المرحلة الثانية في المشروع الصهيوني

بقلم: صالح عوض

دول شمال افريقيا في دائرة الاستهداف.. يظن قادة المشروع الصهيوني أنهم أنجزوا مرحلته الأولى المتمثلة بقيام الكيان الصهيوني كقاعدة إستراتيجية له، تغطي نشاطه ما بين منابع النيل الى منابع الفرات، قاعدة مزودة بترسانة عسكرية وتفوق استراتيجي على المنطقة العربية التي تعرضت لهزات عنيفة.. فهل بدأت المرحلة الثانية من المشروع الصهيوني..؟ وهل ستكون صفقة القرن تتويجا لها؟ وما هي ملامح المرحلة الثانية من المشروع وما هي معطياتها؟ وما هي ضمانات نجاح المرحلة الثانية؟

لم يكتف الكيان الصهيوني بدعوة البعض الإفريقي له ليكون مراقبا في الاتحاد الإفريقي؟ أن الهدف “إفريقيا اليهودية الإبراهيمية” بحسب العنوان الذي حمله مؤتمر بالمغرب قامت به جمعية ميمونة قبل عام بالضبط اشتركت فيه مؤسسة الايباك اللوبي اليهودي في أمريكا والاتحاد الدولي لليهود السفارديم بمشاركة وفود عن الطوائف اليهودية العربية والإفريقية…وكما اقترحت جامعة هارفرد في 2004 وجامعة فلوريدا في 2015 بإزالة الحدود وإقامة اتحاد فيدرالي لإدارة الموارد النادرة من قبل دول تكون الأكثر تطورا تكنولوجيا وهذا الرأي أصبح مطلبا من قبل الأمم المتحدة أعلن عنه  الأمين العام قبل عام.. وكل هذا في إطار نظرية برنارد لويس المؤرخ والمفكر اليهودي البريطاني التي تبناها الكونجرس الأمريكي ووضعت قيد التنفيذ في مؤسسات الفعل الأمريكي.. وهنا تتضح أهمية الكيان الصهيوني وظيفيا للهيمنة الأمريكية كما تتضح تقاطعات المشروع الصهيوني بالمشروع الأمريكي.

46 دولة إفريقية لها علاقات مع الكيان الصهيوني؛أي نصف دول العالم المعترفة بدولة إسرائيل هذا فيما كنا نعتبر إفريقيا هي عمقنا الاستراتيجي…ولقد تطورت العلاقات الصهيونية الإفريقية على مراحل عدة وهي أحد مجالات السياسة الخارجية الأساسية للكيان الصهيوني منذ البداية  لكسر “الحصار” العربي!.. وفي هذا السياق تشكل إفريقيا الفلك السياسي والاقتصادي  الاستراتيجي للانتقال من الإقليم إلى دور الفاعل الأساسي في القارة..

هنا تقفز إلى الواجهة معطيات الخطة الصهيونية للمرحلة الثانية من المشروع الصهيوني انها تدور حول قضايا عديدة منها الفلاشا والاتجار بالماس والمعادن ومنابع المياه و تطويق عدد من البلدان العربية من بينها الجزائر ومصر ليبيا واليمن والسودان، بطوق من الدول الإفريقية المناهضة أو بخلل أمني في الجوار او في الداخل وتأمين مصالحها في البحر الأحمر من خلال اختراق القرن الأفريقي وكذلك السيطرة على الجزر بجنوب البحر الأحمر وتثبيت وجود الأقليات اليهودية في مفاصل إدارة الموارد الطبيعية في القارة لاسيما منابع النيل حيث ينحدر الفلاشا، وتوطين اليهود من جديد في الجنوب الغربي الليبي حيث الثروات الهائلة من النفط والذهب، وتأليب الأفارقة على أنفسهم وبيع السلاح للمتصارعين وتقسيم البلدان وفصلها على اعتبارات عرقية ودينية والتغلغل الأمني في مفاصل الدول وتأليب بعضها على بعضها الآخر وذلك بالتركيز على “العدو المشترك” المتمثل في العرب والمسلمين، وكذلك العمل على توفير السوق للمنتَج الإسرائيلي وعقد صفقات تسويق إنتاجها العسكري وتحقيق عمق استراتيجي للسياسة الدفاعية على الاتجاه إلى الجنوب، وذلك بالحصول على تسهيلات عسكرية في دول القارة الإفريقية باستخدام القواعد العسكرية وقواعد التجسس بما فيها المشاركة في بناء الأجهزة الأمنية لدول أفريقية.. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى دور الموساد الإسرائيلي، خاصة فيما يتعلق بتدعيم حركات التمرّد كالذي حصل في جنوب السودان كما قدم الضابط الإسرائيلي الذي اشرف على العملية اعترافاته في كتاب تم نشره في 2015 وكذلك في المحافظة على مصالحها الأمنية في جنوب البحر الأحمر لجعل باب المندب بلا قيمة إستراتيجية للعرب. .

وتقوم الأجهزة الأمنية الصهيونية ببرامج لحماية المسئولين الأفارقة حيث تتربع شركة “يول باريلي” وشركة “أباك” وهما فرنسيتان مملوكتان لعناصر يهودية بهدف إسقاط الأنظمة التي تسعى للاقتراب من العرب.. وأيضا لدعم التمرد المسلح في دول ليس للكيان الصهيوني علاقة بها، كما أن أكبر الشركات التي تقوم بنشاط زراعي في إفريقيا هي شركة صهيونية “اغريد أب” مهمتها التطوير الزراعي وهي ذات نفوذ كبير في التحكم في الاقتصاد الإفريقي.

وللتدليل على الدور الصهيوني في محاصرة العرب والضغط عليهم تتجلى العلاقة الصهيونية الإثيوبية رائدة في هذا المخطط؛ فلأثيوبيا موقع خاص في إجماع التخطيط لدى صانعي القرار الصهيوني. إن أثيوبيا تمتاز بميزات سياسية وجغرافية وعسكرية/ أمنية فريدة في نوعها.. تنشط إسرائيل لاستخدام إثيوبيا للضغط على مصر من خلال شنّ الحملات المتكررة ضدها للتشكيك في حصتها من مياه النيل، والدعم ببناء سدود إثيوبية على النيل سد النهضة والذي من شأنه تقليل كمية المياه التي تصل إلى الأراضي المصرية.. وما ينتج عن ذلك من أزمات اقتصادية واجتماعية حادة وبالتالي تهديد كل مشروعات الري والكهرباء والزراعة على امتداد الوادي، ودلتا مصر لتصبح مصر تحت ضغط الشروط الأثيوبية مجبرة على تزويد إسرائيل بالمياه.

إن إسرائيل هي من أقنعت القيادة الإثيوبية بموضوع إقامة السدود، ومشروعات للري على هضاب الحبشة وعشرات الكيلومترات من الأراضي الزراعية بحجة تحقيق أكبر استفادة ممكنة من مياه النيل الفيضانية، والطاقة الكهربائية لصالح إثيوبيا، وتشترك إسرائيل في أعمال الحماية للسد ولم تقبل بالطلب المصري بالانسحاب من الموقع.. ومن هنا تتضح العلاقات المميزة على الأصعدة كافة مع الأفارقة، تلك هي مرامي السياسة الإسرائيلية من تقاربها الحثيث مع إثيوبيا، في إطار تحقيق شامل عن الأبعاد الإستراتيجية للعلاقة الإثيوبية الإسرائيلية.. وكما هو النشاط في إثيوبيا فإن هناك نشاطا في ساحل العاج ونيجيريا وتشاد وأوغندا وكينيا واريتريا والغرب الإفريقي… ولا يقف في مواجهة هذه التغلغل إلا الجاليات العربية هناك، والمعركة بالتفاصيل كبيرة ومتعددة.

اليوم يُصار إلى دخول الكيان الصهيوني كعضو مراقِب في الاتحاد الإفريقي.. لكن قادة المشروع الصهيوني لا يكتفون بذلك إنما يعتبرونه خطوة تمهيدية يتغطون بها للهيمنة على مقاليد الأمور ومفاصلها ومواردها الطبيعية وهم عمليا تجاوزوا أن يكونوا مراقبين فمعظم دول إفريقيا ذات علاقة دبلوماسية بالكيان الصهيوني.

لكن من الواضح ان قادة المشروع الصهيوني يقدمون على مغامرة خطيرة وان الخطوات في اتجاه المرحلة الثانية من المشروع ستكون في حقل الغام فالمنطقة تعيش حالة توتر واضطرابات ولا يمكن القطع بحسمها لصالح إسرائيل او على الأقل لا يوجد هناك ضمانات لقادة إسرائيل تصمد اكثر من سنوات قليلة.. وهنا يفتح التحليل على المشهد كله وأمريكا ومعاركها المفتوحة الاقتصادية والإستراتيجية مع الصين وكوريا والروس في صلبه.. ونتائج هذا الصراع على قوة الحليف الأمريكي ستنعكس بوضوح على قوة الدفع عند قادة إسرائيل.. فالى أي مدى ستكون خطوات إسرائيل أفريقيا منجاة لها من العزلة والقلق الوجودي؟ فالدول العربية التي فجروا كثيرا منها تسير نحوا استعادة نفسها وقوتها ولم يعد لأي من شعارات التفسيخ حضور.. وتتجه المنطقة الى التعافي الامر الذي سيجعل من خطة اسرائيل نحو الهيمنة على المصادر النادرة  في افريقيا باهظ التكلفة ومرهق بالاستنزاف.

بقلم: صالح عوض

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك