الكيان الصهيوني مشروع لتخريب أمننا واقتصادنا ومستقبلنا

وعي

بقلم: صالح عوض

ستظل مشاريعنا الوطنية والقومية والإسلامية تتخبط في العتمة ما لم تكتشف المشروع الصهيوني”طبيعته ووظيفته”، وسيظل فعلها ضرب عشواء حتى تصوب جهدها ضده؟ إنه مشروع يتشعب في مفاصل قضايا الأمة جميعا، تخلفها وتشتتها وتبعيتها، فأي مشروع جنوني هذا؟ أي فكرة شريرة  تلك؟ وفي أي رحم موبوء تولدت؟؟ ..في اية مرحلة تاريخية قاسية وصعبة تشكلت؟ انه ليس استعمارا ولا استيطانا ولا كيانا عنصريا فقط.. انه حالة لم يعرفها التاريخ البشري، هو استعمار واستيطان وكيان عنصري ومع هذا كله فهو مشروع للتطهير العنصري يقوم بدور الفيروس لتخريب الأمة كلها.. ولكن هل نحن إزاء يهود؟ أم مشروع استعماري غربي صهيوني؟ أين أيادي الكيان الصهيوني في مشكلات أمتنا الاقتصادية، والأمنية، والسياسية، بمعنى ما هي  الطبيعة والوظيفة مجددا؟ و هنا نسأل ما هي حقيقة القضية الفلسطينية؟ وهل هناك دور ووظيفة لفلسطين في مشروع نهضتنا ووحدتنا؟

تحرير أفكارنا:

في حين كان الاستعمار الفرنسي في أعقاب الحرب العالمية الأولى يتجه إلى الاعتقاد أن الجزائر أصبحت فرنسية وان المغرب العربي وإفريقيا الإسلامية انتهت الى تبعية كاملة.. وفي حين كانت التجزئة سايكس بيكو وسقوط الخلافة في تركيا ويستبدل النظام السياسي بنظام لائكي معاد لانتماء الأمة وقاطع لروابطها  ووعد بلفور.. في هذه المرحلة ولد المشروع الصهيوني عمليا على الأرض الفلسطينية.

الحديث هنا ليس سردا لتطور المشروع الصهيوني وليس تقصيا لأطراف المؤامرة التي تمت ضد الشعب الفلسطيني… إنما  هي عملية تدبر للكيان الصهيوني في طبيعته ووظيفته.. وهنا نؤكد على قيمة التفكير والتدبر في هذا التحدي الماثل أمامنا.. فلقد غاب عن الكثيرين منهج التفكير العلمي في فهم طبيعة العدو ووظيفته وحقيقة علاقته بالمشاريع الدولية.. فكانت الإجابات مهزوزة مترددة او في غير مكانها الأمر الذي أصابنا بالإعياء والتعب دونما منجزات بحجم تضحياتنا.

إن عملية التفكير يجب أن تتحرر بداية من كل ما يحيط بالفكرة (معالجة القضية الفلسطينية) من أية مشاعر وعواطف وأوهام وإجابات مسبقة ذلك لأننا إزاء قضية حياة أو موت تخص شعبا بكامله وأمة بكاملها بل والاستقرار والسلم الدوليين والضمير الإنساني..بمعنى أكثر مباشرة هل يمكن إيقاف هذه الانهيارات والهزائم التي تتلاحق في ساحتنا العربية والفلسطينية ؟ إننا ملزمون بالتوقف عن السير في المسارات السابقة التي تعاملت مع الموضوع الفلسطيني لنسأل عدة أسئلة : إلي أين تتجه بنا هذه المسارات؟ ثم هل هناك مرتكزات حقيقية للسير في تلك المسارب؟على ماذا استند العقل والفعل العربي وهو يواجه التحدي الصهيوني؟ وهنا بعد هذه الأسئلة نصبح أكثر حاجة وإحساسا بضرورة إعادة قراءة المشروع الصهيوني كتحد لنا في حاضرنا ومستقبلنا وذلك لاعتقادنا أن أفعالنا في السابق انتابتها العفوية والردود الانفعالية متولدة من ثقافتنا البيئية وعدم الإدراك أكثر من كونها ردودا في مستوى التحدي وعلى طبيعته.. إننا نعتقد أن القراءة الخاطئة لخريطة تساند القوى المعادية وأهدافها وعدم إدراك نقطة ضعفها هو السبب الرئيس في انتهاجنا سبيلا عوجا لم يحقق لنا انجازات ومكاسب بل أوصلنا إلى الخطيئة الكبرى ممثلة بالإقرار بشرعية وجود إسرائيل..

الكيان الصهيوني هو خلاصة الشر الاستعماري الغربي على بلاد العرب والمسلمين وهو الحارس الاساس للمصالح غير المشروعة للاستعماريين الغربيين بالإضافة الى مهمات جوهرية يقوم بها في المنطقة لتمزيقها والعبث باستقرارها

اليهود والصهيونية:

بداية نحن نفرق تماما بين اليهود والمشروع الصهيوني فنحن نعتبر المشروع الصهيوني أداة استعمارية امبريالية. وان هناك تكتلات يهودية في أكثر من مكان لا علاقة لها بالمشروع الصهيوني كما ان هناك أدوات أخرى بتكتلات دينية أو عرقية أخرى تقوم بوظائف تكميلية لوظيفة الكيان الصهيوني إنفاذا للمشروع الاستعماري الامبريالي.

صحيح هناك تكتلات يهودية في الكيان الصهيوني وهي أكثر مكون فيه ولكن لهذا ملابسات واشتراطات استعمارية مقصودة انه كيان يشتغل لتحقيق وظيفة استعمارية امبريالية في نسختها المعاصرة لتفسيخ المنطقة وتخريبها وحرمانها من النهضة ونهب ثرواتها.. ان المعركة لا تستهدف فلسطين وحدها فهنا فقط نقطة الارتكاز انما الوظيفة تشمل كل المنطقة وطوق المنطقة..

ينبغي قراءة المشروع الصهيوني والكيان الصهيوني ليس من خلال الوثائق والبيانات والدراسات الأكاديمية الوفيرة والمتواجدة في بطون المكتبات فقط.. لان ذلك كله يخضع للفلترة والتوجيه والتنميط..إنما يجب ان يدرس المشروع والكيان من خلال استبصار للمعركة الكبيرة الدائرة بين الاستعمار بأدواته كلها والأمة والى أية مرحل وصلت؟. هنا سنكتشف علاقة الكيان بالاستعمار وتطور مشروعه ونضع كل شيء في مكانه بلا تضخيم..

لقد كانت صدمة كثير من اليهود العرب الذين جلبوا بطرق مختلفة من بلدانهم العربية العراق والمغرب ومصر مست عميق تكوينهم النفسي ولاقت الرفض التلقائي ومورست عليهم عمليات الميز العنصري في كيان ليس من هدف وغاية له الا العدوان على المنطقة ولا يمتلك رؤية إنسانية للتجمع الصهيوني الأمر الذي صرخ به قيادات اجتماعية وسياسية كبيرة عندما أعلنوا فشلهم في صياغة شخصية صهيونية إسرائيلية..

إن اخطر ما واجهنا ليس قلة المعلومات بل غياب المنهج في فهم المعلومات وسياقها ووضع الأشياء والأفكار والأشخاص في مواضعهم الحقيقية.. ولقد أدار الاستعمار لعبة المعرفة بإتقان عندما حاول الفصل بينه وبين المشروع الصهيوني والكيان الصهيوني علنيا لكي يتفرغ في الدفاع عنه وعن حقوقه في الحياة فلقد كان من الصعب توفير الدعاية اللازمة لهذه الأداة الاستعمارية لو بقيت علنا برابطها الحقيقي مع الاستعمار كما كان من قبل مع دولة بيت المقدس..وهنا أصابت اللعنة العقل العربي عندما قبل بهذه اللعبة المتاهة.. فأصبح يتعامل مع الكيان الصهيوني ليس على اعتبار حقيقته وطبيعته ووظيفته الاستعمارية إنما بمعزل عن الاستعمار الذي جاء مجددا بأشكال مختلفة ليفرض علينا صيغا للتسوية والسلام مع أداته المركزية وأدخلنا التيه والفراغ لتضييع أعمارنا وتشتيت أفكارنا واخذ الوقت والفرصة كاملة لنهبنا وتدمير احتمالات النهوض لدينا.

الصهيونية والاستعمار:

المعركة مفتوحة منذ عدة قرون لم تتوقف بين الاستعمار الغربي بأشكاله العديدة وأمتنا العربية، وقد استخدم الاستعمار فيها أداوت عديدة، كان أكثرها شراسة الكيان الصهيوني تتويجا لمشروعه الطويل عبر قرون ضدنا، وهكذا ينبغي النظر إليه على انه الأداة الإستراتيجية التي انتهت إليه مشاريع الاستعمار في حربه علينا..

ولقد شغلت الدوائر الاستعمارية وطبقات المستشرقين الاستعماريين من اجل إيجاد الفكرة الصهيونية لبناء قاعدة بشرية غريبة في القلب من أمتنا ومن الواضح تماما ان هذه الفكرة لم تكن دينية إنما هي من مطبخ الاستعمار وقادها علمانيون لا يؤمنون بشيء الا بانجاز مهمة استعمارية.. ولذا كانت الدوائر الاستعمارية في واشنطن وباريس ولندن ومن بعد موسكو منشغلة تماما بكيفية إخراج هذا المشروع إلى برامج يتم تنفيذها على أرض فلسطين وزودت مخابر الاستشراق الغربية الحركة الصهيونية بالمقولات والأفكار التي استخدمتها في تحشيد اليهود والدعاية الدينية كما تم تزويد المشروع بكل الإمكانات المادية والإعلامية الكافية لتحقيقه على أرض الواقع،  ورغم ذلك فان المشروع الصهيوني ظل معزولا لم يستطع كسب كل يهود العالم وهاهو هو بعد عشرات السنين يقترب من الخواء المعنوي والدفع الأيديولوجي بعد أن أصبح الكيان الصهيوني ينوء تحت أعباء عنصريته وتمرده على الأعراف الدولية والقوانين المتعامل بها ليتجلى على حقيقته أنه فقط أداة استعمارية غربية.

إعادة الرؤية للمشروع الصهيوني من جديد  ينبغي أن تحررنا من قوالب تقليدية ومقولات متيبسة سارت معنا عقودا طويلة تفرض علينا سلوكا و منطقا قصر بنا عن استيعاب التحديات.. وهنا تصبح المعادلة من جديد حضارية بمفاهيم جديدة وأفكار حقيقية لكي نسير في اتجاه الكفاح الإنساني الحقيقي في مواجهة العنصرية والجريمة المنظمة ضد امتنا جمعاء بواقعها ومستقبلها. 

القضية المفتاح:

ولابد من ارتقاء الوعي بالقضية الفلسطينية لنراها كما هي ولنمنح العقل فرصة التدبر والتأمل في كل اتجاه.. ولابد من تعديل الخطط بما يتناسب مع الوعي.. ورفع شعارات علمية راشدة لجولات صراعنا القادمة..

لقد سبق أن انتشر مصطلح فلسطين قضية مركزية في وطننا العربي في مواجهة العدوان الصهيوني، لكنه حينها كان مبنيا على معطيات سياسية وتاريخية وعقائدية معينة.. وهو يقف اليوم قاصرا عن الإحاطة بالواقع المتغير والمتكشف على تحديات من ألوان مختلفة  لذا فلم يعد كافيا لبحث أدوات وفهم لما ينبغي فعله فلا بد هنا من إجراء عملية أوسع لتطويره وتنميته حسب التطورات العميقة التي حصلت على جبهتنا وجبهة العدو وحسب التطورات الأعمق التي حصلت في العالم او على الأصح التطورات الحاصلة على فهمنا نتيجة التجارب والتدبر. 

القضية الفلسطينية ليست فقط قضية مركزية للأمة العربية والإسلامية.. انها قضية أولى لكل بلد عربي وإسلامي لان علاقتها جوهرية بكل قضية يعيشها اي بلد عربي وإسلامي أمنية كانت او سياسية او اقتصادية او اجتماعية.. وهنا يجب الانتباه جيدا أن كفاح العرب والمسلمين ضد المشروع الصهيوني ليس فقط لان الكيان الصهيوني قاعدة المشروع الاستعماري المركزية ويحتل فلسطين المباركة فقط بل لأنه المتحرك بقوة في كل قضايا امتنا العربية الإسلامية في انفصال السودان والحركات الانفصالية في العراق وقتل علمائه حرمانه من التكنولوجيا وفي سورية حرب مستمرة على البلد وتدعيم التخريب في كل شيء في مخطط تقسيم ليبيا وتشجيع الحركات الانفصالية في المغرب العربي و تدمير محاولات النهضة العلمية في إيران و التخريب المستمر ومحاولات الإفساد الأمني في باكستان وتعطيل نموها التكنولوجي وتشكيل حالات قوة ضغط في كل مكان لإرباك تركيا والاختراقات الأمنية والاقتصادية والسياسية في جوار العرب الإفريقي..

يجب الانتباه تماما أن الكيان الصهيوني يقوم بوظيفة متعددة المهمات من خلال حركة أخطبوطية مخربة لكل قوى الأمة العربية والإسلامية.. من هنا يجب ان يتطور فهمنا وتفكيرنا ونستحدث مصطلحات جديدة ولا نقف مجمدين عند فكرة قضية مركزية..فكرة قضية مركزية كانت مصطلحا فكريا ثقافيا في مرحلة ما قادنا فهمنا الى الاستئناس به رغم إننا لم نعززه بمعرفة تفصيلية متراكبة عن الكيان الصهيوني والمشروع الصهيوني وعلاقته التفصيلية بمراكز الفعل العالمية.. وليس منطقيا إن لا يعتمد رافعو مصطلح القضية المركزية منهجا تثقيفيا وتربويا يكون شقه الأساس معرفة العدو أفكاره ومؤسساته وكيفية صنع قراره ومكامن القوة والضعف فيه.. لقد ظل الموضوع أقرب للمناخ الفكري النظري الإيديولوجي مع أن فلسطين عمليا في مواجهة الكيان الصهيوني مفتوحة على كل قضايا الأمة ولا توجد قضية سواها من قضايا الأمة لها هذه الخاصية ومن هنا أيضا نصبح أكثر تركيزا على أن محور القدس وفلسطين هو ضامن الوحدة للأمة، وإن أي محور آخر مهما بلغت نسبة الصحة فيه سيكون عنصر تفجير داخل الأمة.

إننا الآن في مصر والجزائر والمغرب وسورية وايران والعراق وباكستان والسودان وسواها من وطننا العربي وعالمنا الإسلامي نتابع موجات التفسيخ لمجتمعاتنا والحركات الانفصالية ومن خلال تأمل سريع نكتشف ان الأجهزة الأمنية الصهيونية تقف خلفها.. ثم إن هذا الاستهداف المستمر للثروة الإستراتيجية المتمثلة بالكفاءات العلمية العبقرية بالاغتيالات في مصر والعراق وايران وباكستان أو خطفها يكشف عن خطة تصحيرنا لإحكام التخلف علينا..

لذا فان مواجهة المخطط والفعل الصهيوني يجب أن يوضع في كل بلد عربي وإسلامي  أول أولويات مهمات الأجهزة العربية الأمنية والثقافية والسياسية والاقتصادية وهكذا نجد أنفسنا جميعا في اتجاه واحد وبوصلة واحدة  مقتربين من التكامل والنهضة وفلسطين والله غالب على أمره.

أترك تعليقا

لن يتم نشر إيميلك