المجتمع المدني فرص التأطير والتنظيم

مقاربات من الراهن

 بقلم د.محمد مرواني أستاذ جامعي وكاتب صحفي

 

 يلاحظ في التوجه الرسمي الذي يستدعي دورا للمجتمع في مسارات مقبلة من البناء المؤسساتي للدولة الجزائرية الإلحاح على إعادة تنظيم الكيان الجمعوي الذي تضرر لسنوات من تمييع ممنهج وتسطيح للأداء ،وشعبوية في النشاط ومحدودية رصيد قطاع واسع من الفاعلين  في التعاطي مع قضايا المجتمع ،والدولة وبناء الدور الفعال البناء الذي يثري المشهد العام في أبعاده المؤسساتية ،والمجتمعية ولعل النقاش الوطني الدائر اليوم على اعادة بناء المجتمع المدني وللمفهوم وعاء اصطلاحي ثري مفاهميا لا يحيل بعد إلى آليات للتنفيذ ،والتجسيد ،وهذا يشكل في تقديري جزءا هاما من حالة من عدم الاستيعاب للخل الذي طال الكيان والتناقضات التي التصقت لسنوات بالأداء الجمعوي الذي سيس وميع لسنوات ،وما شذ عن هذا الايقاع ،وتجاوز هذه الصورة النمطية نماذج جمعوية لها كيانها وطرحها والفاعل فيها نخب وطاقات لها رؤية .

 

التكوين التزام نخبوي مؤسساتي

 

من المهم الاشتغال على تأطير المجتمع المدني وتنظيم هذا الكيان بارتكاز على القيم والأعراف التي يستند إليها الفعل الجمعوي الذي يعتبر أحد مخرجات الدولة الحديثة فالمتأمل في تجربة المسار الجمعوي في البلاد يرى مدى الاختلالات العديدة التي طالت العمل الجمعوي في مختلف المجالات وهذا بعد مسار من التمييع الممنهج لنشاط الجمعيات التي التصق بعضها بمصالح ضيقة فئوية وتموقعات لإغراض انتخابية وأخرى افتقدت للرؤية واستراتجيات العمل والأداء والبارز أن تعدادا هاما من العناوين الموجودة في الساحة الجمعوية تفتقر لقيادات تؤطر العمل الجمعوي قابل أدائها للقياس فرغم التحاق العديد من الجامعيين من الشباب بالعمل الجمعوي على المستوى الوطني وهذا مشهد بارز للعيان إلى أن غياب مقومات وركائز هامة تؤطر برؤية اعمق وببعد استراتجي المجتمع المدني في الجزائر أحال المشهد إلى ما أسميه ” شتات جمعوي , الأداء المنساباتي , تراجع ثقافة التخصص في العمل الجمعوي وكلها معضلات حقيقية تواجه الفعل الجمعوي ويجب الانتباه الى أن الساحة الجمعوية ثرية بالكم يغيب فيها الكيف ولا يمكن للطاقات الجمعوية المبدعة والتي تمتاز بأداء نوعي في المجال الجمعوي أن تصنع إيقاعا خارج الصورة النمطية الحالية إلا إذا تم تطهير الساحة الجمعوية من ” الجمعيات المتحزبة و الاخرى التي تمارس بسطحية النشاط دون إسناده لأهداف استراتجية تعزز من قوة الاقتراح لدى الفاعل الجمعوي .                                                                                               

 

القيادة الجمعوية ..ثقافة وتنظيم

 أكثر المعطيات أهمية في تحريك المسار الجمعوي ليكون في مستوى التطلعات التي تنشدها الدولة والمجتمع بشكل عام هي الاهتمام بفكر وثقافة القيادة الجمعوية فكفاءة الجمعية تقاس بما تملكه من ” قيادات ” قادرة على التأطير والإقناع والتأثير والتخطيط وبناء حتى لغة اتصال مع الإدارة والسلطات قائمة على فصل الدور الجمعوي عن أي كيانات سياسية أو فئوية فالقيادة الجمعوية تشكل خطاب كفاءات تؤمن بأهداف استراتجية هامة في بناء الدولة وإثراء العمل العام ولعل الخلل الموجود في القيادة الجمعوية في قطاع واسع من الجمعيات التي يقودها للأسف من لا يفقه في العمل العام شيئا ،ولا يحيل نشاطه إلى مسار قابل للتأمل والنقاش والتقييم فبعض رؤساء الجمعيات الموجودون لا يملكون مستويات علمية مقنعة ويمارسون العمل الجمعوي ب”ثقافة السجل التجاري ” الذي يتم على أساسه جني مصالح مع السلطات والمسؤولين أو المساومة والضغط لتحقيق مطالب معينة خاصة وليست عامة دون ان نعمم في هذا السياق فجزء من هذه الممارسات التي لايمكن اعتبارها بالجمعوية ميعت وافسدت الساحة الجمعوية وجعلت حتى السلطات والإدارة على المستوى المحلي تتعامل مع هذا النوع من الجمعيات لاعتبارات غير مهنية ولا مؤطرة بل لتحقيق توزنات في الساحة المحلية ثم الوطنية من حيث نشاط المنابر وهذا الذي جعل ايقاع الجمعيات في العمل العام وفي تقاليد وعلاقات الفاعل الجمعوي بمؤسسات الدولة باهتا .

 

ميثاق للأخلاقيات

 

إن غياب أي ميثاق للأخلاقيات يخص العمل الجمعوي في البلاد ويؤطر المسار بالمستوى المطلوب والغاية المنشودة جعل المشهد الجمعوي أكثر انعزالا عن القيم والأعراف والمبادئ وأضحت قواعد الممارسة التي فرضتها حركة الشخوص أكثر تأثيرا على الوضع والمهشد الحالي الذي له تراكماته المتتالية التي تحيل لممارسات كانت فيها الجمعيات “أداة انتخابية ” أكثر من منبر للاقتراح وممارسة دور رقابي معنوي يعزز ايضا من الديمقراطية التشاركية وقد اضحى من الضروري الاتجاه إلى ميثاق اخلاقي للمجتمع المدني في البلاد ينظم ثقافة المنابر الجمعوية ويؤطر برؤية أعمق المسار ويزيل تماما ثقافة “التمييع الجمعوي ” الذي كان العنوان البارز لسياسة نظام سابق استغل الفواعل الجمعوية لتمرير عهدات انتخابية ،وسياسات فاشلة ،وأنتجت واجهة من الدخلاء على الساحة الجمعوية الذين لا هم لهم إلا المصالح الخاصة والتموقع وتحقيق الأغراض الانتخابية بعد تحويل قطاع واسع من الجمعيات الى وعاء انتخابي أخرج الكيان تماما من دوره وفعاليته ونحن الآن نجني تبعات هذا الافساد الذي طال العمل الجمعوي في البلاد ويستوجب الان الاتجاه إلى ميثاق أخلاقي يؤطر نشاط ودور المجتمع ضمن الحقوق والواجبات .

 

التخصص يؤطر الأداء  

 

من التقاليد التي تغيب في مشهدنا الجمعوي نتاج الاختلات الكثيرة التي اصابت وشلت العمل الجمعوي غياب ثقافة التخصص الجمعوي أن صح القول والتوصيف فقطاع واسع من العناوين الجمعوية الموجودة في الساحة الجمعوية لا يملك أعضاؤها المؤهلات الكافية الضرورية لتقيم أداء قطاع وهذه مسالة هامة يجب الانتباه إليها كما أن ثقافة العمل المناسباتي الظرفي تطغى على الأداء الجمعوي منذ سنوات ولا نرى إلا اهتماما ضئيلا بثقافة ” الملفات ” التي يمكن على أساسها أن تتقدم الجمعيات خاصة منها ذات التواجد والتمثيل الوطني بمشاريع نوعية في مختلف المجالات تجعل من الجمعية طرفا فاعلا في أي مسار تنموي أو مجالا لدمقرطة العملية التنموية وتكريش ثقافة العمل التشاركي التي تغيب كآلية ملزمة لكل الأطراف في الولايات لاعتبارات عديدة أهمها “ذهنيات العديد من المسؤولين المحليين اتجاه الجمعيات مثلا المحلية خاصة النشطة .. وأحكام مسبقة بين الطرفين ” الجمعية والمسؤول ” في الكثير من الأحيان ضمن سياق التعاملات واعتقد ان ثقافة التخصص الجمعوي أولوية هامة ضمن أي مسار رسمي لتأطير المجتمع المدني في البلاد وترقيته مكانته ودوره في الحياة المؤسساتية وهو ما يجب الاشتغال عليه خاصة بعد انطلاق ورشات وطنية يشرف عليها مستشار رئيس الجمهورية المكلف بالجالية والمجتمع المدني تتستهدف فتح نقاش وطني هام حول الأداء والدور الجمعوي المنشود في القادم مسارات ومحطات هامة لبناء الدولة الجديدة .

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك