المعركة التي زعزعت عرش الإمبراطورية الفرنسية ج 01

معركة الجرف الكبرى بتبسة

بقلم فرحاني طارق عزيز 

بمناسبة الذكرى الـ 65 لمعركة الجرف الكبرى أم المعارك التي خاضها مجاهدي جيش التحرير الوطني في الفترة الممتدة ما بين 22 إلى 25 سبتمبر 1955م بجبل الجرف الذي يتوسط سلسلة جبال النمامشة بناحية تبسة، والتي كانت بحق واحدة من بين المعارك التي لقبها علماء الأمة الإسلامية بمعركة بدر الثانية، وبما أن المناسبة كبيرة فإننا سنقوم بنشر تفاصيل هذه المعركة الخالدة عبر جريدة الوسط. 

 

أسباب معركة الجرف: 

 

تشير شهادات مجاهدي الرعيل الأول للثورة التحريرية بمنطقة تبسة إلى أن القائد شيحاني بشير قائد الإدارة العليا لجيش التحرير الوطني بالمنطقة الأولى قرر بعد نهاية معركة أم الكماكم أن يعقد اجتماعا مع سكان منطقة تبسة لأجل أن يدحض الادعاءات التي كانت تطلقها مصالح المخابرات الفرنسية والتي تهدف إلى تشويه صورة مجاهدي جيش التحرير الوطني حيث وفي هذا الاطار يقول المجاهد المرحوم لحبيب عباد في شهادته: “بعد نهاية المعركة توجه فوج القيادة وفوج فارسي محمد بن عجرود إلى الجبل الأبيض أين التقى بفوج عباد الزين في وادي مسحالة، وتمركز الفوجان في الوادي لمدة خمسة أيام، أين تكفل المجاهد حمّة حسن بمسألة تموينهم، وبعدها أصدر شيحاني بشير قرارا عسكريا للأفواج المتواجدة في وادي مسحالة للتحرك من المكان، وعين المجاهد حمّة أحسن دليلا للوحدات لأنه يعرف الجبل، حيث توجه الجميع إلى وادي الجديدة أين عقد القائد شيحاني بشير اجتماعا عسكريا قال فيه مايلي  لابد من توجيه إعلان للشعب لدحض ادعاءات فرنسا بأننا فلاقة وقطاع طرق ولشرح أهداف الثورة”.

التحضير لاجتماع رأس الطرفة: 

بعد ذلك عمل القائد شيحاني بشير على تنظيم أفواج الثورة وهيكلتها وتقسيم المنطقة إلى مناطق ونواحي وقسمات، بعدما سميت القيادة باسم الإدارة العليا للثورة، في صيف 1955م، منها منطقة آريس وباتنة وبسكرة وسطيف وبلزمة وبئر العاتر وتبسة والحدود التونسية وسوق أهراس وعين البيضاء. 

وفي أواخر شهر جويلية 1955م، عاد شيحاني بشير من مهمة مراقبة وتنظيم ناحية تبسة، التي استغرقت عشريا يوما، وعقد اجتماعا في أواخر صيف 1955م، بمقر القيادة العليا لجيش التحرير الوطني، بأوراس النمامشة، وقد حضره كل من: شيحاني بشير. عاجل عجول المسؤول السياسي. عباس لغرور المسؤول العسكري. خلادي نور الدين كاتب الإدارة.  معارفي حسين كاتب الإدارة.

وقد اتفق الجميع على عقد اجتماع كبير بواد هلال جنوب تبسة، يحضره مجاهدي المنطقة وشعبها، وأعيان الاعراش، وقد درس شيحاني بشير ونوابه في جدول أعمال الاجتماع: طريقة تنظيم الاجتماع. توزيع الحراسة بواسطة المجموعات المتحركة والمتنقلة. الاتصال بكل مدينة وقرية في الناحية المحافظة على تاريخ ووقت الاجتماع خوفا تسرب الاخبار إلى العدو. تعيين حراسة للقيادة مكونة من 300 مجاهد. تكليف فرق مهمتها الاهتمام بالمؤونة وآلات الطبخ. تعين فرق خاصة مهمتها حماية القيادة وترتدي هذه الفرق اللباس المدني. 

وتكليف القائد لزهر شريط بتموين وتسليح جيش التحرير الوطني انطلاقا من مركز داموس الحجير بالجبل الأبيض، وكان لزهر شريط محل ثقة القائد شيحاني بشير، وفي البداية تكلف بمهمة نقل كمية كبيرة من الأسلحة ستدخل عبر تونس، إضافة إلى الإشراف على الطرق الرئيسة للتسليح انطلاقا من بئر العائر، والقيام كذلك بجمع الأسلحة عبر منطقة الحدود وتخزينها حتى يحضر شيحاني بشير لتوزيعها خصوصا وأن الطلبات تتزايد عليها سواء من الشمال، وسوق أهراس، أو غيرها. 

اجتماع خنقة الذيب: 

في شهر سبتمبر 1955م، عقد اجتماع في خنقة الذيب الواقعة بين جبال خنشلة وششار، ترأسه شيحاني بشير، وحضره كل من: بشير ورتان المدعو سيدي حني، وعباس لغرور، وحضرته القيادة العسكرية لجيش التحرير الوطني، إضافة إلى طلبة معهد بن باديس، وهذا بهدف: المحاسبة مع اللجان المالية المكلفة من قبل قيادة المنطقة الأولى بجمع الإعانات والتبرعات والاشتراكات والأسلحة، وجمع التمويل لفائدة جيش التحرير الوطني، وقد حضر جميع الأعضاء في هذا الاجتماع، وبعد نهاية الاجتماع عاد أعضاء اللجان إلى الأماكن التي قدموا فيها، أما جنود جيش التحرير الوطني فقد أمرتهم القيادة بجمع المساعدات التي جلبها أعضاء اللجان المالية، ثم إرسالها مقر قيادة جيش التحرير الوطني، إضافة إلى وضع الأسس التنظيمية لوحدات جيش التحرير الوطني المتواجدة بالمنطقة. 

عودة القائد شيحاني بشير إلى ناحية تبسة: 

وبعدها تكفلت فصيلة خاصة مكونة من 40 جنديا بمرافقة وحراسة شيحاني بشير من القلعة نحو وادي الجديدة، التي وصلها ومكث بها يومين كاملين، وبعدها توجه إلى واد هلال، أين التحق به قائد منطقة تبسة بشير ورتان المدعو سيدي حني قائد ناحية تبسة. وفي يوم 12 سبتمبر 1955م، عاد شيحاني بشير إلى ناحية تبسة للاستقرار بمركز الإدارة، التابع لقوات جيش التحرير الوطني، لتنظيم الأبواب المفتوحة، وتحديد مكانها. وفي يوم 15 سبتمبر 1955م، وصل إلى الجرف رفقة بشير ورتان، تحت حراسة خمسة أفواج أين وقع الاختيار على منطقة رأس الطرفة لاحتضان الأبواب المفتوحة على الثورة. 

مصالح الاستعلامات الفرنسية تشن حملة إعلامية شرسة: 

حسب شهادة المجاهد المرحوم علي بن أحمد مسعي والتي يقول فيها: “تزامنت استعدادات قيادة جيش التحرير الوطني لعقد اجتماع رأس الطرفة بناحية تبسة مع حملة دعائية كانت تشنها المصالح الاستعلامات الفرنسية الاستعمارية التي قامت بإعداد حملة مركزة تستهدف من ورائها قيادة ناحية تبسة بصفة خاصة وقيادة منطقة الاولى بصفة عامة. حيث كانت السلطات الاستعمارية تعتبر جبال النمامشة مراكز للمتمردين وهذا ما يتطلب تدخل الفرق العسكرية الفرنسية لمسح هذه الجبال التي أصبحت تشكل خطرا كبيرا على الجيش الفرنسي في المنطقة برمتها، وقبل المعركة كانت المصالح الاستعمارية تشن حملة دعائية مركزة تستهدف من ورائها قيادة منطقة تبسة بصفة خاصة وقيادة منطقة الاولى بصفة عامة”. 

استعدادات قيادة جيش التحرير الوطني للاجتماع: 

في يوم 18 سبتمبر 1955م، بلغ تعداد جيش التحرير الوطني بالمنطقة ما يقارب 350 مجاهد، حيث تم توزيع ألبسة وأحذية جديدة عليهم، تم جلبها من طرف المناضلين وخلايا التموين، من مدينتي الشريعة وبئر العاتر، حيث قامت قيادة جيش التحرير الوطني بإعادة وحدات إضافية من جنود جيش التحرير الوطني في الأماكن الاستراتيجية، وقد زودت بالأسلحة الثقيلة، أما النقاط التي تمركزت فيها هذه الأفواج فهي: 

  • جبل أرقو وأم خالد وجبال المزرعة، وفج بوحريق، وقيبر، والمقسم، وكاف مباركة. 
  • واد المشرع ورأس العش، وجبل الجرار. 
  • شعبة مريم وجبل البغيلة. 
  • مقر الإدارة بالجرف.

اجتماع رأس الطرفة بواد هلال 18 سبتمبر 1955م: 

يقول المجاهد المرحوم العربي شراب في شهادته: عقد الاجتماع بمنزل عبيدات صميدة بن عباس في رأس الطرفة، وترأسه قائد المنطقة الأولى شيحاني وعجول عجول، وقد القى كل من عباس لغرور وسيدي حني كلمات توجيهية حثوا فيها المجتمعين على التمسك بمبادئ الثورة والالتفاف حولها، ومحاربة الاستعمار الفرنسي بكل الوسائل، وايضاح الأهداف التي فجرت من أجلها الثورة. وكلف القائد فارسي محمد بن عجرود بحراسة المكان والمجتمعين فيه، وكان شيحاني بشير في كل يوم يلقى خطاب حماسيا على مسامع الجنود وعموم الشعب الحاضر في رأس الطرفة، وكانت الاجتماعات متواصلة بصفة دورية، والطائرات الكشافة تقوم بالتقاط صور للمكان بما فيه بصفة دورية، وكان الشعب يحمل المؤونة على ظهور الإبل لنقلها إلينا، وتجدر الإشارة أن أعوان الاستعمار وأفراد المخابرات الفرنسية كانوا حاضرين بالرأس الطرفة.

– خطاب القائد شيحاني بشير:

في يوم الاجتماع جلس الضيوف على صوف خشن يستمعون لخطاب شيحاني بشير، الذي بدا متألقا كعادته، يسأل ويجيب، وجلس حوله كل من عباس لغرور وعاجل عجول ولزهر شريط. وقد ألقى قائد المنطقة الأولى شيحاني بشير خطابا حماسيا على مدار أربع ساعات 

  • حلل فيه الواقع الاستعماري في الجزائر، مستعرضا مختلف مراحل المقاومة الوطنية، من عهد الأمير عبد القادر، إلى حوادث 08 ماي 1945م.
  • ووصل إلى التأكيد بأن تحرير البلاد لا يكون بالنضال السياسي، وإنما بالتضحية وبالتعبئة الشعبية تحت لواء جيش وجبهة التحرير الوطني.  
  • من جملة مقاله شيحاني بشير: أيها المناضلون نعلمكم أن الأعمال والنشاطات والتصرفات التي يقوم بها قادة جيش التحرير الوطني، هي كلها ترمي لصالح الوطن، خارجة عن الأغراض الشخصية والحزازات القبلية، ومن الوسائل التي يجب أن نقوم بها محاربة الخونة والمرتدين والرجعيين، لأن في تطهير صفوفنا نجاح الثورة فما على الشعب إلا أن يدرك هذه الغاية الوطنية، أما التهم التي يلصقها الاستعمار بقادة جيش التحرير وجنوده ما هي إلا دعاية تهدف إلى تشويه الثورة وخلق فوضى بين صفوف رجالها، ومن بين ما طلب شيحاني من المواطنين الحاضرين مايلي: زيادة الالتفاف حول الثورة، عدم الالتجاء إلى المحاكم الاستعمارية في كل النزاعات، والامتناع عن دفع الضرائب.
  • دعى الموطنين إلى عدم إنكار استقبال المجاهدين حالة استجوابهم من طرف السلطات الاستعمارية التي كانت تسلط أشد العذاب على من يقدم المساعدة لهم. حتى أصبح المواطن يخرج أغنامه بعد مغادرة المجاهدين بيته لتمحو آثار مشيهم، وقال إن سألتكم فرنسا عن قدوم المجاهدين، لا تنكروا مجيئهم، بل قولوا لهم إنهم جماعة مسلحة لم نتمكن من ردها وقدمنا لها الأكل، وإذا أردتم توقيفنا افعلوا، فأنتم على الأقل تقدمون لنا قطعة خبز لكي نعيش أما هؤلاء فإننا إذا رفضنا يقتلوننا، وللمزيد من التوعية قال أنت تسمونهم “فلاقة” ونحن نسميهم مجاهدين. 
  • تطرق إلى قضية التجنيد حيث قال: امنعوا أولادكم من التجنيد الاجباري في الجيش الفرنسي، ودعا إلى عدم التقاضي أمام عدالة فرنسا، وأن لا يقدموا لها الغرامة والمكوس، أي أمرهم بالعصيان والتمرد على السلطة الفرنسية. 

إضافة إلى ذلك فقد ركز شيحاني بشير في خطابه على تقديم شروحات حول الثورة التحريرية، معتمدا في ذلك على فصاحته التي عرف بها، ومن جملة النقاط التي قدمها شيحاني في خطابه مايلي: 

– التعريف بالثورة وأهدافها ومدى أصالتها.

– التعريف بجيش التحرير الوطني كونه نابعا من أعماق الشعب ومن مختلف طبقاته لاسيما الفقيرة المحرومة والمظلومة متحملا مسؤولية القتال والمقاومة المسلحة لطرد المحتل واسترجاع السيادة الوطنية.

– قراء بيان أول نوفمبر وشرح أهم بنوده وفقراته.

– أعلن عن إجراءات تنظيمية لحبك العمل الثوري بالمنطقة لتفادي تداخل المسؤوليات وغموضها وما ينجر عنها.

كما أكد بشير شيحاني في هذا الملتقى على ضرورة دعم الثورة ومدها بالمال والرجال والسلاح وحث على احتضان جيش التحرير الوطني، ومدّه بكل ما يحتاج إليه ودعا إلى وحدة الصفوف والاجتماع تحت لواء واحد وهو جيش وجبهة التحرير الوطني.

وحذر شيحاني بشير كذلك من المخابرات الفرنسية وادعاها ومرد ذلك وأهداف فرنسا من نشر الصور المظلة عن جيش التحرير الوطني، بغية زرع البلبل وسط الشعب لتحقيق هدف تحطيم الثورة مبكرا، وخلق فجوة بين الشعب وجيش التحرير الوطني، حتى تسهل مهمة القضاء على جيشه التحرير الوطني، مذكرا في الوقت ذاته بما كانت تفعله فرنسا في ثورات سابقة، والثورة الفيتنامية خير دليل على كلامي لأن فرنسا استعانت بشباب جزائري لقمع الثورة وقتل الكثير منهم فيها، الثورة في تونس والمغرب، ونحن ماذا ننتظر في الجزائر، وطرح أسئلة على الحضور:

  • ما هو عملنا وهل سنكتفي بالمشاهدة فقط؟ 
  • وهل سنظل تحت الحكم الاستعماري الفرنسي؟ 

لقد استنفذنا كل الوسائل الممكنة مع الاستعمار الفرنسي، وها هو اليوم يتحدث وينشر الاكاذيب بين السكان، لقد استخدمنا الوسائل السياسية السلمية، ناضلنا بكل الطرق، لكن لم نجد صدى لصواتنا، واليوم وجدنا الوسيلة الافضل التي نسمع بها صوتنا إلى فرنسا، الا وهي رفع السلاح في وجه المستعمر، الذي حمله أبناءكم، وهؤلاء الشبان يدافعون عليكم ولأجل مطلب وغاية الحرية والاستقلال، وكما تحررت مختلف الدول في بقاع الارض من حقنا أن ننال استقلالنا وإذا لزم الامر سنكافح ونموت حتى نيل الحرية. ورفع رفع شعار ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة.

وفي موضع أخر من خطابه توجه بشير شيحاني بالكلام إلى الحضور فيقول: “إن خبر هذا اللقاء سيصل للعدو، ولكن أطلب منكم أن تبلغوا التوصيات إلى كل أبناء المنطقة بأمانة ونزاهة”. 

وفي الأخير وقف مستقبلا القبلة وقال: اشهدي يا سماء، اشهدي يا أرض، اشهدي يا جبال، فرنسا لا تملك شبرا واحدا في هذه الأرض، إنما هي أرض جزائرية، وأضاف: اشهدي علينا يا جبال ويا كهوف، واشهد يا شعب أننا مجاهدون في سبيل الله، وفي سبيل الاستقلال، وليست لنا أهداف أخرى.

وتواصلت بعدها الاجتماعات بصفة دورية، وكانت الطائرات الكشافة تقوم بالتقاط صور للمكان بما فيه بصفة دورية، وكان الشعب يحمل المؤونة على ظهور الإبل لنقلها الادارة، وتجب الإشارة أن أعوان الاستعمار وأفراد المخابرات الفرنسية كانوا حاضرين برأس الطرفة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك