المجاهد صالح بوصفصاف المدعو الحاج صالح الزيدي ومشاركته في الثورات الثلاثة (الفلسطينية-التونسية-الجزائرية)

جهاد ومسيرة

جزء 01

بقلم الأستاذ طارق عزيز فرحاني 

مواصلة لسلسلة التعريف ببعض أبطال الثورة التحريرية، التي كنّا قد بدأنا نشرها على صفحات جريدة الوسط التي منحت لنا هذه الفرصة، سنطرق في هذا العدد إلى سيرة أحد المجاهدين الذين سطر أروع التضحيات وترك بصمة خالدة على صفحات التاريخ، إنه الحاج صالح بوصفصاف المدعو صالح الزيدي، والذي سنقف على أهم محطات حياته. 

01-مولده ونشأته: 

ولد المجاهد بوصفصاف صالح المدعو صالح الزيدي خلال سنة 1922م، بمشتة أولاد زيد بحيرة قساس بلدية المزرعة ولاية تبسة حاليا، وهو ابن بشير ودبوس عائشة بنت محمد. 

نشأ صالح بوصفصاف في بحيرة قساس، في كنف أسرته التي كانت تمارس مهنة الفلاحة وتربية الماشية والترحال لأجل ذلك بين قساس والدرمون. وكان بشير بوصفصاف يعتني كثيرا بابنه صالح فأرسله إلى مدينة نفطة بالقطر التونسي لأجل مزاولة الدراسة هناك وحرص على تعليمه نظرا للموهبة والذكاء والفطنة التي كان يتمتع بها منذ نعومة أظافره.

وهناك تعلم على يد مشايخ بعض الكتاتيب بمسجد الشيخ العمودي عبد الله، كما تتلمذ على يدي الشيخ محمد الطاهر الذي أشرف على تدريسه دروس الفقه في متن ابن عاشر ومتن الرسالة والأجرومية والبلاغة، ودرس الشريعة وحفظ القرآن الكريم. 

02-استدعائه للتجنيد الإجباري: 

خلال سنة 1940م وجهت السلطات الاستعمارية الفرنسية استدعاء لصالح بوصفصاف الذي كان في تلك الفترة يزاول تعليمه، وطلبت منه تلبية النداء الموجه له والالتحاق بصفوف الجيش الاستعماري الفرنسي كمجند احتياطي في وحداتها، لكنه لم يتمثل للاستدعاء الذي وصله وفضل عصيانه وظل فارا من ذلك إلى أن تم إيقافه بعد مداهمة لبحيرة قساس من طرف أعوان الأمن الفرنسيين، وتمكنت من أخذه وإرساله إلى الأراضي الفرنسية خلال أواخر سنة 1944م، وبقي في الأراضي الفرنسية ولم يرسل إلى جبهات القتال إلى غاية عودته لأرض الوطن في سنة 1946م. 

وعلى إثر عودته تفاجأ بالظروف المأساوية والمعيشية الصعبة التي كانت تمر بها المنطقة وسكانها بعد المجاعة التي حلت خلال سنة 1945م والمعروفة تاريخيا بعديد المسميات من بينها تسميات “عام الشر”، “عام الرماد” وهذه التسمية استدمت من لون التربة الذي تحول إلى رمادي بسبب قلة تساقط الأمطار.

لذلك قرر أن يصطحب بعض أفراد أسرته وأن يرحل إلى مدينة عنابة بحثا عن العمل لتوفير لقمة العيش، ولما عرجوا على مدينة سوق أهراس توقفوا هناك قصد البحث عن عمل لفترة قصيرة، وبعد ذلك استقر بهم المقام بمشارف مدينة عنابة أين تتواجد مزارع أقامها المستوطنون هناك، حيث أستقر بها صالح بوصفصاف وأقاربه وعملوا بها لمدة سنة كاملة، ولأجل ادخار المال الكافي لإعالة باقي أفراد الأسرة المتواجدين في تبسة تقرر أن يتم الاعتماد على معيشة بسيطة قوامها رغيف الخبز والدلاع لأجل اقتصاد وتوفير المال، بعد مدة من العمل تمكن صالح من جمع بعض الأموال فأرسلها مع شقيقه الذي توجه إلى بئر العاتر واشتري قطيعا من الماشية لوالده. 

03-الحاج صالح الزيدي مجاهدا في الثورة الفلسطينية سنة 1948م: 

بعد أن تحسنت الظروف المعيشية لأسرته قرر صالح بوصفصاف أن يتوجه إلى المشرق العربي لأداء فريضة الحج، بعد أن سمع بأن ابن خالته لعجال ميهوب ومحمود بن السلامي قررا أن يتوجها للأداء هذه الفريضة، لكن ظروفهم المادية حالت دون تحقيق هذه الرغبة لمرتين متتاليتين، وفي إحدى الليالي كان محمود بن السلامي نائما فرأ في منامه بأن شيخا يقول له: “إذا أردت رؤية مكة فإنك ستذهب إليها برفقة صالح بن البشير”، فاستيقظ في الصباح يبحث عن تفسير لهذه الرؤية خصوصا وأنه لا يعرف صالح بن بشير الذي تحدث عنه الشيخ في المنام، وقد تكرر معه هذه المنام كثير لكن لم يجد له تفسيرا مقعنا وفي إحدى المرات قرر أن يقصه على صديقه لعجال ميهوب، الذي سمع بالمنام فتبسم وأخبره بأن الشخص الذي يبحث عنه هو ابن خالته الشاب اليافع صالح بن بشير بوصفصاف. 

لذلك قررا أن يتوجها إليه لإقناعه بحكم أن كان يعمل، ولما اقترب من بيته استقبلهما بشير بوصفصاف والد صالح، وسألهما عن سبب هذه الزيارة المفاجئة لبيته، فأخبروه بأنهم يبحثون عن ابنه صالح، وأخبروه بعد بقصة فشلهما في تأدية فريضة الحج إلى بيت الله الحرام، وأن رغبتهم لا تزال قائمة وأنها لن تلبى إلا بعد أن يذهب معهما ابنه صالح، وقص عليه محمود بن السلامي أمر الرؤية المتكررة، وألح عليه ليسمح لابنه بأن يحج معهما في هذ المرة. 

إلا أن بشير بوصفصاف رفض رفضا قاطعا في بادئ الأمر، متعللا بصغر سن ابنه وقلة خبرته وأنه لا يزال يحتاج لمساعدة إخوته وشدة تعلق الوالد بابنه فباءت محاولة الحاج محمود بالفشل. وعند سماع الحاج صالح بالخبر زاد شوقه لهذه الرحلة رغم أنها محفوفة بالمخاطر فألح على والده للسماح له بالذهاب، فلجأ إلى وساطة أخواله وأشخاص آخرين للضغط على والده وبعد إصرار كبير وافق والده وسمح له بالذهاب لأداء فريضة الحج. 

فبدأ بجمع العدة وبعض الزاد «طمينة، تمر» من الأهل وقليلا من المال أعطاه إياه والده كان قد ادخره من مجهود وعمل ابنه صالح عندما كان في عنابة، وتوجه الحاج صالح رفقة بوعروج محمود إلى قصد بيت الله الحرام والذين اصطحبوا معهم لعجال ميهوب لتتزامن رحلتهم مع قيام الثورة الفلسطينية سنة 1948م، كان الحاج صالح ورفقائه يتوقفون أحيانا أثناء رحلتهم مرة للراحة ومرة للعمل قصد الحصول على بعض المال سالكين بذلك طريق ليبيا ثم مصر، ليكتب للحاج صالح أن يشارك في جهاد إخوانه الفلسطينيين. وفي طريقهم التقوا مجموعات من الجنود الذين سيلتحقون بالثورة الفلسطينية، حيث طلبوا منهم التطوع واقناعهم بأن الجهاد في سبيل الله أعلى مرتبة وأوفر جزاء عند الله أكثر من الحج.

فاتجه الحاج صالح مع رفقائه قاصدين بذلك التطوع والجهاد إلى فلسطين بعدما غيروا وجهتهم التي كانت مخططة إلى مكة المكرمة، فيروي المجاهد صالح بوصفصاف رحمة الله عليه قائلا: استغرقت مدة السير على أقدامنا إلى فلسطين أكثر من ثلاثة أشه وعند وصولنا إلى مصر توجهنا إلى مراكز التطوع، حيث تضم هذه المراكز على مجموعات غالبيتها من جماعات الإخوان المسلمين الذين استقلوا بقطاع للعمليات غير القطاعات التي عمل فيها جيش الإنقاذ.

وقد قسموا على ثلاث كتائب: في النقب والعريش والشريط الساحلي لغزة، قائدها أحمد عبد العزيز، حيث كان أغلب المتطوعين من مصر وفيها من تونس والسودان وليبيا، وبعض الجزائريين وعند وصول الحاج صالح ورفقائه إلى مركز التطوع وجدوا هناك من ينتظرهم ليلا فجاءت شاحنة حملت 24 شخص وفي الصباح وصلوا إلى جبل النقب بضواحي البحر الميت، ثم واصلوا المشي مدة 06 أيام وعند وصولهم التحقوا بفصائل مختلطة فوجدوا هناك جماعات ألقت عليهم خطابا فيما يخص الجهاد وقواعد وأنظمت العمل، وبثوا فيهم روح الحماس مؤكدين عليهم  انتحال هوية حجاج بيت الله في حالة اعترضهم أي خطر، ثم قاموا بتقسيم الجنود إلى فصائل وكل فصيلة تتكون من 09 جنود وقاموا بتسليحهم بأسلحة من نوع “رباعيات وعشريات إنجليزية”.

ويؤكد المجاهد الحاج صالح بوصفصاف رحمه الله في شهادته حول طبيعة الاشتباكات ضد اليهود فيقول: اعتمدنا في قتالنا ضد الجنود الصهاينة على أسلوب قتالي مبني في الأساس على نظام الاشتباكات والهجومات المباغتة، حيث كنّا أحيانا نخوض اشتباكات مع الجنود الصهاينة خلال تنقلاتهم في الجبال، وفي أحيان أخرى نقوم بشن هجومات ليلة ضد مراكزهم العسكرية، وخلال الاشتباكات التي كانت تقع في المناطق الجبلية كان الجنود الصهاينة يفرون من مواقعهم لأجل الاحتماء بقواعدهم الخلفية، لأجل الحفاظ على أرواحهم، واستخدام الأسلحة الثقيلة لصد هجوماتنا، وتواصل الحال على هذه الطريقة لمدة ثلاث أشهر، إلا أن جاءت الأوامر من القيادة العليا بوقف إطلاق النار وبأن الجنود سيرجعون إلى القواعد في الأردن ثم إلى مصر، وقد تزامن ذلك مع وفاة الملك الأردني عبد الله. 

وعلى غرار الحاج صالح الزيدي فقد شارك عددا من المتطوعين الجزائريين ينحدرون من منطقة تبسة في الثورة الفلسطينية، نذكر من بينهم: بلهوشات محمد، علي بن زايد قواسمية، محمد بن علي لخضر، الحاج خريف، هبهوب السعيد، محمود عيساوي، رجب بلقاسم. 

بعد وقف إطلاق النار بين العرب والصهاينة، توجه صالح بوصفصاف إلى البقاع المقدسة رفقة كل من لعجال ميهوب وبوعروج محمود لأداء الحج، لكن فرصة أداء الفريضة قد فاتتهم لذلك اكتفوا بأداء العمرة وبقوا لفترة زمنية هناك، حيث تزامن بقائهم في البقاع المقدسة مع بدء عملية تنظيف الكعبة المشرفة، فشارك في هذه العملية، حيث دخل إلى داخل الكعبة وقضى ليلة فيها، وفي اليوم الموالي قال إنه لم يرد الخروج منها حتى أخرجه المشرفين بالقوة ولما سئل عن سبب ذلك كل يمتنع عن الإجابة ولا أحد يعلم ما السر في ذلك.

ثم بعد ذلك عاد الحاج صالح مع رفقائه أدراجهم عابرين الطريق من حيث أتوا الأردن ثم مصر ثم ليبيا، ألا أنه ابن خالة صالح لعجال ميهوب مرض في الطريق بشدة وتوفي في بنغازي بليبيا ودفن هناك. فواصل الحاج صالح رفقة بوعروج محمود طريقهم عائدين إلى الجزائر إلا أن السلطات الفرنسية ألقت القبض عليهم في بن قردان بتونس ثم نقلتهم إلى الجزائر وبقي في السجن تحت تحقيقات ومباحثات السلطات الفرنسية مدة ثمانية أشهر ليطلق سراحهم بعد ذلك. 

 

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك