المثقفون العرب والغرب.. الممرّ الضروري!!

انفتاح

بقلم: صالح عوض

رحلة طويلة لم تكن دوما آمنة.. جرفت بعضنا في غير الاتجاه، وزودت بعضنا بالوعي والانفتاح.. ماذا نأخذ من الغرب وماذا نترك؟ وما هو معيارنا في الأخذ والرفض؟ هل من فرصة للغوص عميقا في التجربة ومحاورتها دونما تشنج أو انبهار؟ لماذا أصابنا العمى ونحن نقرأ تجربة الغرب الحضارية؟ وإن كنا نتهم الدوائر الاستعمارية بالعنصرية في تعاملها مع ثقافتنا و تاريخنا وواقعنا أليس من العنصرية أن نشطب تجربة الغرب الثقافية والحضارية بجرة قلم؟ هل نحيل مواقفنا المتناقضة من الغرب إلى ضغط التاريخ و العقد النفسية التي ولدتها الهزائم؟ أليس من الإنصاف أن نعترف أن العقل الغربي أنتج في عشرات السنين أعظم مما أنتجته البشرية في عشرات القرون..؟ وذلك ليس فقط على الصعيد التجريبي والعلوم البحثية إنما أيضا في المعارف الإنسانية؟

غياب المعيارية:

رغما عن العنصريين في الغرب والمنغلقين في الشرق فليس أمرا متناقضا، أن يكون النتاج الثقافي في الغرب هو جملة تراكمات ثقافية تتداخل فيها انتماءات حضارية متنوعة لعلها بدأت من صيحة ابن رشد ومدرسة العقل في الأندلس وما نقله العرب من ثقافات الأمم السابقة فالحضارة الغربية أتون انصبت وانصهرت في جوفه جملة من التقاليد الثقافية والقيم الاجتماعية والمفاهيم الحضارية، ليس بمقدور العنصريين ادعاء النقاوة الغربية، كما أنه ليس من مصلحة المنغلقين تجاوز ذلك. 

من سمات التخلف الحضاري الذي تمر به مجتمعاتنا ان ساحتنا العلمية والثقافية تكاد تخلو من  التفاعل مع ثقافات الأمم الأخرى المعاصرة ومناقشتها حيث يصبح الخوف على التراث والهوية هاجسا على عكس ما تميزت به امتنا في قرون سبقت بل وعلى خلاف ما يشير اليه قرآننا من نقاش للثقافات والمبادئ والأفكار والتاريخ.. في اتجاه آخر انبرى نفر ينقلون ما تضخه الثقافة الغربية بخصوص ديننا وتراثنا ولغتنا يسوقونها في مجتمعاتنا “نسخ لصق” هذه فئة التغريبيين أو كما يحبّون أن يسموا أنفسهم بالحداثيين.

بالنظر للنموذج الغربي جملة على صعيد صناعته لرواية الحضارة والثقافة والتاريخ نكتشف أنه يعيش عقدة تلازمه في التعامل مع تجارب الآخرين وتاريخهم تلك التي تدور حول مركزية الحضارة والتاريخ فالعام يبدأ تاريخه وفقا للأحداث التي حصلت في الغرب على اعتبار انه مركز الكون.. فهو يرى أن الحضارة بدأت من عنده فهو “الرائد والمؤسس في شتى العناوين على صعيد “محاربة العنصرية والدفاع عن حقوق المرأة والطفل والإنسان وتقرير مصير الشعوب” لهذا فهو الوصي على العالم لأنه المركز الكوني.. والمسألة هنا ليست شطحة ثقافية أو نفسية بل تخضع لرؤية كونية تدفعه أحيانا إلى إبادة الآخرين ماديا ومعنويا لكي يتخلص من ثقل حضورهم الثقافي والحضاري وإن لم يستطع فهو يذهب إلى شيطنتهم وتشويههم ومحاصرتهم انه ببساطة الكيل بمكيالين وفي ظل غياب المعيارية يبيح الغرب لنفسه ارتكاب جرائم ضد الإنسانية كما يحصل الآن في دعم الكيان الصهيوني في شطب شعب ومجتمع وبلد تاريخي.. وفي هذا الباب من المعرفة ليس هناك غنى عن كتاب الاستشراق لمؤلفه العبقري ادوارد سعيد.

  تقع النهضة الغربية في مطب آخر ذلك أن ثورتها ضد الإقطاع وسلطة الكنيسة لم تغادر الحدود الوطنية بل انخرطت كأداة متقدمة في حملات الاستعمار الغربي التي استهدفت الشعوب المستضعفة، توقفت الثقافة ومفاهيم الحضارة و حقوق الإنسان في إطار الدولة الغربية ولم ترتق النهضة الغربية إلى معالجة حقيقية للمشكلات التي تعاني منها البشرية جراء الطغيان الاستعماري الغربي بل لعلنا نشاهد تناقضا حادا ففي حين تكون دولة كفرنسا علمانية بتطرف داخل فرنسا وتبعد الكنيسة عن مجريات الحياة نجدها في الدول العربية ترعى نشاط الكنيسة وحيويتها كأداة استعمارية كما حصل في الجزائر وكما يحصل من دعم لدعوة دينية عنصرية في فلسطين.

إن الغرب اليوم وبعد أن تمكنت منه العلمانية وأصبح الإلحاد أكثر دين حضورا فيه على اعتبار التحرر من فرض القيود العقائدية على الآخرين وترك الكنيسة وراء ظهره إلا انه أًصبح أكثر شراسة ضد أن نكون نحن كما نريد، فهو  لا يراعي حاجتنا وحرصنا على الحداثة العلمية والبنيوية فهو يواجه رغبتنا بتوجيهنا إلى التحديث أي إلى تغيير معتقداتنا وهويتنا، نريد أن نكون معه أندادا نتكامل في المسيرة الإنسانية نأخذ ونعطي لبناء السلم العالمي، وهو يلزمنا إلى أن نكون أتباعا حتى بالنظر إلى قضايانا الوطنية والقومية والحضارية مفجرا الصراعات والحروب، نحن نحاول التقدم على طريق الحريات السياسية والديمقراطية وتكريس حقوق الإنسان وتقليد المجتمعات الغربية في ذلك، فيما هو يعزز بالقوة المسلحة والإعلامية والسياسية هيمنة الأنظمة المستبدة الديكتاتورية العائلية علينا ويزودها بالسلاح والتكنولوجيا لقتل الآمنين وهتك حرمات حقوق الإنسان كما يحصل في دعمه لمملكات الخليج العربي.

ولكن يجب أن لا يحرمنا هذا المعطى الخطير من النظر إلى الثورة الفكرية العظيمة التي انطلقت في فرنسا وبريطانيا وأمريكا في نهاية القرن السابع عشر وبداية القرن الثامن عشر عندما انتفض العقل الغربي ضد تحالف سلطة الكنيسة وسطوة الإقطاع.. وقدمت هذه الثورة أدبا وثقافة ومفاهيم و قيما استطاعت تحرير طاقات الناس من التيبس والدونية إلى العطاء الفذ حضاريا واجتماعيا فحقق الإنسان الغربي في ظل ذلك انجازات عظيمة على صعيد حقوق الإنسان والتكنولوجيا والقانون وفن الإدارة.. إن هذا الباب من الحديث يفتح الأفق على  إمكانات للتعلم والاستفادة.

المثقفون العرب:

من هم المثقفون العرب؟ كيف نشأت طبقتهم؟ أين هم من الفكر الإصلاحي والعلماني والطائفي؟ وما هي علاقتهم بالفكر الغربي؟ هذه الأسئلة وسواها أجاب عنها الدكتور المفكر الفلسطيني هشام شرابي بإسهاب وتعمق في كتابه التأسيسي ” المثقفون العرب والغرب” وقد قدم إطاراً فكرياً لمعالجة الواقع الاجتماعي والتاريخي المحيط بنشأة المثقفين العرب منذ نهايات القرن التاسع عشر إلى بدايات القرن العشرين في أسلوب علمي رصين.. وتظل الأسئلة متجددة حول توزع المثقفين العرب بعد اصطدامهم بالثقافة الغربية فمن الواضح أن الأمر انتهى إلى تشويش الرؤية والتصور وغياب أهداف محددة بأولويات مرتبة عليها إجماع.. ونستطيع القول: أن أغلبية تيارات التنوير والنهضة في وطننا العربي قد تأثرت في الشكل أو المضمون بنسب متفاوتة بما ضخّت به الآلة الحضارية الغربية.. وعلى أرضية التفاعل الثقافي معها استعرت المعارك الداخلية فيما بيننا وقد خسرت الأمة في هذا التصارع أوقاتا ثمينة وكان نتيجة ذلك كله الإمعان في الفوضى وتكرار مسلسل التجارب والأخطاء.. وفي حين برز التنازع الثقافي وانتفخ، اضمحل مستوى الأداء السياسي، وانحسر دور التقني وأهميته.. فكيف اختلطت علينا الأولويات..؟ 

من الواضح أن ضحالة المعرفة بالثقافة الأصلية من أهم أسباب الفوضى في التعامل مع الثقافة الغربية مما وزعنا على محاور متنافرة فأما العزلة الاختيارية والتقوقع الديني لكي لا تخترقنا تلك الثقافة!! أو الانخراط فيها وكيفما أراد المشرفون على العملية الثقافية الاستعمارية أي التوجه لتقويض المرجعيات، وهذا يقود بعض أصحابه لأدوار سياسية تخريبية في المجتمع!! وهناك محور حاول اختراق الاحتمالات “السهلة” متجها نحو الاستيعاب والفهم والاستفادة إلا أنه لم يبرز بقوة، فلقد تمت محاصرته من قبل المحورين السابقين وقوى كثيرة داخلية وخارجية.. 

وتبرز الأزمة خانقة لدى المثقفين العرب في الغرب حيث تُبرز أزمة الهوية الثقافية، والتعامل مع ثقافة مجتمعية مختلفة.. وتبرز أهمية مناقشة وضعية المثقف العربي في الغرب لاسيما بعد الهجرات المكثفة في العقود السابقة حيث بلغ المهاجرون المسلمون 80 بالمائة من مجموع المهاجرين إلى أوربا جنبا إلى جنب مناقشة علاقة المثقف العربي في الوطن العربي بالثقافة الغربية، فالمثقف العربي في الغرب يخوض المعركة في كل تفصيلاتها ويخرج منها إما مهزوما يتمسك بالقشور وقد زودته الدعاية المنهجية المعادية نفورا من انتمائه الحضاري فيأخذ على عاتقه العمل على تقويضه وبث الشكوك حوله وهذا الصنف ينتشر في عواصم الحضارة الغربية وفي حقيقة الأمر غير مفيد لثقافته الأصلية أو للثقافة الغربية.. أو أنه يخرج من هذه المعركة في فصولها التأسيسية و قد تزود بأدوات التحليل والفهم التي تعيد إليه مرجعياته الثقافية بثوب عصري بعد أن عرضها على التحدي في جدل الثقافة العربية بالثقافة الغربية، وهنا يقدم المثقف العربي إضافة متفتحة على الجهد الثقافي الإنساني بحثا عن الأجمل والأنفع بروح نقدية وإن الغرب والشرق في أحوج ما يكونا إلى هذا..

المثقف والتحديات:

بالإضافة إلى ما سبق من تحديات على صعيد المنهج والأدوات فهناك تحديات متجددة يواجهها المثقف العربي المنتصر لتوه في معركة التجديد والتحديث حيث يواجه المثقف العربي في وطنه وفي المهجر تحديات تمس حقوقه الآدمية فهو في وطنه يواجه تضييقا على حقه في التعبير والتفكير من خلال حرمانه من مصادر العيش وصولا إلى الإلقاء به في غياهب السجون و يغتال المثقف العربي في وطنه عدة مرات لعل أسوأها أن يرى التهريج والفوضى سمة أصيلة مشتركة في النخب التي تهيمن على مسارات الإعلام والثقافة والسياسة وان المؤهلات التي تقدم أو تؤخر لا علاقة لها بالوعي والمسئولية وفي هذا المناخ يشعر المثقف العربي بغربة في مجتمعه الأم.. وفي الغرب فيواجه المثقف العربي الارتباك في كيفية تقديم قضايا أمته لكي لا يقع تحت طائلة معاداة السامية والخروج عن مبادئ الديمقراطية و خشية ان يلقى به تحت عنوان الدفاع عن الإرهاب وهي تهم عانى منها مفكرون عرب كبار.. مالك بن نبي و هشام شرابي وادوارد سعيد وسواهم كثير.. وهذا الصنف من المثقفين الكبار يجد الأبواب موصدة أمامه على صعيد المؤسسات العامة بل لعل المثقف الغربي الذي يخرج عن مسلمات السياسة الثقافية الغربية يجد نفسه مطرودا من النظام الثقافي كما حصل مع المفكر اليهودي التقدمي “توني جدتقبل 17 عاما حيث تم نبذه في أميركا عندما واجه انتقادات عنيفة واتهامات بمعاداة السامية في أعقاب نشره مقالا عن حقوق الفلسطينيين ورفضه للدولة اليهودية “الدولة التي لا تنضج”، والأمر نفسه يتلقاه الآن المفكر الأمريكي اليهودي بيتر بينارت.. ولقد سبق أن مورست قسوة السجن تجاه جارودي الفيلسوف الاشتراكي الفرنسي، و إسرائيل شامير الكاتب الصحفي اليهودي الإسرائيلي عندما فندا مزاعم الصهيونية.

ويواجه المثقف العربي ظروف المعيشة الصعبة، سواء في الغرب أو بلده الأصلي.. وكما يتحول كثير من المثقفين أو أنصافهم إلى مهرجين في الوطن العربي فإن بعض المثقفين والمتخصصين في الغرب يتجشمون أدوارا ليست أقل سوءا في المهجر حيث تحوي مراكز الدراسات الإستراتيجية في الغرب العديد من الكفاءات العربية التي تصبح عينا لدوائر القرار على كل شيء من سياستنا واقتصادنا وديننا ومجتمعنا وأحزابنا ومن المعلوم أن هذه المراكز جزء من منظومة صنع القرار!

في مواجهة الثقافة الغربية يحتاج المثقف العربي ابتداء إلى استيعاب مخزونه الثقافي العربي و والإحاطة بتاريخه والانهماك في حاضره وقضاياه، وهذا هو فقط ما يجعل مواجهته للثقافة الغربية مفيدة لبناء علاقة تفاعلية.. ومن جهة أخرى ينبغي أن يكون واضحا أنه من غير الممكن أن يكون المثقف العربي جسرا لنقل فوائد الثقافة الغربية الى لمجتمع العربي إن لم يستطيع استيعابها و فهم الجوهري فيها، وإدراك الارتباط بين بعض مبادئها و استغلاله من قبل الحالة الاستعمارية، وهو في هذه الحالة يجد نفسه ناقدا للتجربة الغربية كما هو ناقد للتجربة العربية في التفاعل الثقافي بين هنا وهناك.. وهذا يعقد العملية أمامه ويملأها امتدادات لتحديات فرعية وخصوم جدد.. فالمطلوب من المثقف العربي ليس ان يكون داعية لفكرة ما في الغرب، ولا ناقلا فكرة معينة من الغرب، إنما هو حالة تفاعلية كفاحية نقدية وتأملية وقادرة على الربط لإبراز الأنضج والأكثر إفادة وتقديم ذلك لمجتمعه و للبشرية أيضا.. والعملية ليست سهلة فهي تحتاج يقظة مستمرة لئلا يحدث الانزلاق في براثن الثقافة السائدة هنا أو هناك.. وان التخوف مشروع تماما فلطالما أنتج التفاعل الثقافي نماذج مشوهة مستلبة كانت عبئا على الثقافة ومعطلة لها أو نماذج منغلقة رافضة منعزلة تحرم الناس من التنافع والتدافع الايجابي.

الممر الضروري:

عندما نتأمل طبقة المفكرين العرب والمسلمين نجد أن غالبيتهم أخذت قسطا وافرا في الحياة في الغرب والتفاعل مع الثقافة الغربية وهنا يطرح سؤال: هل كان يمكن لتلك الفئة أن تكون على ما كانت عليه من سعة وفاعلية لولا تلك الرحلة الضرورية؟ هل كان مالك بن نبي وعلي شريعتي وسيد قطب وحسن الترابي وادوارد سعيد وهشام شرابي وسواهم من الأعلام سيكونوا بتلك الجاذبية والفاعلية لولا تفاعلهم مع الثقافة الغربية؟

إن الإنسان أخ الإنسان يأخذ منه ويعطيه هكذا كنا في زمن صعودنا الحضاري وهكذا يجب أن نكون لكي ننطلق حضاريا بما عندنا وما عند الآخرين عندما نستوعبه ونعيد صياغته بما يتناسب مع رسالتنا الإنسانية والله غالب على أمره.

 

 

 

  

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك