المرحلة الراهنة تفتقد لشروط الكتابة الجيدة للتاريخ

المؤرخ والأكاديمي محمد الأمين بلغيث لـ”الوسط”:

دعونا نحقق مقولة ديدوش مراد

حدد المؤرخ والأكاديمي محمد الأمين بلغيث، مجموعة الملفات العالقة بين الجزائر وفرنسا والتي يثقل كاهلها ملف الذاكرة، مرتبا الأولويات باعتراف محتل الأمس بجرائمه وكذا ملف الديون والنهب، مع الاتفاق على كيفية استرجاع الأرشيف، بالمقابل اعتبر أن الرد الجزائري ليس بالمستوى المطلوب فيما تعلق بتجريم الاستعمار، قائلا أن أحزاب الموالاة لا يهمها ما ينشر وراء البحار، وبالتالي لا نملك شجاعة الأسلاف للموقف الحازم.

كما تطرق المؤرخ في حوار مقتضب مع “الوسط”،  إلى موضوع كتابة تاريخ الثورة التحريرية، إذ دعا للتمييز بين الكتابة الرسمية والكتابة الشعبية والإعلاء من شأن الأعمال الأكاديمية الرصينة، معترفا أن المرحلة تفتقد للكثير من شروط الكتابة الجيدة للتاريخ، داعيا لتوفير الحرية للمؤرخ الملتزم بعيدا عن المتطفلين وتحقيق مقولة ديدوش مراد “إذا استشهدنا حافظوا على مبادئنا”.


بداية فيما تعلق بملف الذاكرة في العلاقات الجزائرية – الفرنسية، وتصريحات الرئيس الفرنسي مؤخرا في ذكرى 17 أكتوبر بأن ما حدث هو قمع، هل يمكن أن تتجه إدارة ماكرون نحو الاعتراف بالجرائم الفرنسية، ثم بالمقابل أين دور السلطات الجزائرية من ملف تجريم الاستعمار؟

لقد تابعنا تصريحات ووعود الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون منذ حملته الانتخابية، فكان يتعامل مع الطرف الجزائري بأسلوب الأرنب والجزرة، في زيارته الأولى للجزائر قبل الانتخابات استٌقبِل بالجزائر استقبال الفاتحين، ووعد مستقبليه بسياسة مغايرة لسابقيه في قصر ماتينيون، ومن بين القضايا العالقة بين الدولتين الجزائر وفرنسا، قضايا كبيرة وخطيرة لا تزال تؤثر على العلاقات بين الدولتين، وهي مرتبة حسب أولوياتها كما أراها كمؤرخ ومواطن جزائري، وهي:

ـ الاعتراف بالجريمة المرتكبة من طرف الدولة الاستعمارية “فرنسا” على دولة ذات سيادة “الجزائر” وتدين لها فرنسا بأموال وعينية ونقدية باعتراف المؤرخ الفرنسيين المنصفين.

ـ الاعتذار للجزائر دولة وشعبا عما ارتكبته الدولة الفرنسية في حق شعبنا منذ الاحتلال الفرنسي إلى غاية جرائم التفجيرات النووية في رقان وحمودي وإينكر مع مجازر فضيعة في حق شعبنا من مجزرة البليدة نوفمبر 1830 إلى مراكز الرعب التي تفوق في همجيتها معسكرات الألمان لأعدائهم أثناء الحرب العالمية الثانية.

ـ  تعويض الجزائر ما نهبته من أموال وذهب وأسلحة من خزينة الدولة الجزائرية كما هي مفصلة في مذكرة الشاذلي المكي إلى مؤتمر باندونغ، وكتب المؤرخين المنصفين أمثال الأستاذ عمار حمداني  في تحقيقه الراقي “حقيقة غزو الجزائر”.أو كتاب المحقق الفرنسي بيير بيان “سطو على مدينة الجزائر” /تحقيق على حادثة جويلية 1830.

ـ الاتفاق على كيفية استرجاع الأرشيف المحول والمنهوب، وهذا موضوع شائك بين الدولتين لما يحتوي مخزونه على حقائق فارقة قد تغير مسلمات كثيرة في العلاقات الجزائرية الفرنسية كما قد يثر الكثير من الحساسيات بين الناس.

لهذا أجمل العلاقات الجزائرية الفرنسية في كلمات قليلة ومختصرة جدا، فأقول أن فرنسا تبتز الجزائر وتشتمنا في كل حين ويكفي جريدة لوفيغارو الصادرة منذ أيام التي شتمت السيد رئيس الوزراء بالثقيل، كما شتمت رئيس البرلمان بوحجة، وصورت البرلمانيين الذي أغلوا وسدوا أبواب البرلمان في صورة لا تشرف دولتنا المستقلة، لأن هذه الصور لشخصيات اعتبارية تثير زوبعة وأزمة دبلوماسية لا نظير لها.لكن يبدو أن أحزاب الموالاة لا يهمها ما ينشر وراء البحر وفي الميتروبول. لهذا أرى أننا لا نملك الشجاعة والمسؤولية التي كان عليها أسلافنا في عز ضعفهم حين قالوا على لسان أحمد باي  إن الموت تحت أسوار مدينتنا أرحم وأفضل لنا من العيش تحت سلطة فرنسا. أعتقد هذا يكفي لإجمال حالتنا في مواجهة الدولة الاستعمارية السابقة .

فيما تعلق بالجانب الفكري وملف كتابة تاريخ الثورة التحريرية وما يتخلله من تهم بتسييس كتابة التاريخ، ما هي النقاط الايجابية التي يستطيع الباحث الجزائري التركيز عليها في الملف، بالمقابل ما هي الصعوبات التي تكتنف العملية؟

أعتقد أن التاريخ مستويات:

المستوى الأول: هو التاريخ الرسمي الذي تكتبه الدولة المحترمة التي تؤهل رجالا ونساء لهم من حب الجزائر وقيمها ومقوماتها ما يجعلهم يبثون الوطنية والدفاع عن الثوابت بكل ما يملكون من قدرة.

المستوى الثاني: هي الكتابات الشعبيةوتتمثل بالمذكرات والأشرطة والتحقيقات السينمائية والتلفزية والتسجيلات والحوارات الخاصة بالفاعلين وشهود العيان وهي تشمل كل ما يكتب ويسجل، وهي تمثل الرواية الشعبية كما يقول المؤرخ أبو القاسم سعد الله رحمه الله.

المستوى الثالث: هي الأعمال الجامعية الرصينة الأكاديمية التي تتوفر في أهلها السمو والرفعة والقدرة على جمع الوثائق والشهادات مع النزاهة والصرامة العلمية، مع صدق المؤرخ مع المتلقي، وهذه الأعمال تقوم بها الجامعات والمخابر وأهل التاريخ من الذين تعلموا وتدربوا على الكتابة التاريخية النزيهة مع الابتعاد عن لغة الخشب وخدمة إيديولوجية قبيلة أو طريقة أو شخصية أو جهة ما فيفقد بذلك العمل المصداقية، وهذا موضوع المدارس التاريخية، لهذا فبالرغم من رجال التأسيس لملامح مدرسة تاريخية جزائرية فإننا نفتقد في الوقت الراهن إلى كثير من الشروط التي تؤهلنا لكتابة تاريخنا بشكل جيد كما تلح عليه كثير من المؤسسات الجامعية.

إذا توفرت الحرية للمؤرخ الملتزم الذي تكون خلال مسار طويل بعيدا عن الطفيليات التي تطفو على السطح التي لا تملك أخلاق المؤرخ، فإننا نتصور أننا سنؤدي رسالتنا في تحقيق أمنيات الشهداء الذين قالوا ذات يوم على لسان الشهيد ديدوش مراد “إذا استشهدنا حافظوا على مبادئنا”، هكذا تكلم الشهيد دون تحريف وتزوير على ألسنة هؤلاء القمم الثورية الخالدة.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك