المدرسة بين البيداغوجيا والإيديولوجيا

التعديلات الدستورية أذكت الصراع حولها

بقلم احسن خلاص

مع كل دخول مدرسي يتجدد الموعد مع التساؤلات التي اعتادت أسرة التربية على طرحها على بساط الحوار. ولأن مجال التربية والتعليم مرتبط بالمجتمع ارتباط القلب بالجسد وارتباط الجسد بالقلب فإن القضايا التي تطرحها هذه الأسرة لا يمكنها أن تنعزل عن انشغالات المجتمع حتى ولو أرادت.

يدفع الجزائريون كل عام بما يقرب من ربع عدد السكان إلى المؤسسات التربوية ولا تكاد توجد عائلة جزائرية لا عضوية لها في المنظومة التربوية ومن هنا يكتسب المجتمع شرعية من فولاذ تمكنه من التدخل في شؤونها والانشغال بهمومها فهي نافذة الرقي الاجتماعي وتنمية الوعي والإدراك والقدرات المعرفية التي تمكن الأجيال من مواكبة مجتمع المعرفة والمهارات التكنولوجية.

وانطلاقا من هذه المكانة التي تحوزها يتجاوز اهتمام الدولة بالمنظومة التربوية اهتمامها بالقطاعات الأخرى إذ تكتسي طابعا استراتيجيا وتصبح أولوية وطنية من جوانب عدة انطلاقا من ارتباطها الوثيق بالقطاعات الأخرى وبالسياسات الكبرى المرسومة عند أعلى هرم السلطة بحيث لا تعد وزارة التربية والمؤسسات التربوية إلا جزءا من منظومة قرار وتسيير لمنظومة معقدة متصلة أفقيا بجميع المجالات وباهتمام أبسط المواطنين.

في ظل النقاش القائم حول التعديلات الدستورية الأخيرة برزت المنظومة التربوية على واجهة النقاش الذي جر معه حمولة إيديولوجية إذ أن المادة 65 التي جاءت لتضبط سير المنظومة التربوية مليئة بالنقاط التي دفعت بالتيارات السياسية ذات المرجعية الإسلامية إلى إثارة الجدل حولها بل صارت إحدى الدوافع التي حملتها إلا إصدار قرار برفض التعديلات الدستورية من أساسها.

وتبين هذه المادة الدستورية بوضوح مسؤولية الدولة حصريا عن المنظومة التربوية إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال تفويضها إلى جهة ما في المجتمع ولا حتى أن تتقاسمها معها كما تقر أن التربية والتعليم هما قبل كل شيء حق مضمون تتكفل به الدولة بتحسين جودته باستمرار وهو التزام جديد أضافته التعديلات الدستورية على عاتق الدولة لتنتقل مشروعية مطالب المجتمع من مجرد ضمان التعليم إلى ضرورة أن يكون تعليما ذا جودة عالية يستجيب للمعايير الحديثة وما أفرزته تجارب الدول الأكثر تقدما في هذا المجال. فالترقية المستمرة للتعليم لم تعد أمرا اختياريا مرتبطا بالبرامج الحكومية بل صارت التزام دولة بأرضية دستورية من منطلق أن تنظيم المنظومة التعليمية الوطنية ميدان حصري للدولة لاسيما في الطورين الابتدائي والمتوسط الذي ينص الدستور صراحة على إجبارية التعليم فيهما بحيث بإمكان الدولة استعمال وسائل الإكراه أو العقاب تجاه الأولياء الذين يرفضون تمدرس أولادهم في هذين الطورين.

غير أن ما أثار ردود أفعال رافضة ومستنكرة في معسكر التيار الإسلامي والتيارات المحافظة الأخرى حرص التعديلات الدستورية الأخيرة على التنصيص صراحة على ضرورة إبعاد المؤسسات التربوية عن التأثير السياسي والإيديولوجي وهو ما اعتبره الرافضون استهدافا غير مباشر للتعليم الديني في المدارس فقد وردت المادة بالصيغة التالية: “تسهر الدولة على ضمان حياد المؤسسات التربوية وعلى الحفاظ على طابعها البيداغوجي والعلمي قصد حمايتها من أي تأثير سياسي أو إيديولوجي.”

وينطلق التيار المحافظ من أن لا سيادة ولا هيمنة في الجزائر إلا للإيديولوجية الإسلامية وما عداها حساسيات دخيلة على المجتمع ومنحصرة لدى نخب معزولة تعاني الاستلاب الحضاري والثقافي. فهذا البند في نظر المناوئين للمادة 65 الجديدة يستهدف التمهيد القانوني لسلخ المدرسة عن طابعها العربي الإسلامي والتمكين لمدرسة علمانية على الطريقة الفرنسية كما أكد ذلك رئيس جبهة العدالة والتنمية عبد الله جاب الله وليس أدل على ذلك في نظر الرافضين من أن المادة ذاتها نصت على أن المدرسة تعد القاعدة الأساسية للتربية على المواطنة وهو ما اعتبره أنصار التيار المحافظ طرحا غريبا بل يتضمن حشوا لمفاهيم فرنسية على وجه الخصوص. واعتبروا أن هذا الطرح العلماني في الدستور سيسوغ للمسؤولين على التربية الوطنية مواصلة العمل الذي شرعت فيه الوزيرة السابقة للتربية نورية بن غبريط بشرعية دستورية تتيحها لهم التعديلات الجديدة دون عناء.

وكان أنصار التيار الإسلامي والمحافظ قد دخلوا في صراع مرير مع وزيرة التربية السابقة نورية بن غبريط طيلة السنوات التي قضتها على رأس الوزارة وقد وصل إلى حد خروج هذا الصراع من دائرة المنظومة التربوية إلى المجتمع والساحة السياسية عندما هب أنصار التيار العلماني لنصرتها في وسائل الإعلام بالرغم من العوائق السياسية التي كانت يشكلها تخندقها في معسكر الرئيس السابق عبد العزيز بوتفليقة، وتحولت المدرسة أو كادت إلى حلبة للصراع الإيديولوجي بين نخبة تحكمت في وزارة التربية غالت في الذهاب نحو تحديث الطابع الإيديولوجي للمنظومة التربوية من خلال إعادة النظر في مناهج وبرامج التعليم وبين تيار محافظ تمثله قاعدة تدريس عريضة يشكلها آلاف المعلمين والأساتذة والمؤطرين.

ويبقى التساؤل مطروحا بإلحاح: إلى أي مدى يمكن تجسيد التحولات العميقة التي بشرت بها المادة 65 الجديدة لاسيما وأن الواقع التربوي على الأرض لا تزال لديه القدرات الكافية لمقاومة أي تغيير خصوصا ذلك الذي ينصب في اتجاه تغيير المفاهيم والتصورات التقليدية والقضاء على النمط السائد في المدرسة الجزائرية منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي.

وعكس ما كان منتظرا، لم يكن الجيل الجديد من أنصار التيار الإسلامي متساهلا مع الطرح العلماني لاسيما في الحقل التربوي والديني بل ظهر أنه أشد عليه مما كانت عليه الأجيال السابقة مما يرشح الصراع للدوام لأكبر فترة ممكنة وستكون المدرسة أكبر ضحايا هذا الصراع في غياب اتفاق على مشروع مجتمع يتوحد عليه الجزائريون.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك