرية وسياسية واجتماعية ونفسية متعددة حد التناقض أحيانا، ولذلك نسمع في كثير من الأحيان عن اندلاع الصراعات والانقسامات بين أبناء الحزب الواحد والتوجه الواحد ناهيك عمن يخالفك القناعة كذلك، والسبب بسيط جدا وهو أن الصراع عادة يندلع عندما نرفض بعضنا البعض أو نقصي بعضنا البعض وهي للأسف الشديد سلوكيات غير ديمقراطية لأن هؤلاء لم يكونوا أبدا ديمقراطيين في الصغر فكيف يكونون كذلك عند الكبر.

كن ديمقراطيا عندما تصل إلى الدولة: وأقصد بالدولة كل مؤسسة من مؤسساتها التي تعنى بتسيير وتأطير الشأن العام ولذلك نجد في العالم دولا ديمقراطية لأن حكامها ديمقراطيون ودولا غير ديمقراطية لأن حكاما لم يتربوا على السلوك الديمقراطي الحر والنزيه والشفاه، فالحاكم المستبد كان بالضرورة طفلا مستبدا وتلميذا مستبدا ومراهقا مستبدا وزوجا مستبدا كذلك، والديمقراطي هو عكس ذلك أيضا، فالديمقراطية ليست هدية من السماء تنزل فجأة وإنما هي مسار من التكوين والقناعة والتمرن ضمن خبرات الحياة المتعددة وتجاربها المتنوعة.

طبعا الديمقراطية ليست مسؤولية الفرد فقط وإنما هي عبارة عن تكاتف جهود عديد المؤسسات داخل المجتمع، فالإعلام يجب أن يلعب الدور الكبير في زرع هذه الثقافة وهذا المفهوم النبيل وكذلك ينسحب الواجب على المناهج التربوية ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب السياسية والسلطة بمؤسساتها المختلفة، ففي النهاية نحن جميعا مسؤولون عن تأسيس عقد اجتماعي نتعارف على مفاهيمه الأساسية ضمن دائرة الحقوق والواجبات تحت غطاء مناخ صحي من الحرية والتعددية وقبول الآخر.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك