المجتمع المدني والشباب ..قراءة في الكيانات والأداء

بقلم د.محمد مرواني /استاذ جامعي وكاتب صحفي 

من الطبيعي أن تتباين آراء القناعات الوطنية اتجاه الدستور خاصة وانه يشكل وثيقة وطنية تخاطب المجتمع وكيان الدولة والقيم ومرتكزات بناء المؤسسات والآراء التي تتعدد يجب أن تؤسس لثراء في المشهد الوطني ولثقافة التعدد والديمقراطية ولهذا فأنا أرى في تقديري أن النقاش الوطني حول الدستور بما يعبر عنه هذا النقاش من آراء ووجهات نظر متباينة يمكن أن يضيف للمشهد الوطني أفكارا جديدة ويصوب مسارات في المستقبل بمقترحات بناءة وهذا ما نراه توجها نوعيا في استقطاب فاعلين جدد في الساحة السياسة من الشباب يتيح لهم هذا النقاش فرصة للتدرب والتكوين على ممارسة العمل العام وطرح الأفكار في فضاءات مؤطرة وبلغة أكثر انسجاما مع دسترة الدور في الحياة المؤسساتية بالنسبة للمجتمع المدني والشباب .

عنونت مساهمتي الصحفية ب ” بالمجتمع المدني والشباب ..الكيانات والأداء ” وذالك باعتبار أن آليات التنفيذ والتجسيد للقيم والغايات كانت دوما محل نقاش وتقييم ..فالشباب يجب أن يمارس دورا هاما تبعا لمواد الدستور التي تشير إلى دور له في الحياة العامة …وتمكينه من المساهمة في بناء الدولة عبر استحداث أيضا مجلس أعلى للشباب يشكل قوة اقتراح لرئيس الجمهورية ..تحتاج كل هذه المواد المدرجة إلى آليات للتجسيد وهذا هو الذي يجب أن نركز عليه اليوم خاصة وأن هناك إشارات هامة نحو تأطير لدور المجتمع المدني الذي عاني وقد أشرت إلى هذا في كتابات صحفية من تمييع وتسطيح للأداء واختلالات عميقة أفقدته الدور والمصداقية اتجاه المجتمع ولعل استحداث مرصد وطني للمجتمع المدني في الدستور الجديد يشكل رسالة تأطير قوية للحركة الجمعوية التي يجب عليها أن تنسجم مع هذا الخطاب وتنخرط في مسار مؤطر للنشاط والدور وهذا الذي كان غائبا لسنوات .

قبل الحديث عن الاليات المتاحة لتمكين الشباب من ممارسة الدور المنوط به في الحياة المؤسساتية ودسترة أيضا دور المجتمع المدني سأشير إلى معطيات شكلت واقعا نمطيا لعلاقة الشباب مع المؤطر رسميا سياسة ومؤسسات وواقع العمل الجمعوي ضمن مستويات التاطير النوعية المطلوب أن تكون في الأداء .

فالنسبة للشباب الجزائري وهو كيان قابل للقياس عبر مختلف فئاته العمرية والفضائئات المؤسساتية التي تستوعبه سواء الشباب في المؤسسات التربوية أو مراكز التمهين والجامعات .ثم الشباب المنخرط في نشاطات المؤسسات الشبانية والثقافية والجمعوية تحتاج هذه الكتلة الشبانية أولا لدراسة علمية دقيقة لمفرداتها ..لخصوصية كل فئة ..البيئة التي يتواجد فيها الشاب ..الظروف الاجتماعية التي يتواجد فيها أيضا الشاب والدراسة يجب أن تكون علمية دقيقة لعلوم يمكن أن تقدم توصيف علمي لواقع فئة شبانية معينة وهذا في الحقيقة غير موجود بالكم الكافي في مؤسسات الدولة التي تعنى بالشباب بمعنى أننا لا نستثمر كما يجب في مخرجات البحث العلمي الذي يهتم بواقع الشباب الجزائري وعلاقته بالمؤطر والغير مؤطر وهذه مسالة هامة يجب الانتباه إليها .

هناك أيضا معطى هام يخص الشباب وهو تواجده الضئيل في المؤسسات الموجودة من أجل خدمته في مختلف المجالات وهذا يشير إلى أزمة حقيقة في الاتصال بالشباب لدى القطاعات التي تعنى بهذه الشريحة فالكثير من الشباب لا يعرف مؤسسات رسمية تخص قطاعات التكوين والشباب والتعليم والتربية وهذا وضع يجعل من الشباب في موقع الغائب عن النشاطات والسياسات ولا يتيح له المشاركة والمساهمة في برمجة وتجسيد السياسيات وهنا تأتي إستراتجية “إشراك الشباب ” التي تحتاج لسياسة وطنية قبل كل شيء تمكن من الشباب التواجد بشكل مؤطر في مجالس استشارية لمؤسسات وفي مجالس منتخبة وفي مؤسسات رسمية للدولة تسير القطاع الشباني وهذا من آليات التجسيد التي يجب الاشتغال عليها لدسترة دور الشباب في الحياة المؤسساتية .

هناك واقع آخر تخص “ثقة الشباب ” في خطاب الدولة وفي حركة الرسمي إذ أن قطاعا واسعا من الشباب لا يتابع رغم وجود وسائل الإعلام الأخبار ولا الأحداث ولا يبالي في غالب الأحيان بالنشاطات الرسمية التي يراها البعض من الشباب صورة نمطية لأداء السلطات وهذه مسالة يجب الانتباه إليها في أي إستراتجية تنشد تحقيق استقطاب الشباب نحو الدولة ومؤسساتها القادرة على التأطير والتأثير .

هذه بعض المعطيات التي ترتبط بوضع شبابنا وتحتاج فعلا لمسار من الدراسة والتصويب والتأطير ولهذا فإن الآليات المتاحة لتجسيد دور للشباب في الحياة المؤسساتية تعتمد على العناصر الآتية :

استقطاب الشباب للتكوين على ممارسة العمل العام في منابر جمعوية والاهتمام رسميا بهذا التوجه رسميا وتمكين الشباب من التواجد في مجالس استشارية لمؤسسات قطاعية تخص الشباب والتكوين والتربية والتعليم ثم تنمية قدرات القيادات الشبانية في المجتمع ونشر هذا النموذج في المؤسسات والجمعيات الفاعلة بالإضافة إلى إشراك الشباب في لجان رسمية ملزم أدائها وكيانها في الإدارة على مستوى البلدية والولاية مع دعم التكوين العلمي والمهني المتخصص للشباب المبدع الذي يمكن أن تستفيد منه مؤسسات وهيئات رسمية وتعيين الإطارات الشابة ذات الكفاءة العالية في وظائف سامية للدولة وتكريس هذا التوجه رسميا على المستوى المحلي ثم الوطني مع تعزيز دور المؤسسات الاستشارية التي تملك صفة التمثيل للشباب في الاستثمار في مواهب الشباب وإبداعاتهم .

أما بالنسبة للمجتمع المدني فيجب الإشارة وبكل صراحة ان الكيان لم يكن مؤطرا وطبعا المصطلح له اسقاطاته في الواقع وتقاليد وأعراف الممارسة إذ لم ننمي ثقافة العمل الجمعوي المستقل عن أي تموقعات سياسيوية أو فئوية …لم نشتغل على التدريب والتكوين الجمعوي …لم نطرح نموذجا هاما ومتسعا للجمعيات المهنية …وهذا الوضع في الحقيقة خلق خلالا عميقا في الساحة الجمعوية ولم يكن الأداء قابلا للتصنيف وهذا واقع مؤسف في الحقيقة يجب أن نعترف بها ونحن مقبلون على مسار جديد من البناء الجمعوي السليم .

لهذا فان من أهم الآليات التي يجب الاشتغال عليها لتأطير المجتمع المدني بكفاءة عالية في المجتمع نقترح الآليات الآتية :

الاهتمام بثقافة التخصص الجمعوي وتنمية ثقافة المؤسسات الجمعوية مع تنمية ثقافة المؤسسات الجمعوية واستحداث مؤسسات للتدريب والتكوين الجمعوي وتعزيز دور مرصد وطني للمجتمع المدني خاصة على المستوى المحلي مع تمكين الجمعيات الفاعلة من عضوية مجالس استشارية في إدارات ومؤسسات والاهتمام بالإعلام الجمعوي وتأسيس ميثاق لأخلاقيات العمل الجمعوي البناء.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك