المسيرة الإسلامية.. والتحدي الوجودي الحاسم!!

تجدد وتجديد

بقلم: صالح عوض

ليس بكاء على الأطلال فتلك مهمة الشعراء والأدباء، وليس ضربا في الخيال فتلك مهمة العجزة النادبين حظهم.. وإنما وقوفا بكل يقين أمام التحدي، و بكل تدبر أمام النكبة، وبكل طموح لتجاوز المحنة، وإصغاء لضمير الإنسانية المعذبة، و تحسسا لإمكانات كافية تماما لإحداث نهضة أمتنا، لكي يكون لمنهجنا فاعليته ولنسهم سلاما ورفاه ورحمة.. 

الأثقال التاريخية:

كم خسرت البشرية بغياب أمتنا عن الشهود؟ ولقد سامها الجشعون واللصوص المجرمون سوء العذاب.. وهنا نفهم لماذا كل هذا العدوان الإجرامي على أمتنا منذ عدة قرون؟ فأي شيطان مريد عبث بأمتنا العظيمة فمزقها شيعا، وألقى بها أرضا، وبدل سيرتها، بعد أن انساحت في العالمين تحمل مشعل الحرية والنور؟ وأي شيطان مريد يحول بينها والنهوض من عثارها، ويحرمها من ماء تحمله على ظهرها، وثروات تندلق بين يديها؟

إن أمتنا تقف اليوم في محطة سحيقة من الانهيار، وعوامل عديدة تشدها إلى التأبد في التيه والضياع والحمأة الأسنة.. وفيما ران على دينها تراكمات من التأويل واجتهادات البشر في أزمنتهم، وتسرب إليه من مشاعر البشر وحساباتهم  وتخرصاتهم وأحقادهم وأوهامهم ما أفسد رسالته.. فقدت أمتنا آصرة التواصل مع دينها الصافي لغياب من ينفض عن وحيها تلك التراكمات ويجليه على معانيه ويزيح من أمامه الأصنام ليؤدي وظيفته.. فهل آن الأوان للانعتاق نحو المهمات الجليلة بتجدد الأمة وتجديد الرسالة؟ فلا يليق برسالتنا إلا أمة تملك إرادتها وتدير قدرتها بخطى واثقة نحو أهدافها الإنسانية النبيلة.

من المفارقات المثيرة تحول الإسلام من كونه رسالة رحمة للعالمين إلى إطار يفصل كتلة بشرية تنتمي إليه عن باقي البشرية، ويتراجع تدفقه برسالته الإنسانية ويصبح أتباعه كأنما وجدوا فيه سورا يحمي كيانهم أمام الكيانات الأخرى إلا ما ندر من مهمات فردية، وهنا تتضح معالم الانتماء للإسلام على أبواب عدة منها الوراثة والإحصائيات والعصبية، ولم يقف الأمر عند حدود تعاريف كالملة الإسلامية ودار الإسلام ودار الحرب.. و أصبحنا نواجه عصبيات الآخرين بعصبية من نوع آخر.. وينبغي إدراك ان الخلل فينا لم يصب المسلمين فقط وإنما أصاب مفهومنا عن الدين فلقد أصبح مختلطا أمام الناس مشوشا بفعل تغليب كلام الناس على الوحي.

وهنا ينبغي معالجة ما أصاب الدين وكذلك ما أصاب المسلمين بتأمل لحظات حركية الدين الأولى بين الناس فلقد أعلن الوحي منذ البداية حربه على الأصنام الفكرية والسياسية والروحية وعلى المشتغلين بالدين والمتربعين في مواقع القداسة والتشريع كما شنّ حربه على المطففين وعلى مستلبي حقوق الإنسان طفلا وامرأة وشعوبا وعلى آكلي قوت الفقراء بل وعلى كل من لا يحرض على إطعام المساكين.. كان خطاب الوحي هو خطاب رب الناس للناس بدون تلوين وتشويه فتلقى الضمير الإنساني كلمات ربه الصافية عن طريق النبي الصادق الأمين والذي جسد القدوة في تمثل توجيهات الوحي.. فانبعث الإنسان برسالته الرحمة للعالمين.. وإن المتأمل للقرآن الكريم يكتشف بسهولة أن المقصود من الرسالة كافة الناس وأن الكتاب العزيز إنما هو التقاء بين المولى وعبيده كلهم في هذا سواء.. وبعد أن حدد القاعدة الأساسية التي طالما أعاد التذكير بها فتح بصائرهم وأبصارهم على مجالات الحياة ومناشطها لإعمار الأرض بالخير والنماء والعدل.

هذه نقطة فارقة بين الفهم الأول في التعامل مع الدين والذي أعطى إشارة الانطلاق لبناء أمة كانت خير ما أخرج للناس، والفهم الحالي في التعامل مع الدين وقد أصبح كل شيء حاضرا إلا الوحي.. لقد كثر اللغط، ووقع المسلمون فيما وقع فيه بنو إسرائيل من إرتكاسات عندما أصبح أحبارهم ورهبانهم يحللون لهم ويحرمون وكم كانت مدمرة هذه النقلة بتبوؤ بشر للتحدث باسم الدين يفتون قتلا وتدميرا وتخريبا ويثيرون الأحقاد والفتن بين عباد الله.. ولقد تقدمت أقوال البشر على أوامر الوحي وأصبح لأقوال “رجال الدين” سلطان على الناس مقدم على سلطان الوحي.. 

انحراف المسيرة:

الخلافة الراشدة هي النظام السياسي الذي شكله صحابة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم الأقربون له، حسب فهمهم لروح الرسالة ضامنا مقاصد الشريعة كلها: من شورى وحريات وحقوق للناس بحفظ أرواحهم، وصيانة أعراضهم، وحماية أموالهم، ونشر الدعوة للسلام والرحمة بين عباد الله، والتصدي للظلم و للجاهلية في كل معانيها، وتكسير الصنمية المعنوية والمادية، و نفي التقديس لغير الله.. فكانت أعظم ما أنجزته البشرية.

ولهذا فإن الأمة تعرضت لانتكاسة خطيرة بسقوط الخلافة الراشدة و استبدالها بنظام حكم مغتصب اعتمد البطش والقوة في السيطرة على نظام الحكم فألغى كثيرا من مبادئ النظام السياسي الإسلامي و برزت في ظله الفتن و ارتكاب المحرمات وتفشى القمع للحريات السياسية والفكرية واستمر هذا الانحراف طيلة مسيرتنا الإسلامية.. لكن سقوط النظام السياسي الإسلامي بمعانيه الراشدية لم يسقط الأمة التي ظلت متدفقة بروحها ورسالتها تبني وتعمر وتنشر دين الله و تشيد صروحا للحضارة قرونا عديدة ولكن مع حركة المسيرة كانت المعاني السلبية للاختراق الأول تصل شيئا فشيئا إلى أعماق مفاصل الأمة.. فالخطأ الذي بدأ بإسقاط نظام الخلافة السياسي، اكتمل بعد عدة قرون بسقوط الأمة.. وفي الرحلة الطويلة تساقطت المعاني الرسالية من الأمة شيئا فشيئا، فكبر الاهتمام بالثانوي والشكلي وصغر الاهتمام بالجوهري الأساسي.. وتحولت من أمة خرجت لخير العالمين إلى تجمعات متخلفة مشتتة ممزقة متقاتلة.

ليس فقط الخلل السياسي إنما هناك ثغرة حدثت في بنيان الأمة الحضاري قد تكون بغير وعي.. تركت فرصة للاختراق بتشويه الإسلام وتقديمه مجزوءا ففقد مع الزمن سلطانه وقدرته على التحريك والبناء تلك هي انقسام المنشغلين بالإسلام أمام الانتكاسات السياسية التي حصلت في مسيرتنا الإسلامية الى عدة أقسام: علماء الزهد والتصوف وهؤلاء قيدوا وعي الأمة بجانب من جوانب الرسالة وجمدوا فعل الوحي في مناشط الحياة الأخرى التي توجب المجابهة للمفاسد والمظالم وبناء تجمعات بشرية حرة كريمة.. وعلماء الفقه الذين تفرغوا للتفصيل والتدقيق في العبادات والمعاملات وكونوا مدارس أصابها التكلس والتعصب ولم يتناول فقههم النظام السياسي الإسلامي فلسفته ومبادئه والحريات السياسية وحقوق الأفراد وقد يكون بعض العلماء ممن كتبوا في ذلك اتجهوا لشرعنة حكم الظالمين المغتصبين للحكم، وقسم آخر انهمك بجمع الأحاديث وتدقيقها وتصنيفها فيما أعين الحكام المغتصبين تلاحقه وتتابعه.

وانتهى إسلام الأمة إلى مذاهب فقهية أو طرق صوفية أو فرق سياسية أو مدارس علوم الكلام وفلسفات اللاهوت وكل منهم يمسك بغصن من الدين منزوعا من أصله، وغاب التمسك بتقديم الوحي في حياة الأمة، وتقدمت أقوال الرجال على كلام الوحي وصحيح الحديث، و هنا أصبحت الثقافات المادية صاحبة الصولة على بقية العقل والتمسك بالدين وكانت العمليات المنظمة من الآباء البيض والمبشرين بالانحراف والانزلاق إلى الحيوانية من رأسمالية جشعة وشيوعية عبثية، فتفسخت الأمة في مواجهة هذه الوافدات المهاجمة من الأفكار والثقافات والجيوش واختلطت عليها المنابع فثارت في الأمة نوازع القومية والقطرية والجهوية وتحركت فيها نزعات الجاهلية بالانفصال والعصبية.. ولاقت ردات فعل الأمة هذه من الدوائر الاستعمارية كل عناية واهتمام وإذكاء.. وقد ختمها الاستعماريون بأن قذفوا في مجتمعاتنا بمشوهي الأفكار ومبعثري القيم وفوضويي المنهج باسم الحداثة والتطور يشككون الأمة في تاريخها ودينها وقيمها ظنا من الاستعماريين أن هذه هي الحلقة الأخيرة في إخراج المسلمين من دينهم.

فأمسينا كتلة بشرية هائلة تختلط فيها المشارب مغطية على دور الوحي، ومن الناحية العلمية يصعب وصفها بأنها أمة، فلقد انبعثت فينا كل موبآت الأمم المنحرفة، من تمزق وتقاتل وتناحر و تنازل عن المقدس والكرامة، وتوفرت الفرصة للمتنطعين الجهلة يرفعون رايات مزيفة عن الدين يحاربون تحتها خبط عشواء وقد انتزعت منهم رحمة الإسلام وتوجيهات الوحي.. فأصبحنا في هذه العقود مصدرا للقتل باسم الدين.. وظهر ظلما مصطلح الإرهاب الإسلامي.

معركة الإنسانية:

مسيرة طويلة تلك هي عالميتنا الإسلامية الأولى بدأت عظيمة رسالية إنسانية وانتهت مهزومة مكسرة بلا هدف ولا غاية.. ورغم كل ما نعانيه اليوم فإن هناك قيمة حقيقية في تدبر المسيرة واكتشاف الأسباب العميقة التي أحدثت مع الزمن ما انتهت إليه أمتنا.

نعم نحن أنجزنا على صعيد المعارف والفكر والثقافة في عالميتنا الإسلامية الأولى ما لم تنجزه أمة أخرى وهو فخر للبشرية جمعاء وقد أسهم بقوة في تحرير البشرية من الجهالات المعقدة وكان له الأثر البالغ في الثورة ضد سلطان الكنيسة في الغرب وتحريك العقل الغربي نحو التحرر والنهضة.. ولكن هذا مع قيمته التاريخية العظيمة قد تم تجاوزه فلا ينبغي الوقوف عنده كثيرا إلا للعبرة.

وحتى نقترب من نقطة البداية لابد من تدبر ما لدينا من إمكانات وما في العالم من تطورات وهل نحن والتاريخ نتعانق لصنع لحظة النهوض الحضاري لعالمية إسلامية ثانية؟ إننا نمتلك التجربة ودروسها والخبرة في مواجهة التحدي والكفاءات العلمية والفكرية و كل العناصر المادية -ثروة وكتلة بشرية- الكافية لمنح الرسالة القدرة على التمثل في الحياة، وهذا لم يكن متوفرا في بداية العالمية الأولى، وكل ما نحتاجه قوة سياسية اجتماعية تنظم عملية نهوضنا الحضاري. وعلى الجبهة الأخرى علينا أن نسرع إلى القول بأن قيم الشورى وحقوق الإنسان والحريات السياسية ومحاربة العنصرية والعبودية، و تعزيز مكانة المرأة في المجتمع، و محاربة تجاوز حق الفقراء والضعاف في الحياة.. كل هذا أصبح اليوم قيما إنسانية عامة يدافع عنها الضمير الإنساني في كل مكان وتجد مدافعين عنها في أعتى الدول عدوانا وبطشا، بمعنى آخر لقد نضج الضمير الإنساني وتحرر من قيم السياسة الاستعبادية السابقة، رغم ان النظم السياسية الاقتصادية في العالم تصر على استعباد الإنسان ومحاربة الشعوب ونهبها وهذا ما يجعل المعركة حامية الوطيس انتصارا للحريات والحقوق بشكلها التام والتي في معظمها حريات دعا إليها الوحي.. وهذا يعني بوضوح أن جزءا كبيرا من معركة الإسلام قد تم انجازه، وان رسالة الإسلام التحررية والرحمة لها امتدادات طبيعية في العالم.. وهكذا نعود إلى اللحظة الأولى في تنزل الوحي لنبرز رسالته بتمامها على كل مستوياتها الاجتماعية والإنسانية والسياسية والعلمية والاقتصادية.. و بالالتفاف حول هذه الرسالة وإعلاء شأنها نقوم بعملية توحيد الشهادة مع الغيب في بناء واقعي عملي يأخذ بالأسباب كلها اقتصاد قوي لصالح الناس   ونظم سياسية تعتمد على قاعدة حقوق الناس وحرياتهم، ومنفتح على البشرية جمعاء لأن هذا هو مناط تكليفه كما حمل لنا الوحي: “وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين”

فرصة تاريخية:

من حسن حظنا الآن أن كل معطلات التجدد في الأمة فقدت مبرراتها وشرعيتها فلقد أثبتت النزعات القومية العرقية أنها وصفة لتدمير الذات وأنها أسلوب استخدمه الأعداء لتبديد الطاقة وإنهاك المجتمع بتوترات واستنزافات مستمرة، وقد فقدت الدواعي الطائفية والمذهبية بريقها وأصبحت مرا علقما في حلوق أتباعها وقد نفست أحقادها التاريخية وجهالاتها العصبوية واكتشف الناس أنها وصفة لإشعال الحريق في الأمة، ولم يعد هناك عاقل يقر الجنوح الطائفي أو المحاصصات الطائفية.. وأثبتت العقود الأخيرة حقيقة خواء المتنطعين المتطرفين الذين قدموا صورة مشوهة عن الإسلام والمسلمين، كما أسقطت دعوى الإعلام الاستعماري التي استهدفت الإسلام لشيطنته بقصد صرف الغربيين عنه وتحشيدهم ضده، كما أن كل المشاريع الاجتماعية والاقتصادية التي جعلت للتنمية والنهضة وبناء الدولة بعيدا عن تصورنا الحضاري انتهت إلى فشل ذريع أورث مجتمعاتنا الجوع والفقر والتخلف.

وفي المقابل ماذا نجد في المجتمعات الغربية؟ نجد في أوربا اجتياح الإلحاد والأفكار الفوضوية و القلق المعرفي في غياب ربط حقيقي بين القيم الايجابية التي وصلت إليها المجتمعات الغربية ببواعث روحية.. بل إن كل ذلك التطور على صعيد حقوق الإنسان والمرأة والحريات والانبعاث العلمي قام على أنقاض العلاقة مع الكنيسة – “المصدر الروحي”- التي تيبست وقدمت أقوال الكهنوت وأرباب اللاهوت على الوحي والدين المسيحي ورسالة عيسى عليه السلام.. لهذا فان المجتمعات الغربية لم تعد هي تلك التي كانت في العصور الوسطى عصور الحروب الصليبية، وهذا يعني إمكانات أن تتقارب الإنسانية بعضها للبعض الآخر لتتبادل المعارف والمنافع.. وعلى صعيد النظم السياسية والاقتصادية فلقد سقط النموذج الشيوعي وكشفت مسيرته عن خلل جوهري في أطروحته التي حاولت التدخل في ثوابت تركيبة الإنسان النفسية والروحية، وهاهي النظم الرأسمالية تفقد مبرراتها في ظل إصرارها على التمسك بمعيارية الربح الجنوني مغفلة أي بعد إنساني وذلك في بعديه الذاتي والخارجي فهي أنظمة تشن الحروب على البشرية وتذكي نار الفتن في الشعوب ولا تحمل إلا الحرب للإنسانية في كل مكان وعلى الصعيد الداخلي تستبد أنظمتها بالطبقات العاملة تحملهم تكلفة مغامراتها الخارجية و حروبها ضد البشرية كما يتجلى ذلك في النموذج الأمريكي.. وهنا تبدأ عالميتنا الثانية والله غالب على أمره.

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك