المحامي روبيسبير مجرم الدولة المدنية

تاريخ الدم

بقلم: الوليد فرج
يتغنى الكثير بمنجز الثورة الفرنسية ، و فضلها على البشرية في نهج التحرر من شمولية الحكم الاستبدادي ، وتُذكر الأوراق القانونية التي تلتها ، كأنها المرتكزات النظيفة الأولى لدولة الحريات و المساواة ؛ متناسين أنها خُطت بالدم. وأن هذه الدولة كان ركن أساسها  عشرات آلاف من جثث الفرنسيس ؛ وان رؤوس فاعليها كانوا إرهابا همجيا لم يعرفه المجتمع الأوروبي في القلاقل الداخلية لا قبلهم ولا بعدهم .
 لعل المستبد الجديد الذي جاء في ثوب مكافح الاستبداد ،كان أكثر إرهابا ممن ثار ضده ، ويعتبر ماكسيميليان دو روبيسبير الجانح الأول ، إلى الانحصار و العداء لكل مخالف.
فمن هو هذا الدموي ؟ وما خلفياته؟ وماذا اقترف من جرائم ؟ وكيف كانت نهايته ؟ هذه الأسئلة وغيرها نحاول طرحها في هذا الحوار المستعجل مع المحامي الدموي روبيسبير .
الوسط : بونجور السيد ماكسيمليان دو روبيسبير كيف حالك اليوم
روبيسبير : بونجور بخير نعيش بين نشوة وخيبة .
الوسط : بدءا هلا عرفتنا اكثر من هو روبيسبير ؟ كعادته يحافظ على جهامة ملامح وجهه ، وهيئه الاعتداد بالنفس ملازمة له
روبيسبير : لا يكفيني سرد مسيرتي عمرا بقدر العمر الذي عشته، فمنذ صرختي الأولى في وجه هذا العالم و نسيج حياتي ترصه خيوط القدر .  لا علينا . اسمي الكامل :  ماكسميليان فرانسوا مارى ايسيدور دى روبسبير ، ولدت في سنة 1758في مقاطعة آراس و فيها ترعرت ، انتقلت لباريس و درست الحقوق لأكون بعدها محاميا و مناضلا ثائر من أجل الفضيلة والحرية . لا أدري ماذا تريد ان تعرف أكثر ، اترك ذلك لمشي الحوار .
الوسط : ما قصة الخطاب الذي قرأته للملك لويس السادس عشر وأنت مازلت طفلا ، ألا يكون توريطك في السياسة منذ نعومة اظافرك هو من اثر على نهجك ؟
روبيسبير : لالا هذا غلط شائع متداول ، أخاف أن مدعيه يريدون توريط الأطفال في السياسة كما تفعلونها انتم اليوم بتكليفهم بلصق المنشورات ، لتكتفوا انتم بالصالونات و الخطب الفارغة من القيم و الحجج .
 لم أكن طفلا بل طالبا بالكلية وكان ذلك سنة 1775 بمناسبة جلوس الملك لويس 16 على كرسي العرش فتم اختياري لإلقاء خطاب تهنئة بالمناسبة ، وأن أبقيت على بعض الجدوى لسؤالكم الثاني أقول أن حياة نضال أي مناضل حقيقي لا تتفصل عن مؤثرات و ظروف حياته الشخصية ، فروبيسبير عاش كمعظم الفرنسيس الفقر و الجوع و الحرمان فالأب كان بطالا مسرفا والأم رحلت و أنا طفل لم ابلغ السابعة من عمري . وكنت اسمع أن الملك يسرف في التبذير و نحن جياع ، فلم أتردد بعدها في كتابة خطاب عتاب له ذاما إسرافه وان ما يأكله من طعام يكفي 100 فرنسي . لم ارض بالفقر و اللامساواة يوما .
الوسط : متى كانت بدايتك الفعلية مع النضال ؟
روبيسبير : حقيقة كانت البداية الفعلية للنضال من اجل دولة الحق و العدل و المساواة . وجها اخر لبداية ممارستي لمهنة المحاماة سنة 1789 وبهذا انخرطت في آلام الشعب ليتم انتخابي عضوا في مجلس الطبقات سنة 1789  كممثل للطبقة الثالثة في قصر فرساي ، ثم التحقت بالجمعية التأسيسية الوطنية ، الحديث عن النفس اخ الكذب . كنت خطيبا مفوها يدفعني إيماني الراسخ بالفضيلة و الطهر الى التصدي لكل اشكال الفساد ، وبقوة ايضا عكس ما كان ينادي له جان جاك رسو الذي اخالفه الرأي .
الوسط : متى تهيكلت نظاميا داخل حزب او تنظيم سياسي ؟
روبيسبير :   فى سنة 1790 تم انتخابي كرئيس  لحزب الجاكوبين بالإجماع المطلق وليس بالتزكية المفروضة من جهات مشبوهة كما هو حاصل لديكم اليوم . وبعد نجاحنا في اسقاط الملكية سنة 1792 انتخب أيضا كمندوب لباريس في المؤتمر القومي انتخابا نزيها شفافا يعكس إرادة الشعب لا إرادة الإدارة الفاسدة .
الوسط : نصل إلى هذا المؤتمر الذي يعتبر انعطافة حاسمة في مسيرتك و يراه الكثير انتكاسة لأفكار. كيف تفسر إلحاحك و حماسك بالدعوة لإعدام الملك و عائلته ؟ وأنت الذي كنت تناضل بإلغاء حكم الإعدام ! (يجب على لويس أن بموت لان الأمة يجب أن تعيش) الست أنت قائلها ؟ ولم تسكت عنها حتى نفذ حكم الإعدام في الملك سنة 1793 . لتتم مكافئة عن دمويتك بعضوية الهيئة العليا التنفيذية ولجنة الأمن العام ؟!!!! لتنجح في السيطرة عليها بخطابك الدموي و تطرفك الإرهابي الذي لم يسلم منه حتى اقرب زملاءك في النضال من كبار الثوار أمثال هيبير و دانتون  و ديمولان ، كأنك كنت تريد تطهير الساحة الثورية من منافسيك لتبقى الزعيم الأوحد .
هل نسيت يا مسيو روبيسبير أن اسم الطبيب الذي اختراع المقصلة بقي اسمها مشتق من اسمه جيلوتين و الإرهاب الدموي والقتل الجماعي في الطور الأخير من الثورة بقي لصيق باسمك ؟ هل نسيت الجيش الثوري الذي أسسته وكنت ترسله من باريس إلى القرى والمدن الصغرى ومعه مقصلة متحركة …
يقاطعني روبيسبير : لكن عليك أن تبحث الظروف و الملابسات التي …
 الوسط : لحظة سوف نعيك المجال للرد عن انهار الدم التي كان خريرها يسمع من عشرات الأمتار ، لمن كنت تسميهم أعداء الثورة فلم يسلم منك حتى الثوار الذين كنت لا تتورع في اتهامهم بالزيف . تبقى المحكمة الثورية التي أسستها و القانون الذي سميته بقانون المشبوهين الذي بموجبهم قطعت بموجبه خلال تسعة أشهر 16 ألف رأس . على رأسهم رأس الملكة انطوانيت . لا تقل لي أنهم من معارضي الثور الجيروند . هل يكفيك هذا أم اعدد لك بالدقيقة عدد ضحاياك التي لم يسلم منها حتى العلماء ومنهم عالم الفلك باتي أول رئيس للجمعية الوطنية ؟  وبلغ بك الغرور إلى مهزلة استحداث  تقويم جديد متخذا أول يوم في السنة هو أول يوم إعلان الجمهورية في سبتمبر 1792 لتشتق من بعض الظواهر الطبيعية أسماء للشهور ! ليبلغ بك الغرور و التطرف باختراع ديانة جديدة سميتها ديانة عبادة العقل مدعيا التمشي مع تطور الأوضاع التي أفرزتها الثورة !  لتحول 2400 كنيسة إلى معابد دين العقل الذي لم يكن إنجيله سوى عقلك الدموي النرجسي .
ولولا خطأ قانون بريريال (سوف نفرده بمبحث) كما سميت الذي توج تراكمات إرهابك لتكون تلك الرصاصة التي اكتفت بإصابة فك هي الخطوة الأولى لسوقك يوم 27 جو.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك